المبحث الرابع: زواج النبي ﷺ بعد وفاة خديجة
بعد وفاة خديجة ﵂ تزوج النبي ﷺ غيرها، وهو في مكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، فعقد على عائشة في مكة، ودخل بها في المدينة، وتزوج سودة بنت زمعة، ودخل بها في مكة، وتزوج أيضا أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵃ أجمعين؛ حيث عقد عليها وهي في الحبشة، ودخل بها بعد عودتها إلى المدينة بعد الهجرة.
وهذا تعريف بهولاء الزوجات:
أولا: سودة بنت زمعة ﵂
روى ابن إسحاق -من طريق يونس بن بكير- أن النبي ﷺ تزوجها بعد خديجة ودخل بها في مكة قبل الهجرة، ولم يصب منها ولدا، وكانت عائشة ﵂ تقول عنها: ما رأيت من امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة١.
يورد ابن كثير قصة زواج النبي ﷺ بسودة وعائشة، فيقول: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم، امرأة عثمان بن مظعون إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟
قال: "مَن؟ ".
قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا.
قال: "فمن البكر؟ ".
قالت: أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر.
قال: "ومن الثيب؟ ".
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص٥٧.
[ ٣٧١ ]
قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك.
قال: "فاذهبي فاذكريهما علي"، فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟!
قالت: وما ذاك؟
قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة.
قالت: انظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقلت: يا أبا بكر، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟
قال: وما ذاك؟
قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة.
قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له.
قال: "ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي"، فرجعت فذكرت ذلك له، قال: انتظري، وخرج، ثم رجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته، فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت لها: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة؟
قالت: وما ذاك؟
قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك إليه.
قالت: وددت، ادخلي إلى أبي بكر "والدسودة" فاذكري ذلك له، وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن، فدخلت عليه وحيته، فقال: من هذه؟
قالت: خولة بنت حكيم.
قال: فما شأنك؟
قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.
[ ٣٧٢ ]
فقال: كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟
قالت: تحب ذلك.
قال: ادعيها إلي، فدعتها، قال: اي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفؤ كريم، أتحبين أن أزوجك به؟
قالت: نعم.
قال: ادعيه لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه١.
وقد شكت سودة ظروفها لرسول الله ﷺ، وحاولت أن تعتذر عن الزواج به، فسألها رسول الله ﷺ: "ما يمنعك مني؟ ".
قالت: والله يا نبي الله ما يمنعني منك ألا تكون أحب البرية إلي، ولكني أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية.
قال: "فهل منعك مني غير ذلك؟ ".
قالت: لا والله، قال لها رسول الله ﷺ: "يرحمك الله، إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالحو نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده" ٢.
وهي التي وهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، وذلك حينما كبرت فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة٣.
ونفهم من رواية الصحيحين أنها كانت امرأة -مع كبر سنها فيما بعد- كبيرة الجسم حتى أنها لتعرف وتميز بين النساء إذا مشت، حتى قال عمر ذات يوم وقد خرجت سودة ليلا: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا٤.
وتصفها بعض الروايات بأنها كانت ثقيلة، ثبطة، بطيئة الحركة؛ ولهذا استأذنت النبي ﷺ ليلة جمع "مزدلفة" في الدفع قبل حطمة الناس فأذن لها٥.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٣١. ٢ البداية والنهاية ج٣ ص١٣٣. ٣ صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب كثرة النساء ج٨ ص١٢٧. ٤ صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب خروج النساء لحوائجهن ج٨ ص٢٠١. ٥ صحيح البخاري - كتاب الحج - باب من قدم من ضعفة أهله ج٣ ص١٦٦.
[ ٣٧٣ ]