يبعث الله رسله بعد بلوغهم سن الأربعين؛ لأنه حد الرشد وبلوغ العقل، يقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأن كمال الرشد يساعد على تكميل الغير، ونحن هنا نشير إلى أهم الصفات البارزة في الشخصية الكاملة؛ لتكون منارة في تنشئة الدعاة، وتوجيههم نحو النجاح في مهمتهم.
إن تأثير داعية واحد، يتميز بالصفات المنشودة، أفضل من تأثير مئات الدعاة الذين اتخذوا الإمامة والدعوة وظيفة يكفيها حضور الأوقات والانصراف من المسجد.
سمعت مرة أحد العلماء يقول: إني أومن بالواحد فظننته يتحدث عن الإيمان بالله تعالى الواحد الأحد.. ولكنه بين أن مقصده الداعية المثالي ولو كان واحدا؛ لأن الكثرة غير المهيأة لا تفيد مثله.
ومع آمال المؤمنين المخلصين أرجو للدعاة أن يكونوا على مستوى دعوة الله تعالى.
[ ٥٨٣ ]
وأهم صفات الكمال الذاتي ما يلي:
١- الصدق:
والصدق فوق أنه في حد ذاته سلوك سامٍ وصفة راقية، فهو منبع الثقة وأساس التسليم؛ لأن الصادق لا يخالف الواقع، وكل قوله مسلم، لا يحوم حوله شك أو تكذيب.
والصدق في الداعية ضرورة؛ لأن ما يذكره ليس رأيا شخصيا، ولا اجتهادا ذاتيا؛ لأنه مبلغ دعوة الله كما جاءت، ومبين لغوامضها، وناقل كل بيان قيل في شأنها، وكل هذا يحتاج إلى صدق في التبليغ، ودقة في النقل والبيان، حتى يتيقن المدعو من أن كل ما يسمعه من الداعية هو رسالة الله، وأن الدعوة كما بدت من قوله هي هي كما تركها رسول الله ﷺ بلا تزيد أو انتقاص.
ولذلك كان من الحِكَم الخالدة في رسالة الإسلام أن أهم صفة اشتهر بها النبي ﷺ هي صفة "الصادق الأمين"، وقد ذكر النضر بن الحارث بعض أوصافه لقومه فقال لهم: "هو أصدقكم حديثا"١.
ولما سأل هرقل أبا سفيان "ولم يكن قد أسلم بعد" عن محمد قائلا: وهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه: لا. فقال هرقل: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله٢.
وهذا القول من هرقل يبين أهمية الصدق؛ لأن دعوة الله لا نعلمها إلا من مبلغها، ومن كذب على الناس جاز أن يكذب على الله، أما من التزم الصدق مع البشر فهو صادق حتما مع الله ﷾.
ولما بدأ النبي ﷺ يجهر بدعوته سأل الناس: "لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا جميعا: ما جربنا عليك كذبا٣، وإنما
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٣١٩. ٢ صحيح البخاري ج١ ص٥، ٦ - باب بدء الوحي. ٣ صحيح البخاري ج٦ - كتاب التفسير - باب تبت يدا أبي لهب.
[ ٥٨٤ ]
بدأ معهم بإظهار إقرارهم بصدقه ليوضح لهم أن دعوته لهم هي الحق؛ لأنه لم يعهد فيه الكذب قط.
وقد كثرت التنبيهات والتوجيهات في القرآن الكريم والحديث النبوي لالتزام الصدق في كل شيء، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
ويقول النبي ﷺ: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة" ١، بل يصل الأمر في أهمية الصدق إلى جعله أحد الصفات الأساسية للمسلم؛ لأن الإسلام في حقيقته نبذ للأوهام، وبعد عن الباطل، وهو بذلك يتنافى مع الكذب، ومن افتراه ليس مؤمنا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وسئل النبي ﷺ: أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: "نعم"، فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: "لا" ٣.
وإن كان هذا شأن المسلم على إطلاقه، فما بالك بالداعية الذي هو في أشد الحاجة إلى أن يتبع، وبغير الثقة في صدقه لا يكون هناك اتباع؟! ألا ترى إخوة سيدنا يوسف ﵇ حينما احتجز أخوهم "بنيامين" عند يوسف ﵇ ذهبوا إلى أبيهم قاصين، ومن أجل أن يثق في قولهم قالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٤، بل إن رسل الله إلى لوط ﵇ يقولون له: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٥، فتجدهم يظهرون صفة الصدق لمحدثهم على وجه التأكيد فيها؛ ليكون ذلك أدعى إلى السماع،
_________________
(١) ١ موطأ مالك ج٤ ص٢٢٧ - ما جاء في الصدق. ٢ سورة النحل الآية ١٠٥. ٣ موطأ مالك ج٤ ص٢٢٨ - ما جاء في الصدق والكذب. ٤ سورة يوسف الآية ٨٢. ٥ سورة الحجر الآية ٦٤.
[ ٥٨٥ ]
وأسرع في الموافقة، لا فرق كما هو مذكور بين الملائكة والبشر؛ لأن الإقناع لا يتم إلا بالأمر الواقع، ويعيش التصديق دائما مع الحق والثبات، ومن أكثر من الدعوة حاجة إلى الإقناع والثبات!!!
صحيح أن الدعوة تحمل في طياتها عناصر الثقة بها، من واقعية في التشخيص ودقة في الإسعاد، لكن هذا لا يعفي الداعية من ضرورة الثقة فيه أيضا؛ لكي تصغى إليه الآذان، وتسمع العقول، وتفكر الأفئدة، وبعدها يكون قد أدى ما عليه.
٢- الأمانة:
ومما يلازم الصدق صفة الأمانة الشاملة لكل ما يقوم الإنسان به تجاه نفسه وتجاه الناس، من قول أو عمل، ومن أكبر الخيانات أن تكذب الحديث؛ حيث يقول ﷺ: "كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب" ١؛ ولذلك أمر الله المسلم بألا يخون في أي جانب من الجوانب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وكما ارتبط الإيمان بالصدق فهو يرتبط بالأمانة، ويجب أن يشتهر الداعية بالأمانة كما اشتهر بالصدق عند الجميع: من أسلم ومن لم يسلم؛ ليتحقق خير كثير للدعوة.
٣- الإخلاص:
يحتاج الدعاة إلى الإخلاص لله تعالى وهم يبلغون دينه..
والمقصود بالإخلاص أن يكون العمل كله لله، لا يداخله غرض آخر، وأن يبحث في كل أقواله وأعماله وأحواله عن مراد الله، وتوجيهه فيما سيقوم به.
وقدوته في ذلك رسول الله ﷺ، الذي عاش عمره للدعوة ولم ينظر لشيء آخر.
عرض عليه كفار مكة المال والملك والسلطان والمرأة ليترك الدعوة، فكان رده واضحا بأنه لن يتركها ولو ملكوا قوى الكون وأعطوها له في يده، وتحت تصرفه.
_________________
(١) ١ البخاري - الأدب المفرد. ٢ سورة الأنفال الآية ٢٧.
[ ٥٨٦ ]
ولصدق إخلاصه ﷺ لدعوة الله تعالى تحمَّل في سبيلها الكثير، فقد أوذي في نفسه، وولده، وسائر جوانب حياته، وظل صابرا محتسبا، راجيا رضوان الله تعالى؛ لذلك وجب على الدعاة أن يعيشوا للدعوة، وبخاصة أن الله تعالى قد يسر لهم أمر المعاش في هذا العصر.
إن الداعية المخلص لرسالته مسئول عن:
- العلم بالدعوة: وذلك لا يتأتى إلا بالقراءة الدائمة والتعلم المستمر، وليجعل للكتاب نصيبا من حياته، يعود إليه أثناء تحضير درسه، وإعداد خطبته.
ومن المعلوم أن الداعية يعرض دعوته جزءا جزءا، وعليه حينئذ أن يعد لكل جزء عدته بالقراءة والفهم والإعداد.
- تخير الوسيلة: وهذا يحتاج إلى النظر في كافة الوسائل الممكنة لتخير المفيد منها، فقد يكون المفيد كتابا، أو حوارا، أو مصاحبة، أو حديثا مطولا.
وله في رسول الله ﷺ أسوة، فلقد دعى خديجة ﵂ بالعمل، ودعا أبا بكر بالكلمة الموجزة، ودعا غيره بالخطبة المطولة، أو برؤية العمل والتطبيق وهكذا.
- تحمل المشاق: يلاقي الدعاة في أعمالهم عديدا من العقبات، بعضها من المدعوين وبعضها من غيرهم، من شياطين الإنس والجن.. وقد عشنا مع رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه، ورأينا المعاناة التي قابلتهم أثناء قيامهم بالدعوة إلى الله تعالى.. ومع ذلك لم تلن لهم قناة، ولم تضعف لهم عزيمة، واستمروا على إخلاصهم في الدعوة إلى الله تعالى.
على هذا يجب أن يستمر الدعاة غير مبالين بما يعترضهم من مشاق، محتسبين ذلك لله رب العالمين.
٤- الذكاء والبديهة: يتعرض الدعاة لمواقف تحتاج منهم إلى بديهة متوقدة تمكنهم من إيجاد الحل المناسب لها، في إطار المشروعية الإسلامية، وبسرعة خاطفة، منعا
[ ٥٨٧ ]
لنشر الملل مع المدعوين.
إن الذكاء العادي والذاكرة الضعيفة تضر أكثر مما تفيد في بعض الأحيان، وكثير من العباقرة فقدوا تفوقهم بسبب بطئهم في التفكير، وإيجاد الحلول، ومعالجة المواقف؛ لأن الإنسان قد يكون مثقفا، غزير المادة.. ومع ذلك يرتج عقله، وتخونه ذاكرته، إذا صادف موقفا حساسا مفاجئا.
وقديما قالوا: "إن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه".
ذهب غلام مع وفد قومه لتهنئة عمر بن عبد العزيز، ولما وقفوا بين يدي الخليفة اشرأب الغلام للكلام.. فقال عمر: يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك.
فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت١.
والقلب الحافظ لا يكون إلا من ذاكرة حسنة، وبديهة حاضرة..
وقد درس علماء النفس ظاهرة ضعف الذاكرة، فوجدوها ضارة بالإنسان، وخاصة الإنسان العادي.
يقول "كارل سيشور": إن الرجل العادي لا يستخدم أكثر من عشرة في المائة من قدرته الموروثة في الاستذكار، ويضيع منه تسعون في المائة بإهماله قوانين التذكر الطبيعية٢.
إن العلم هبة إلهية يعطيها للمتقين من عباده، كما يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ .
ويقول الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي
_________________
(١) ١ الشخصية ص٢٢. ٢ التأثير في الجماهير ص٦١.
[ ٥٨٨ ]
وأهل التصوف يشعرون بالإلهام الإشراقي، ويذكرون أن أهل الله يكون الله معهم دائما عونا ونصيرا.
ومع أن الأمر هبة إلهية، فإننا نطالب بالأخذ بالأسباب ومطرد العادة.
أراد النظام أن يوجه ولده إبراهيم للدعوة إلى الله تعالى، فأحضره إلى الخليل بن أحمد، فقام الخليل باختبار ذكائه، والوقوف على درجة بديهته، فأحضر كأسا، وقال له: صف هذا الكأس.
فقال إبراهيم: بمدح أم بذم؟!
فقال الخليل: بمدح.
فقال إبراهيم: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء.
فقال الخليل: بذم.
فقال إبراهيم: يسرع إليها بالكسر، ولا تقبل الجبر.
وهنا أخذ يعلمه ويوجهه لما رأى فيه من فطنة وذكاء.
ومن هذا الباب أيضا أن الحافظ العراقي لما ذهب إلى شيح بن البابا؛ ليتلقى عنه الحديث، اختبره أولا حيث قال له: من ابن البيع؟
قال الحافظ: الحاكم أبو عبيد الله النيسابوري.
فقال له: من أبو محمد الهلالي؟
قال: سفيان بن عيينة.
قال له: هلم يا بني، وعرف مكانته من الوعي والإدراك، واستعداده للتعلم، وعلمه.
إن مثل هذا الاختبار يتم اليوم في عدد من الدراسات المتخصصة التي تبدأ من وقت مبكر؛ كدور المعلمين والمعلمات، ومعاهد الخدمة الاجتماعية، والمدارس العسكرية المتنوعة، وذلك كله لينجح الطالب بعد تخرجه فيما يوكل إليه من أعمال.
وقد أدرك قدر هذا الاختبار المبكر مع الاختيار أصحاب المذاهب الوضعية
[ ٥٨٩ ]
ورجال الأديان الأخرى، فعملوا به وأخذوا يعدون لباطلهم دعاة فيهم الذكاء والنشاط والإخلاص وغير ذلك من الصفات التي تنتشر بها الأفكار والعقائد.
وإعداد الدعاة إلى الإسلام يجب أن يندرج في هذا الخط الطبيعي؛ حيث يختارون في سن مبكرة، وتختبر مستوياتهم الذهنية وقدراتهم الشخصية؛ ليسهل إعدادهم، ويكونوا بعد تخرجهم على مستوى واجب الدعوة، وأهمية العمل لها.
[ ٥٩٠ ]