المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة
بعد أن كُلف رسول الله ﷺ بالرسالة تحول نشاطه إلى العمل بالتبليغ، وسيطرت عليه جوانب الرسالة سيطرة كاملة.
فهو ﷺ يتلقى الوحي من الله، ويبلغه لمن حوله، ويدعو به كل مَن بلغ، ويبذل في سبيل هذا وقته وجهده ونشاطه كله.
وكانت زوجته معه خير رفيق لهذه الرحلة الكريمة الشاقة..
وحيث إن الفصل التالي خاص بحركة الرسول ﷺ بالدعوة إلى الناس، وهو بذلك متضمن للرسول محمد، ورسالته في الفترة المكية، فإني أورد هنا أهم الأحداث المتصلة بالسيرة المحمدية موضوع الفصل.
وتتميما لجوانب السيرة الشخصية لمحمد ﷺ في الفترة المكية، فإني سأورد الملامح العامة لسيرة محمد ﷺ خلال هذه الفترة مع التركيز على ما له صلة بالجانب الشخصي عنده ﷺ، وبذلك نقدم السيرة لننتقل إلى حركته ﷺ بالدعوة بعد ذلك.
ولهذا سوف يتضمن هذا المبحث عددا من المواقف التي تحدد مسار السيرة النبوية، وهي:
أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام
عاش النبي ﷺ بعد الرسالة في بيئة متآلفة متحابة، فلقد كان ﷺ يربي عليا، وينفق عليه، وكان معه مولاه زيد بن حارثة، بالإضافة إلى زوجته وأولاده.
فتكونت بذلك جماعة متآلفة تجعل حركة الحياة في إطارها سهلة ميسرة، وهذا من فضل الله على محمد ﷺ؛ ليقوم بمهام الرسالة على وجهها.
[ ٣٣٦ ]
فلقد آمنت خديجة ﵂ بالرسالة من لحظتها الأولى، وأخذت تطمئن محمدا ﷺ وتسري عنه، وتفسر له ما يرى في الغار بما يربحه ويرضيه، وتشاركه في مشاغله ومسائله، يقول ابن إسحاق: وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاء به من الله، وآزرته على أمره، فكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع بشيء يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها، تثبته، وتخفف عليه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، يرحمها الله تعالى١.
وكانت ﵂ عاقلة حكيمة، تكون حيث يكون، وتحب ما يحبه، وتتمنى ما يتمناه، آمنت بالدعوة، وعبدت ما كان يعبد في صدق وإخلاص.
جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ يعلمه الوضوء والصلاة بطريقة عملية، ففي الخبر: أن جبريل أتى محمدا ﷺ وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت له منه عين، فتوضأ جبريل، ورسول الله ﷺ ينظر إليه ليريه كيفية الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل يتوضأ، ثم أقام به جبريل فصلى به، وصلى رسول الله ﷺ بصلاته.
ولما انصرف جبريل جاء رسول الله ﷺ إلى خديجة، فتوضأ أمامها، يريها كيفية الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله ﷺ، ثم صلى لها كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته٢.
ثم إن على بن أبي طالب رأى رسول الله وخديجة يصليان فقال: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: "دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده، لا شريك له، وإلى عبادته، وإلى الكفر باللات والعزى".
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٤٠٢. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣٩٨.
[ ٣٣٧ ]
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرا حتى أحدث به أبا طالب ليأذن لي فيه.
وكره رسول الله ﷺ أن يفشي علي سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا علي، إذا لم تسلم فاكتم هذا".
فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله ﵎ أوقع في قلب علي الإسلام فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟
فقال له رسول الله ﷺ: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد".
ففعل علي ﵁ وأسلم١.
وأما زيد بن حارثة فقد كان مع رسول الله ﷺ منذ صغره مولى له؛ لأن خديجة اشترته ووهبته للنبي ﷺ وعمره ثماني سنوات، وهو من أوائل من أسلم حتى قال بعضهم: إنه أسلم قبل علي بن أبي طالب، وبقي في كنف رسول الله ﷺ، ونزل القرآن باسمه في قصة زواجه بزينب بنت جحش٢، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٤٠٣. ٢ انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٢ ص١٤٠-١٤٢ بتصرف. ٣ سورة الأحزاب آية ٣٧.
[ ٣٣٨ ]
وإنما كانت الصلاة وكان الوضوء في أول المبعث على وجه الإباحة والسنية، فلما فرضت الصلاة في ليلة الإسراء، جاء الأمر بالوضوء في القرآن الكريم لأداء الصلاة المفروضة.
وهكذا تآلفت هذه الجماعة بالإسلام، وتوحد عملها وهدفها، مما جعل السعادة ترفرف على محمد ﷺ في بيته الكريم.
وسارت به الحياة هادئة في مرحلة الدعوة السرية، ومدتها سنتان ونصف على الأرجح؛ لأن كفار مكة تصوروا محمدا واحدا من الحنفاء الذين يتكلمون من غير أن يؤثروا في غيرهم، وبخاصة أنه لا يتكلم مع كل الناس، وإنما كان يتخير أفرادا قليلين متميزين بلين الجانب والتواضع مع التروي والهدوء.
كما تصوروا أن محمدا سيفتر عن دعوته، ويتركها بعد مدة حين ينصرف الملأ والوجهاء عنه، وصدقوا أنفسهم حينما رأوا أتباع محمد ﷺ من الفقراء والضعفاء، فلما جهر محمد ﷺ بالدعوة، ودخل في الإسلام عدد يزيد كل يوم شعروا بالخطر، وبدءوا في المواجهة والمقاومة والعدوان.
[ ٣٣٩ ]