الفصل الأول: السيرة النبوية من الهجرة حتى وفاته ﷺ
تمهيد:
أخذ كفار مكة في صدر الناس عن الإسلام، والعمل على إطفاء نور الله في قلوب المؤمنين، واستعملوا من أجل ذلك كافة ما أمكنهم من عمل، وأخذوا في إلحاق الأذى برسول الله ﷺ وأصحابه معه، حتى أنهم دبروا لقتل رسول الله ﷺ وآذوا المؤمنين إيذاء شديدًا، وقد أحاطت عناية الله برسوله ﷺ وبدينه، فساق إلى مكة نفرا من الأوس والخزرج، دخلوا في الإسلام، وبايعوا رسول الله ﷺ على الجهاد والموت كما هو واضح في بيعة العقبة الثانية١.
فكان أن أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة، وهاجر ﷺ بعدهم ولحق بهم، واستقر حال المسلمين بعد تمام الهجرة وتأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة.
وأخذت الأحداث تتابع، وبدأ نصر الله لدينه وللمؤمنين يتحقق في أرض الواقع، ووصل دين الله إلى العالم كله، وبذلك عاشت سيرة الرسول، وحركته لله في العقول والقلوب، وحفظت في السطور والصدور، وبرزت في الأعمال والسلوك.
وقد تأسست دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة بعد الهجرة، وصارت نموذجًا حيًا لحضارة راقية، قامت على التوحيد الخالص، والعبودية الكاملة لله وحده والتمسك بالعمل الصالح، والخلق الكريم.
وفي منهجنا لدراسة هذه المرحلة أحب أن أفرق بين أمرين:
الأمر الأول:
أقصد بأحداث السيرة النبوية الأحداث التي عاشها رسول الله ﷺ بصورة شخصية في جانبها الأغلب، وإن شاركه غيره فيها كهجرته ﷺ وإنشاء بيوته، وزواجه، وأولاده، وتعامله مع أصحابه إلخ. إلى وفاته ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر ص٤١١ من الكتاب الثاني.
[ ٥٣ ]
الأمر الثاني:
أعني بأحداث حركة النبي ﷺ بالدعوة، الأحداث التي كان النبي ﷺ يقوم بها مع سائر المسلمين في نشر الإسلام وتبليغه للناس، وذلك كالجهاد، وإرسال الرسائل، واستقبال الوفود إلخ، مما له صلة بتبليغ الإسلام، وإن قام به الرسول ﷺ وحده أحيانًا.
إن الترابط بين الأمرين كبير، إلا أني فرقت بينهما منهجيًا، لأجعل الأمر الأول في دراسة السيرة، وأجعل الأمر الثاني في دراسة حركة الرسول ﷺ بالدعوة وإن قام بهما معًا رسول الله ﷺ.
وفي هذا الفصل تأتي دراسة السيرة النبوية في العهد المدني ولذلك أراها تتناول المباحث التالية:
المبحث الأول: الهجرة النبوية.
المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة بعد الهجرة.
المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة.
المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة.
المبحث الخامس: رد ما يقال عن تعدد زوجات النبي ﷺ.
المبحث السادس: الحكم العامة في تعدد زوجات النبي ﷺ.
المبحث السابع: حسن معاشرة النبي ﷺ لزوجاته.
المبحث الثامن: أبناء النبي ﷺ.
المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله ﷺ.
المبحث العاشر: أداؤه ﷺ رسالة الله تعالى.
وأما وفاته ﷺ فسوف أجعلها بإذن الله تعالى في نهاية الحديث عن حركة الرسول بالدعوة ليكون الحديث في هذا الموضوع خاتمًا للسيرة والحركة معًا.
والله الموفق.
[ ٥٤ ]