المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة
يختلط الأمر على من يقرأ في الدعوة الإسلامية حين يرى استعمال كلمات مكان كلمات أخرى ظنا من المؤلف أنها متحدة المعنى، مع أنها ليست بمعنى واحد، كوضع كلمة المنهج مكان كلمة الأسلوب، واستعمال الأسلوب في موضع الوسيلة.. وهكذا، الأمر الذي من أجله أعقد هذا المبحث لتحديد مفاهيم الحركة بالدعوة الإسلامية، وبخاصة أن كل مصطلح بدأ في أن يكون علما على علم خاص من علوم الدعوة العديدة، التي يحتاجها الدعاة إلى الله تعالى في العصر الحديث.
وأرى أن تحديد مفاهيم مصطلحات الدعوة له أهميته في دراسة عصر النبي ﷺ لتعرف القضايا، وتحدد معاني المصطلحات، وتفهم بوجه يحقق الاستفادة الدقيقة بها، ولتكون الأسوة برسول الله ﷺ حيث يريد الله تعالى.
أولا: منهج الدعوة
تعتمد الدعوة على منهج يحدد مسائلها، ويوضح طرقها، ويعرف وسائلها، ويضع القواعد العلمية التي تقنع المدعو، وتحقق الغايات المقصودة من بعثة النبي محمد ﷺ بكل ما فيها من خير، وأمن، وسعادة، للناس أجمعين، في الدنيا، وفي الآخرة.
إن المنهج نظرية متكاملة تتناول كافة جوانب عملية الدعوة، بها تتحدد مهام كل جانب، وطريقة قيامه بدوره في الدعوة إلى الله تعالى.
إن الدعوة إلى الله تعالى تقوم على عدة جوانب، هي:
أ- مضمون فكري هو الإسلام بما حوي من عقيدة وشريعة وأخلاق.
ب- أسلوب يحتوي على الفكرة، ويتحرك بها، ويوصلها لمن يستقبلها من الناس، وقد يكون الأسلوب قولا، أو عملا، أو حالة معبرة، أو غير ذلك.
[ ٤٢١ ]
ج- أدوات تحمل الأسلوب بمضمونه ومحتواه.
د- شخصية عاقلة تجمع الأجزاء المذكورة في صورة حسنة لتصل بها إلى المدعوين؛ رجاء إيمانهم وهدايتهم.
هـ- أناس يتوجه إليهم الدعاة بالفكرة واضحة مقنعة، بأسلوب مناسب، وأدوات ملائمة؛ رجاء تحقيق ما تريده الدعوة منهم.
إن هذه الجوانب علوم للدعوة إلى الله، ويجب أن يهتم العلماء بها، بوضع القواعد، وإعداد الدراسات التي يحتاجها كل علم منها.
ومنهج الدعوة هو الخطة الكلية والنظام العام الذي يحدد الإطار لكل هذه الجوانب، ولكل هذه العلوم لتترابط وتتكامل.
إن منهج الدعوة بصورة عامة هو النظام الذي يجمع كافة جزئيات عملية الدعوة، وينسق بينها لتتكامل وتحقق للدعوة ما يراد منها على وجه صحيح.
وقد بيَّن العلماء أن المنهج كمصطلح علمي يدل على ما ذكرت..
تقول اللغة: إن المنهج يعني الخطة المرسومة، والنظام الموضوع والمحدد للسير عليه، واتباعه لتحقيق هدف معين، والوصول إلى غاية محددة١.
وعلماء التفسير والمحدثون يذهبون في معنى المنهج إلى ما ذكرناه، ويرون أن المنهج هو الطريق الواضح البيِّن٢.
يقول الدكتور/ أحمد بدر وهو يتحدث عن مفهوم مناهج العلوم: إن المنهج هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، وبواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة٣.
_________________
(١) ١ مناهج الدعوة إلى الله، د/ جلال البشار ص٢٩، وهذا المعنى استنباط من كتب اللغة وهي تبين معنى نهج ومنهج، المدخل إلى علم الدعوة، د/ محمد البيانوتي ص٤٥. ٢ انظر معنى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ في: تفسير الطبري، والرازي، وفي كتب السنة عند شرح قوله ﷺ: "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" فتح الباري ج١ ص١٠، والفتح الرباني ج٢٣ ص١٠. ٣ أصول البحث ومناهجه ص١٥.
[ ٤٢٢ ]
إن المنهج خطة كاملة، ونظرية تامة، تحدد الدعوة ومسارها، وطرق الإقناع بها، وأسلوب الخطاب لها، وتحقيق أهدافها في كافة جوانب الحياة.
وعلى هذا فمنهج الدعوة كمصطلح، أو كعلم خاص، يشتمل على نظرية شاملة للدعوة بكل جوانبها، وحيئذ لا يصح إطلاق مسمى المنهج على الأسلوب، أو على الوسيلة، أو على الموضوع، أو غير ذلك، إلا على وجه المجاز من باب تسمية الجزء باسم الكل، ومع وجود قرينة تمنع من إرادة حقيقة المفهوم.
ومنهج الدعوة رباني كله، ويمكن أخذه من تعاليم الله تعالى من كافة جوانبه؛ لأن الجوانب الثابتة كموضوع الدعوة وغايتها ثابتة مفصلة.
أما الجوانب غير الثابتة كالوسائل والأساليب وصفات القائم بالدعوة وأحوال المدعوين، فإن تعاليم الله تعالى تضع الأسس والشروط مع ترك التفاصيل للاجتهاد والبحث.
ومنهج الدعوة ليس هو الحركة بالدعوة؛ لأن الحركة تعني الصورة العملية التي تظهر حين يقوم الرسل والدعاة بتبليغ دين الله للناس، والمنهج أعم من ذلك.
[ ٤٢٣ ]