أخذ رسول الله ﷺ في تقوية إيمان المعذبين، وعرفهم أن المؤمنين دائما في بلاء، وأنهم بإيمانهم يعملون للآخرة قبل الأولى، يقول ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل أول بيت في الإسلام إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول فيما بلغني: "صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة"، فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام١، وكان يقول لهم ﷺ: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه" ٢.
وكان المسلمون يرون في رسول الله ﷺ المثل والقدرة، فهو أسبقهم إلى العدو، وأولهم في التضحية، وأفضلهم في الشرف والنيل والطهر؛ ولذلك صدقوا في كل ما عاهدوا الله عليه.
ولقد كانت آيات القرآن الكريم تنزل عليهم تؤملهم في النصر وتحدد لهم معالم الطريق
_________________
(١) ١ السير النبوية ج١ ص٣١٩. ٢ فيض القدير ج١ ص٥١٩.
[ ٥٤٦ ]
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ١.
وكان الرسول ﷺ حريصا على تعريف المسلمين بمدى العبء الواجب تحمله، يروي البخاري بسنده أن خباب بن الأرت جاء إلى النبي ﷺ وهو متوسد برده، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله، فقعد، وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط حديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه" ٢.
وبهذا التوجيه النبوي للجماعة المؤمنة الأولى ظهرت قوية صامدة محتسبة..
وعليها وعلى أمثالها وجدت الأمة الإسلامية، وتحقق للإسلام والمسلمين الكرامة والحرية.
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيات ١٧١-١٧٧. ٢ الرحيق المختوم ص١١٧.
[ ٥٤٧ ]