دعا النبي ﷺ إلى الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالرسول، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بهذه الأركان لا يتم إلا بترك الشرك، ونبذ عبادة الأصنام.
يقول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى".
ويقول لأبي بكر ﵁: "إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى ترك عبادة غيره".
وكان ﷺ يخرج متخفيا لعبادة الله مع علي في شعاب مكة، لا يعلم أحد عنهما شيئا إلا الله تعالى، وذات يوم عثر عليهما أبو طالب، وهما يصليان.
فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ: يابن أخي! ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: "أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم ﵇، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت أي عم، أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه".
[ ٤٤٣ ]
فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.
وذكروا أنه قال لعلي: أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟
فقال علي ﵁: يا أبتِ، آمنت بالله وبرسوله الله، وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته.
فذكروا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه١.
فنجده ﷺ في حواره مع عمه يورد الكلمات الموجزة، الجامعة للمعاني الكثيرة، مع التركيز على القضايا المسلمة عند العرب، والانطلاق منها إلى ضرورة الإيمان بالله تعالى.
فالعرب جميعا يعرفون الله تعالى، ويسلمون له بالقدرة، ومع ذلك يشركون معه في العبادة آلهة آخرى ويعتزون بأبيهم إبراهيم وإسماعيل ﵉.. ولذلك وضح النبي ﷺ لعمه أنه يدعو لدين الله، ودين إبراهيم ﵇، ودين الأنبياء السابقين.
ولم يغب عن رسول الله ﷺ مخاطبة عمه بالحسنى فيقول له: "أي عم، أنت أحق من بذلت له النصيحة، ورجوت له الهداية".
ومع أن أبا طالب لم يستجب للدعوة إلا أنه طمأن محمدا ﷺ على حمايته، ولم يعترض علي إيمان ابنه علي ﵁.
وكان مجرد إعلان الصحابي "أي صحابي" الإيمان بدعوة رسول الله ﷺ بداية لتبدل حياته كلها، ليظهر جديدا في كل شيء، ويتغير تغيرا تاما، وتلك إحدى العجائب التي صنعها محمد ﷺ في الذين آمنوا بدعوته.
يقول سيد قطب: ولقد كنت وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى أقف أمام شعور هذه الجماعة بوجود الله سبحانه، وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم،
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج١ ص٢٤٧.
[ ٤٤٤ ]
فلا أكاد أدرك كيف تم هذا؟
كيف أصبحت حقيقة الألوهية حاضرة في قلوبهم وفي حياتهم على هذا النحو العجيب؟
كيف امتلأت قلوبهم وحياتهم بهذه الحقيقة هذا الامتلاء؟
كيف أصبحت هذه الحقيقة تأخذ عليهم الفجاج والمسالك والاتجاهات والآفاق؛ بحيث تواجههم حيثما اتجهوا، وتكون معهم أينما كانوا، وكيفما كانوا؟
كنت أدرك طبيعة وجود هذه الحقيقة، وحضورها في قلوبهم وفي حياتهم، ولكني لم أكن أدرك كيف تم هذا!
عدت إلى القرآن أقرؤه على ضوء موضوعه الأصيل، وعرفت منهج القرآن في تجلية حقيقة الألوهية، وتعبيد الناس لها وحدها، بعد معرفتها، وهنا فقط أدركت كيف تم هذا كله.
أدركت سر الصناعة، عرفت أين صنع ذلك الجيل المتفرد في تاريخ البشرية وكيف صنع! إنهم صناعة قرآنية، صنعوا في هذا المنهج الرباني على يدي رسول الله ﷺ الذي غرس في نفوسهم معرفة أن الله هو الأول والآخر، والله هو الظاهر والباطن، والله هو الخالق والرازق، والله هو المسيطر والمدبر، والله هو الرافع والخافض، والله هو المعز والمذل، والله هو القابض والباسط، والله هو المحيي والمميت، والله هو النافع والضار، والله هو المنتقم الجبار، والله هو الغفور الودود، والله هو العلي الكبير، والله هو القريب المجيب، والله هو الذي يحول بين المرء وقلبه، والله هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، والله هو العليم بذات الصدور، وهو معهم أينما كانوا، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وهو الذي ينزل الغيب من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ولا ملجأ من الله إلا إليه، وما لهم من دونه من وال، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.
[ ٤٤٥ ]
وهكذا..
وهكذا..
جعلت هذه الحقيقة تملأ على الناس حياتهم، وتواجههم في كل درب، وتتراءى لهم في كل صوب، وتأخذ على أنفسهم أقطارها، وتعايشهم، وتساكنهم بالليل والنهار، وبالغدو والأسحار، وحين يستغشون ثيابهم، وحين تهجس سرائرهم، وحين يستخفون من الناس، بل حين يستخفون من نفوسهم التي بين جنوبهم١، حتى خرجت منهم أناس يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتيقنون بأن الدار الآخرة هي الحياة الصحيحة، ويعيشون العبادة والعبودية في خواطر النفس، وهمسات الروح، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
ولا عجب بعد أن كانوا هكذا، فلقد تتلمذوا في مدرسة النبوة، وتكونوا بمنهج الله، وكانوا الجماعة الإسلامية الأولى.
_________________
(١) ١ مقومات التصور الإسلامي ص١٩٠، ١٩١.
[ ٤٤٦ ]