وُلد محمد ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من عام الفيل، بمكة المكرمة، في دار أبيه التي كانت موجودة بشِعْب بني هاشم، وقيل: إنه ولد بدار عند الصفا، كانت لمحمد بن يوسف، أخو الحجاج، اشترتها زبيدة زوجة هارون الرشيد، وبنت مكانها مسجدا١، وهي اليوم بناء صغير موجود بجوار الساحة الجنوبية للحرم الشريف، وبها مكتبة صغيرة عامة تعرف بمكتبة الحرم المكي.
ومما يدل على ولادته يوم الاثنين ما رُوي أن أعرابيا قال: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين؟
قال ﷺ: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو وأنزل عليَّ فيه" ٢.
ويشهد لولادته ﷺ عام الفيل حديث قيس بن مخرمة الذي قال فيه: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل" ٣.
يقول محمد بن إسحاق: "ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول"٤.
كما يروي الترمذي بسنده عن قيس بن مخرمة بن عبد مناف قال: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، كنا لدين"٥.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص١٨٤. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الصيام - باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ج٨ ص٥١. ٣ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص١٧٥. ٤ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٧١. ٥ سنن الترمذي - كتاب المناقب ج٥ ص٥٨٩.
[ ١٧١ ]
ورُوي عن أبي الحويرث قال: "سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول الله ﷺ؟ قال قباث: رسول الله أكبر مني، وأنا أسن منه، ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل أخضر محيلا أعقله"١.
يقول ابن عباس ﵁: "ولد نبيكم يوم الاثنين"٢.
وجمهور المؤرخين وعلماء السيرة يجمعون على أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل، حين طلع الفجر٣.
وقد مات أبوه عبد الله وهو حمل في بطن أمه، وكانت وفاته بالمدينة عند أخواله من بني النجار حيث دفن بدار عدي النابغة، يقول ابن كثير: "خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام، إلى غزة، في عير من عيران قريش، يحملون تجاراتهم، فلما فرغوا من تجارتهم مروا بالمدينة، وعبد الله يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد الله، فقالوا: خلفناه عن أخواله في المدينة وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث، فوجده قد تُوفي، ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه، وأخبره"٤، وكان وقع خبر وفاته على أبيه وإخوته مؤلما.
وكان عُمْر عبد الله يوم وفاته خمسا وعشرين سنة على الصحيح٥.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٢ ص٢٦٢. ٢ الفتح الرباني ج٢٠ ص١٨٩. ٣ السيرة النبوية لابن كثير ج١ ص١٩٩، وهناك أقوال ضعيفة تشير إلى غير هذا التاريخ، لكنها مغايرة لرأي جمهور العلماء ومؤلفي التاريخ والسيرة. ٤ طبقات ابن سعد ج١ ص٦١، وهذا رأي الجمهور. ٥ المرجع السابق ج١ ص٦١.
[ ١٧٢ ]
يذهب أغلب علماء التاريخ وكُتَّاب السيرة إلى أن عبد الله والد النبي ﷺ مات والرسول حمل في بطن أمه، يقول ابن إسحاق: "ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أن توفي وأم رسول الله حامل به"١، ولم يترك عبد الله مالا يورثه لزوجه وولده، اللهم إلا جاريته أم أيمن، وخمسة جمال، وقطعة من غنم٢.
ولذلك ولد النبي يتيما فقيرا لحكمة أرادها الله تعالى..
إن اليتم في حد ذاته منقصة للوليد، وبخاصة في مجتمع يفتخر بالأنساب والأحساب والقبيلة والجماعة، إن الوليد
في نشأته بعيدا عن أبيه يعيش منعزلا، لا يحسن معاملة الناس، وينمو ضعيفا في بدنه وسلوكه، لا يتمكن من مواجهة مصاعب الحياة، وإذا وجد مع اليتم الفقر، فإن الصغير يعيش مهملا، لا يهتم به أحد، وإن اهتم به أحد فلتسخيره واستغلاله.
من أين لليتيم بأبوة حانية؟!.. تتعهده غلاما، وتربيه طفلا، وتوجهه شابا يافعا، وتدفعه إلى غمار الحياة رجلا مسئولا.
وأين لليتيم من رعاية شاملة، تحافظ عليه في نومه، ويقظته، وسكونه، وحركته، وراحته، وعمله؟..
ومن أين لليتيم من ينصره، ويعينه في مواجهة الخطوب والحوادث؟
فإذا ما انضم إلى اليتم الفقر، فالنتيجة أسوأ وأظلم..
إن اليتيم الفقير لا ينال التعليم الذي يريده، ولا يتمكن من نيل الأعمال التي يرغبها؛ لأن غيره أسبق إليها منه، وله من يساعده، أما اليتيم الفقير فإن الجميع ينصرفون عنه، ولا يهتمون بشأنه!!!
ذلك هو منطق الواقع والحياة.
فاليتيم ضعيف، مهمل، منعزل، تؤثر معيشته في خُلُقه وسلوكه..
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص١٥٨. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٤٠٠.
[ ١٧٣ ]
ولذلك كانت وصية الله باليتامى من أجل إيجاد دافع إيماني، يجعل المسلم يراقب الله في معاملتهم، ويطيع الله في حسن رعايتهم، والإحسان إليهم.
يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر﴾ ١.
ويقول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ٢.
ويقول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ ٣.
ويقول الله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ٤.
ويقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٥.
ويقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ٦.
ويقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الضحى آية ٩. ٢ سورة الفجر الآيتان ١٧، ١٨. ٣ سورة الماعون الآيتان ١، ٢. ٤ سورة البلد الآيات ١١-١٥. ٥ سورة الأنعام آية ١٥٢. ٦ سورة الإنسان آية ٨. ٧ سورة البقرة آية ٢٢٠.
[ ١٧٤ ]
ويقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ١.
ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢.
والآيات كثيرة، والأحاديث معها مبينة وشارحة، وكلها تدور حول الاهتمام باليتيم حتى لا يضيع في مجتمع يهمله.
إن الآيات تدعو إلى حسن معاملة اليتيم، وعدم القسوة معه، وترك دَعِّه وزجره وظلمه، حتى يجد من المؤمنين من يعوضه فقدان الأب والأم..
كما تدعو الآيات إلى ضرورة المحافظة على مال اليتيم، وتنميته بالحق والعدل، والابتعاد عن أكله بالباطل، أو الاستيلاء عليه بأي وجه من الوجوه.
وتدعو الآيات إلى العمل على إصلاح اليتيم، والعناية بتربيته، وتوجيهه نحو الخير والفلاح.
وتدعو الآيات إلى أهمية رعاية اليتيم ماليا، إن كان في حاجة للمال؛ حيث الآيات وضحت أن إعطاء اليتيم من المال له أثر كبير على المعطي، إنه بهذا العطاء يتخلص من العقبة، ويدخل الجنة، ويشرب السلسبيل، ويقرب من الله تعالى.
إن الإسلام واجه واقع اليتيم بشريعته العادلة؛ لنشر الخير بين الناس أجمعين.
وتعامل مع طبيعة البشر ومع ميولهم الفطرية؛ ليترقى بها في رفق ولين.
هذا في الإسلام.. وبالإسلام وحده.
أما في الجاهلية، حيث لا دين ولا شريعة، فإن الأمر يختلف..
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ٢. ٢ سورة النساء آية ١٠.
[ ١٧٥ ]
لكن الأمر مع الأنبياء في صغرهم له وضعه الخاص؛ لأن الله يصطفيهم بعلمه وإرادته، ويربيهم بقدرته ومعونته.
ومع قدرة الله تعالى تتوقف سنن الكون، وتنعدم التأثيرات المادية، ويقف العقل مستسلما مصدقا، وليس له إلا أن يؤمن ويصدق، بعدما يرى المسيرة مع المصطفين الأخيار.
هذا هو موسى ﵇، ولدته أمه وخافت عليه أن يذبحه فرعون، فألهمها الله تعالى أن تضعه في صندوق، وترميه في النهر، وتترك الأمر بعد ذلك لله، وفعلت وهي تتساءل عن مصيره.. وهل سيموت غريقا؟ وهل ستأكله الحيتان والأسماك؟ وكيف يحيا بلا رضاعة؟ وكيف الطريق لإرضاعه؟..
أسئلة لا يجيب عليها العقل.. لكن مسار القدر مدهش عجيب، وقد أجاب بإعجاز إلهي حكيم، لقد وصل الصندوق إلى بيت فرعون، واتخذ فرعون وزوجته موسى ابنا لهما، وأعاداه لأمه فأرضعته، ثم سلمته لفرعون يريبه تربية ملكية خاصة، يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١.
من كان يتصور أن الإلقاء في اليم هو سبب النجاة؟ ومن يعقل أن فرعون بحذره هو الذي ربَّى موسى ﵇، وخلصه من الضعف واليتم والحاجة؟ وهكذا الأنبياء جميعا!!!
- أين تربَّى يوسف ﵇؟ وهل رباه وأبوه مع أنه كان حيا يرزق؟!
- وكيف وُلد عيسى ﵇ وتربَّى، وليس له أب أصلا؟!
إن الأنبياء صناعة ربانية؛ ولذلك يوجدهم الله في قوالب معينة، وفق حكمته ومشيئته.
_________________
(١) ١ سورة القصص آية ٦.
[ ١٧٦ ]
ومن هنا كان في يتم محمد ﷺ حكمة يريدها الله تعالى، ويتفضل بها على رسوله الأمين ﷺ..
يجمل الله تعالى هذا التفضيل على محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ١؛ حيث يشير إلى أن محمدا ﷺ ولد في رعاية الله تعالى، فبرغم يتمه إلا أن الله أحاطه بالإيواء الشامل، فأحبه كل من رآه، بدءا بمراضعه ومرورا بمن شاركهم في طفولته وشبابه ورجولته.
فهو إيواء يتضمن الرعاية والاهتمام والمعاملة والتضحية في مودة صادقة، أغنت محمدا ﷺ عن رعاية الوالد الحنون.
وفي ولادته ﷺ يتيما فقيرا إشارة إلى بعض الحِكَم الإلهية، التي يمكن استنباطها في العصر الحديث، ومن أهم الحِكَم المستنبطة ما يلي:
١- أراد الله تعالى أن ينشأ محمد ﷺ محاطا بالرعاية الإلهية التامة منذ اللحظة الأولى لوجوده في الدنيا، وحتى لا تفسر خيرات الله له بسبب أبيه أو أمه أو بتأثير ماله وغناه.. ولو فكر عقلاء هذا الزمان في تميز هذا اليتيم عن أقرانه ولداته؛ لأدركوا شيئا عن هذه العناية الإلهية بمحمد ﷺ.
٢- في ولادته ﷺ يتيما فقيرا ردٌّ لأي شبهة يمكن أن يختلقها الأفاكون الضالون كأن يقولوا: إن محمدا أخذ تعاليم النبوة من أبيه أو من أمه؛ حيث يحاول الآباء دائما غرس قيمهم وعاداتهم واهتماماتهم في أبنائهم، بل إن الابن يحاول بصورة تلقائية أن يقلد أباه، ويجتهد في حمل فكره ومذهبه.
لقد زعم كفار مكة أن محمدا ﷺ يأخذ ما يقوله لهم من رجل غريب وقالوا ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ
_________________
(١) ١ سورة الضحى آية ٦.
[ ١٧٧ ]
افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ١، وفي وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
لقد بحث كفار مكة عن شخص له صلة برسول الله ﷺ ليزعموا أنه مؤلف الوحي، وأن محمدا يأخذ منه، وقد بيَّن الله كذبهم وضلالهم فيما يزعمون.
فلو كان عبد الله والد النبي حيا لسهل عليهم ادعاء أنه المعلم لولده، وأن الوحي من كلامه وتأليفه.. لكن الله تعالى قطع عنهم هذا الطريق بوفاة عبد الله، وميلاد محمد بعد وفاته.
٣- وفي ولادته ﷺ يتيما تأكيد لحقيقة غائبة عن الكثير من الناس، وهي أن الأمور كلها بقدرة الله تعالى، وليس للإنسان في عمله إلا الكسب والميل، والله خالق كل شيء.
ولو عقل الناس لعاشوا مؤمنين حقا، عن اقتناع ورضى، ولسلموا بالقدر، وعاشوا مؤمنين.
إن العقل سوف يتساءل أسئلة توصل إلى اليقين والإيمان، ومن هذه الأسئلة:
- من أين وجد الإنسان؟ ومن يقدر على هذا الإيجاد؟
- هل يمكن تصور المستقبل من ناحية الصحة والغنى والسعادة، أم أن ذلك مجهول أمام الإنسان؟
- هل تجري الأحداث وفق تقدير العقل، أم أن أحداث الحياة تجعل العقل عاجزا عن تفسير اتجاهاتها غالبا؟
_________________
(١) ١ سورة الفرقان الآيتان ٤، ٥. ٢ سورة النحل آية ١٠٣.
[ ١٧٨ ]
- هل الإنسان يعلم ظواهر الأشياء وبواطنها، أم ماذا؟
إن النظر في هذه القضايا تدفع الإنسان إلى التسليم بقدرة الله تعالى، وحين نقارن محمدا ﷺ بسائر الناس مع إدراك يتمه وفقره، نتأكد أنه صناعة قدرية ربانية، والعلم بهذه الحقيقة يشير إلى بعض أسرار يتم محمد ﷺ..
إن الحكمة الإلهية التي أحاطت بمحمد ﷺ أحاطت بكافة جوانب مولده ﷺ.
فبالنسبة للأشخاص الذين أحاطوا به، وجريا على أن للإنسان من اسمه نصيبا، نرى أنهم مثلوا مع محمد عدة معانٍ نبيلة، فمن أمه آمنة كان الأمن والهدوء، ومن قبيلته الشفاء كانت العافية والصحة، ومن حاضنته أم أيمن كان اليُمْن والبركة، ومن مرضعته حليمة السعدية الحِلْم والسعد، ومن جده العبودية، ومن عمه التوجه إلى القادر والطلب منه، وكأن الله تعالى أوجد في حياة محمد ﷺ هذه المسميات لتتحول في حياته إلى خُلُق وسلوك.
وبالنسبة لتسميته فلقد ألهم الله جده عبد المطلب حين أخبرته السيدة آمنة بوضع حملها أن يسميه محمدا.
يقول السهيلي: "سئل عبد المطلب: ما سميت ابنك؟
فقال: محمدا.
فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك.
فقال: إني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم.
وكان ذلك لرؤيا كان رآها في منامه، كأن سلسلة من فضة، خرجت من ظهره، لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب، كأنهم يتعلقون بها، فقصها، فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض؛ فلذلك سماه: محمدا.
وذكروا أن أمه حدثته بأنه قد قيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا
[ ١٧٩ ]
وضعتيه فسميه محمدا"١.
وكان النبي ﷺ يذكر فضل تسميته محمدا ويقول: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما، وأنا محمد" ٢.
يقول القاضي عياض: "وقد سماه الله تعالى في كتابه محمدا وأحمد، فمن خصائصه تعالى له أن ضمن أسماءه ثناءه، فطوى أثناء ذكره عظيم شكره، فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة من صفة الحمد، ومحمد مفعل مبالغة من كثرة الحمد، وتكرره فهو ﷺ أجل من حمد، وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدا، فهو أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة؛ ليتم له كمال الحمد، ويشتهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده، يحمده فيه الأولون والآخرون، وفي هذين الاسمين من عجائب خصائصه، وبدائع آياته، وهو أن الله ﷿ حمى اسمه أن يسمى بهما أحد قبل زمانه.
أما أحمد الذي أتى في الكتب، وبشرت به الأنبياء، فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك.
وكذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب، ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده ﷺ وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم من العرب أبناءهم بذلك، رجاء أن يكون أحدهم، وهم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد بن خزاعة السلمي، لا سابع لهم، ثم حمى الله كل من تسمى به أن يدعي النبوة، أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في أمره، حتى تحققت السمتان "الحمد والثناء" له ﷺ ولم ينازع فيهما"٣.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص١٨٢. ٢ صحيح البخاري ج٦ ص٤٣٥. ٣ الشفا للقاضي عياض ج١ ص٢٢٩-٢٣١.
[ ١٨٠ ]
وبالنسبة لولادته يوم الاثنين، فإنه كان لارتباط هذا اليوم بعدد من الأفعال الخيرة التي قدرها الله لكونه المخلوق في هذا اليوم، فلقد ورد الحديث من أن الله تعالى خلق الشجر يوم الاثنين، يقول ابن عباس ﵄: "ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين"١، وفي ذلك إشارة إلى ارتباط الحوادث العظيمة بيوم الاثنين، ومنها مولده ﷺ..
إن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه، والخيرات التي يمتاز بها بنو آدم، ويحيون ويتداوون، وتنشرح صدورهم لرؤيتها، وتطيب بها نفوسهم، وتسكن خواطرهم، لتحصيل ما يبقي حياتهم، على ما جرت به حكمة الحكيم ﷾، كل ذلك كان في يوم الاثنين، فولادته ﷺ في هذا اليوم إشارة إلى ما وجد من الخير العظيم والبركة الشاملة للناس أجمعين ببعثته صلى الله عليه وسلم٢.
وبالنسبة لولادته في شهر ربيع الأول، فلما في هذا الشهر من خيرات تتوافق مع خيرات مجيئه إلى الدنيا؛ حيث الازدهار، والجدة، والحسن، والنفع العام.
ففي الربيع تبدو خيرات الله تعالى في الكون؛ حيث ينبت الزرع، ويفيض الضرع، ويأتي الحب والنوى، وتنتشر الخضرة الجميلة في ربوع الأرض كلها، وفي السهول والجبال..
والجو في الربيع معتدل المناخ لا حرارة فيه، كما تقل فيه العلل والأمراض بفضل الله تعالى.
وفي مجيء محمد ﷺ ومبعثه تحقيق لهذه المعاني، فلقد أتى ﷺ بما يسعد الناس في الدنيا والآخرة.. ورسالته ﷺ قائمة على الاعتدال، والاستقامة، دائمة العطاء، شاملة لكافة الخلق، سهلة، ميسرة.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني ج٢٠ ص١٨٩. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٤٠٦.
[ ١٨١ ]
وبالنسبة لميلاد المصطفى في عام الفيل؛ لأنه ﷺ ولد قبل وقوع الحادثة بخمسين يوما، فمن أجل أن يدرك الناس أن قدرة الله الغائبة عنهم تتصل بكل موجود، وكل ما في الكون قدر إلهي محض، وإذا أراد الله شيئا قال له: كن فيكون، حتى إذا جاءهم محمد ﷺ علموا أنه المبعوث لهم من الله تعالى.
ومن أين للناس أن يدركوا هذه الأسرار في يوم مولده ﷺ؟
إن هذه الحِكَم وهذه الأسرار لم ترتبط وقتها في أذهان من رأوها بمبعثه محمد ﷺ ورسالته، ولا يراد منها ذلك، ويكفي أنها تحرك الأذهان نحو عدم تأليه من يزول، ويتغير مثل النار المنطفئة، أو البيوت المكسورة، أو الأصنام المهتزة، وليتأكدوا من وجود قوة قاهرة تحقق أعمالا، لا يقدر عليها الناس، ولا يمكنهم تفهم أسرارها.
وذلك أثر ممكن الحدوث، وبخاصة أن أهل الكتاب وحكماء العرب كانوا يؤمنون بمبعث نبي بشرت به الكتب المنزلة، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
يقول ابن كثير: يخبر الله تعالى أن أهل الكتاب يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون أنه صادق، وقد جاء وصفه مكتوبا مدونا في التوارة والإنجيل مع أساسيات دعوته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتحليل الطيبات، وتحريم الخبائث٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٤٦. ٢ سورة الأعراف آية ١٥٧. ٣ تفسير ابن كثير ج١ ص١٩٤ بتصرف.
[ ١٨٢ ]
إن العالم كله قبيل بعثة النبي ﷺ، وقبيل مولده كان في انتظار رسول جديد يجمع العالم على الحق..
وعلى هذا فإن حدوث الميلاد محاطا بهذه الحكم، يمثل عوامل تصديق رسالة الرسول بعد مبعثه، وتعد دوافع إيمانيه للعقلاء الذين يعرفون أن النبوة صناعة ربانية، ولا مانع من جريان الأحداث معها على نحو خارق لعادة الناس.
والله أعلم حيث يجعل رسالته.
[ ١٨٣ ]