١- جغرافية الدولة الرومانية:
سكنت الروم غرب أوربا، واتخذت روما١ حاضرة لها، ومدت سلطانها على مساحات شاسعة، شملت سائر البلاد المطلة على البحر الأبيض من جميع جوانبه، وكان الشمال الإفريقي ابتداء من مصر حتى المحيط الأطلسي تحت السيطرة الرومانية، وكانت مصر تمد الإمبراطورية الرومانية بالحبوب والغذاء٢.
أدى الاتساع الكبير للإمبراطورية إلى أخطار كثيرة، قابلت الدولة من جيرانها في عدد من النواحي٣، فمن أطرافها الشرقية عند نهر الفرات أتاها خطر الفرس، ومن حدودها الشمالية الشرقية والشمالية، كان خطر القبائل الجرمانية، ومن حدودها الجنوبية الشرقية على حدود الشام كان خطر القبائل العربية الغازية٤، ولم يسلم من حدودها إلا الجنوبي في إفريقيا؛ حيث كان الأحباش قوة تحمي هذا الجانب.
وأصبح لهذه الأخطار المتعددة أثر كبير في تفكك الدولة الرومانية، وانقسامها إلى شطريها الشرقي والغربي، ذلك أن تجمع هذه الأخطار جعلت الإمبراطور "قسطنطين" سنة ٣٢٣م "والإمبراطور دقلديانوس" سنة ٢٨٤م يشعران بأن روما لم تعد تصلح لأن تكون مركزا لإدارة الإمبراطورية، ومنذ عهدهما بدأ الاتجاه نحو الشرق، وصار غرب البحر الأبيض المتوسط في المرتبة الثانوية٥،
_________________
(١) ١ مراصد الاطلاع ص١٩٦. ٢ المسلمون والجرمان ص١٢، ١٣. ٣ الإمبراطورية البيزنطية ص١، ٢. ٤ الدولة الجرمانية الشرقية ص٣٦. ٥ المسلمون والجرمان ص١٣.
[ ٥٦ ]
وبالفعل فلقد عين "دقلديانوس" قسيسا له مقره "رافتا" بشمالي إيطاليا يشرف على إدارة القسم الغربي.
وتعتبر سنة ٣٩٥م هي بداية الاتصال العلمي بين الشطر الشرقي والشطر الغربي لهذه الإمبراطورية الكبرى؛ إذ صار إمبراطور كل قسم يعمل على حماية ممتلكاته دون اعتبار لوَحْدَة الإمبراطورية١، وأصبح لها عاصمتان هما: "القسطنطينية" عاصمة القسم الشرقي و"روما" عاصمة القسم الغربي، وأخذ الانفصال في تزايد بينهما حتى القرن السابع الميلادي٢.
الأحباش:
الأحباش أمة تابعة للدولة الرومانية، مع شيء من الاستقلال، سكنت شرق إفريقيا وأصبحت حارسة لحدود الدولة الرومانية الجنوبية في القطاع الإفريقي، واشتهرت بقوتها العسكرية التي مكنتها من شن حملات على جيرانها، وسعت بها حدودها التي وصلت شمالا إلى الحدود المتاخمة لجنوب مصر، التي كانت مستعمرة رومانية، وأخضعت لحكمها منطقة نهر "نكازه" "المجرى الأعلى لنهر عطبرة" وقبائل "البجة" ووصلت حدودها الجنوبية إلى الصومال، أما حدها الشرقي فهو البحر الأحمر٣ وحدها الغربي فينتهي عند النيل وسط إفريقيا٤.
وكانت حاضرة الأحباش هي "أكسوم" الواقعة في شمال الحبشة، وقد عرفت دولة الأحباش بالدولة الأكسومية ابتداء من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٩. ٢ الدولة الرومانية الشرقية ص٣٦. ٣ بين الحبشة والعرب ص٢٧، ٢٨. ٤ سيرة النبي ﷺ ص٣٦١. ٥ بين الحبشة والعرب ص١٣، ١٥.
[ ٥٧ ]
وقد كان لدولة الروم نفوذ واسع على الحبشة نظرا لاعتناق الأخيرة المسيحية؛ إذ من المفهوم أن المسيحية كانت تربط الدولة المتنصرة بالدولة الرومانية ربطا قويا، وكانت المسيحية هي الوسيلة المثلى في بسط النفوذ الروماني في أي مكان١.
_________________
(١) ١ نفس المصدر السابق ص٤٤.
[ ٥٨ ]
٢- أوضاع الرومان الاجتماعية والسياسية والأخلاقية:
كان لكل إقليم في الدولة الرومانية بشطريها أوضاع اجتماعية مغايرة لسواها ونظم سياسية تختلف عن غيرها.
فالرومان في دولتهم الشرقية أو الغربية كانوا يعرفون منهج الدولة المنظَّمة، إلا أنهم عاشوا تحت وطأة ظلم بغيض، وطبقية باغية، وكان عامة الشعب عبيدا وخدما للطبقة العليا المتمتعة بكل شيء.
ففي الدولة الرومانية الغربية قامت دويلات عدة، تكونت من القبائل الجرمانية التي نزلت من الشمال في موجات غازية، وكوَّنوا طبقة السلطة، ففي أسبانيا قامت دولة القوط الغربيين التي أسسها الملك "واليا".
وفي إفريقيا قامت دولة "الوندال" بعد انتزاعها من الرومان بالقوة، وتمكن القوط الغربيون من تأسيس مملكة لهم في إيطاليا، وتدعمت في غاليا "فرنسا" مملكة يحكمها الفرنجة البحريون، وبقيام الممالك المذكورة تصدعت الدولة الرومانية الغربية عمليا١، ومع بداية القرن السادس الميلادي تم استقرار هذه الممالك الجديدة في مواطنها من المدة ما بين سنة ٤١٥م إلى سنة ٥٠٧م.
وكان حكم هذه الممالك وراثيا في القبائل الجرمانية، وقد تشبه أمراء هذه الدول بأباطرة الشرق، وحوَّلوا المجتمع إلى طبقات، وكانت طبقة الحكم هم الجرمان والعسكريون؛ حيث تتمتع بكل شيء في الدولة، ولا يقرب منها إلا طبقة صغار الملاك والحرفيين والتجار، أما عامة الشعب فهم الطبقة الدنيا حيث العبيد والأُجَراء والفلاحين والخدم.
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٢٢-٣٨ بتصرف.
[ ٥٩ ]
عاش أفراد الشعب يكرهون حكامهم، وكثيرا ما قامت صراعات بين الحكام والمحكومين في هذا العصر، الذي عرف بـ"عصر الظلام" في أوربا.
وقد زاد الملوك البلاء، فكانوا يسفكون الدم، ويلحقون بالشعب العذاب لأتفه الأسباب، أو من غير سبب أصلا، ويكفي تدليلًا على ذلك أن القوط والبرجنديين أبادوا سنة ٥٣٩م جميع الذكور من سكان "ميلان"، وقد قدر "بروكوبيوس" عددهم بثلاثمائة ألف طفل١.
ورغم أن غالبية المجتمع زُرَّاع، فقد شمل الدمار والتخريب صغار الملاك٢ فسلبت الأرض منهم، وتحولوا إلى عبيد، يرتبطون بالأرض التي يقومون بزراعتها لسادتهم بلا مقابل، وبسبب الحاجة والفقر، اضطروا إلى أكل لحوم البشر، وثمار الحشائش، وورق الشجر.
وقد تدهورت الحالة الاقتصادية تدهورا تامًّا، وزاد من تدهورها أن الدولة الرومانية الشرقية قاطعت التجارة مع دول الجرمان، فضلًا عن أن دول الجرمان نفسها كانت فيما بينها متقطعة الأوصال، وكل منها ينطوي على نفسه، ولا يتعاون مع جيرانه، بل وصلت الفرقة إلى قيام عديد من الحروب بينهم، أما الشمال الإفريقي الذي كان مكانا لمملكة الوندال، فقد اضطرب اقتصاديًّا هو الآخر، عجز عن إنتاج القمح
كعادته، ولم يستطع أن يقف ولو قليلا أمام هجوم "جستنيان" لما كان فيه من ضعف وانهيار.
ولم يسجل تاريخ الجرمان في هذه الدويلات أيَّ نظرة إصلاحية، بل سادها نظام الإقطاع البغيض الذي مزق غرب أوربا تمزيقا كاملا٣.
وفي الدولة الرومانية الشرقية التي اتخذت "القسطنطينية" عاصمة لها، وهي
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٤٨. ٢ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٦. ٣ المسلمون والجرمان ص٢٠-٥٢ بتصرف.
[ ٦٠ ]
المدينة التي ابتناها "قسطنطين" في موقع ممتاز١، واتخذ لها هذا الاسم الديني، المنسوب إليه؛ لتكون في الحقيقة رمزا على مجتمع هذه الدولة، ونظمها الأوتوقراطية٢؛ حيث كانت الهوايات، والنزعات، وكافة الأمور من سياسية واجتماعية، تلبس ثوبا دينيا٣، فإذا ما تعرضت الدولة لهجمات بربرية فإنها في دستورهم أحكام من السماء نزلت على عالم فاسد يستحقها٤، وصار الفرد يعيش بمجموعة من الأوهام، فإذا نزل به مرض فإن ذهابه إلى الطبيب كفر، وكانت جماهير المرضى من جميع أنحاء الإمبراطورية تهرع إلى القسطنطينية؛ لتعالج في كنيسة يوحنا المعمداني٥.
ولقد مزقت الطبقية أوصال هذا المجتمع، ذلك أن طبقته العليا المكونة من الإمبراطور، وأعضاء مجلس الشيوخ، كانت تقرب طبقة ثانية تقل عنها، وتتكون من الملأ، وأغنياء التجار، وأصحاب الحوانيت؛ ليمثلوا وجهة نظرهم ويقبضوا لهم على زمام الأمور، ويسخروا الشعب المتمثل في مجموعات العبيد، والأُجَراء، ورَعَاع المدن٦، وكثيرا ما صدرت قرارات إمبراطورية تجعل من المستأجر رقيقا تابعا، هو وأولاده وزوجته، للمالك يرتبط بالأرض مملوكا لسيده٧، وكان هذا النظام مطبقا في الولايات التابعة للإمبراطورية الشرقية٨.
واتصف البيزنطيون بالخدعة، والخيانة الصريحة، والوحشية، والعنف؛ نتيجة لقلة عددهم أمام عدوهم، ولما رأوه أمام أعينهم من ساستهم، الذين كانوا
_________________
(١) ١ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٨. ٢ مصر البيزنطية ص٢ ٣ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص١٧. ٤ الإمبراطورية البيزنطية "أومان" ص١١٦. ٥ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٢١٠. ٦ تاريخ الإمبراطورية الرومانية ص٢٥٤، ٢٥٩، ٢٦٠. ٧ المصدر السابق ص٦٣١. ٨ مصر البيزنطية ص٣٠١، ٣٠٢.
[ ٦١ ]
يقترفون التحريق، والقتل، وقطع الأيدي، وسمل العيون، وجدع الأنوف، بكل سهولة ولأتفه الأسباب١.
وقد شاعت في أبناء القسطنطينية على الأخص صفات الجبن والفسق والخيانة، يقول بعض المؤرخين: إنها لقصة مزعجة من مكايد القسس، والخصيان، والنساء، من دس السم، والمؤامرات، ونكران الجميل، وقتل الإخوة بشكل مستمر٢، ورغم أن تولية الإمبراطور كانت تتم وفق انتخاب يقوم على نظام معين، لكن النظرة المقدسة إليه من الناس جعلته أكثر رسوخا، فهو صفي الإله وخليله، وإذن فالمرشح الناجح هو بالضرورة من اختارته مشيئة الله، بغض النظر عن الطريقة التي اكتسب بها هذا النصر.
إن نجاح الإمبراطور يلزم الناس دينيا بطاعته، وعلى ذلك فالإمبراطور رجل دين، وملكيته أوتوقراطية٣، وقد شهد القرنان الخامس والسادس الميلادي تحول الإمبراطور من رجل مدني إلى رجل يعتمد على الدين، في تأييد نفوذه، ويمثل هذا الاتجاه بوضوح الإمبراطور "جستنيان" سنة ٥١٨م إلى سنة ٥٦٥م.
ومع كل هذا الفساد الإمبراطوري فقد تم إلغاء الانتخاب، صار الإمبراطور يعين من يخلفه في حياته، ويدعي أنه اختيار الله.
ويكفي تصويرا للقسوة التي عامل الأباطرة شعوبهم بها أن نعرف أن الإمبراطور "جستنيان" لما قامت ثورة الزرق "أنصار جستنيوس الأرثوذكسي" والخضر "أتباع انستاسيوس اليعقوبي" وطلبوا إقصاء وزير المالية أخمدها بالقوة، وقتل من الثوار خمسة وثلاثين ألفا في ستة أيام، وذلك في يناير سنة ٥٣٢م٤.
_________________
(١) ١ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٢٥. ٢ الإمبراطورية البيزنطية "أومان" ص١١٧. ٣ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٨٠، ٨١. ٤ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٢٥، ٦٣ بتصرف.
[ ٦٢ ]
وهكذا كثرت الفتن في الإمبراطورية، وكثرت الاضطرابات، وقد لخص أحد الكُتَّاب الإنجليز أسبابها، وذكر أنها تنحصر في الابتداع الديني، واستحداث الضرائب وتغيير القوانين والعادات، مما أدى إلى الظلم العام وانتشار المجاعات١.
وكانت العَلاقة بين الإمبراطوريتين الرومانتيتين سيئة، وزادت انهيارا بقيام الحروب بينهما، وقد وجه "جستنيان" أُولى ضرباته القاصمة إلى دولة الوندال بإفريقيا، واستولى على المدن الكبرى٢ وأخذ بعدها يسلك مسلكا معينا فأكثر من فرض الضرائب، واستعمل القسوة في جمعها، فهجر الأهالي مزارعهم، ومتاجرهم، واحترفوا اللصوصية وقطع الطرق، وشن الغارات على الحاميات البيزنطية٣، فلجأ الإمبراطور إلى قوة أكبر لحكمهم بالأسلوب العسكري، حتى صارت إفريقيا ولاية يديرها قائد عسكري، وله مساعدون عسكريون، وكانت هذه خطوة أنتجت ضررا ضد الدولة، فعندما شعر القائد العسكري بقوته، وبإمكان استغنائه عن الإمبراطورية أعلن استقلال ولايته.
وهكذا أعلن "جوريجوريوس" استقلاله بإفريقيا قبيل الفتح الإسلامي بقليل٤.
أما الأحباش فهم أمة عاشت هدوءا نسبيا، وسادها نظام ملكي مثلته الدولة الأكسومية، التي قامت مزدهرة، قوية منذ القرن الأول قبل الميلاد٥.
وقد ساعدت قوة هذه الدولة على الاستقرار الاجتماعي، وبسط سيطرتها على جيرانها بعدما قامت بحملات حربية عديدة، وعبرت البحر، وكونت مستعمرات حبشية٦ في اليمن، تدر عليهم الأموال والخيرات، وتضمن لهم تجارة آمنة،
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٥٦. ٢ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٣١. ٣ المسلمون والجرمان ص٦٠. ٤ المسلمون والجرمان ص٦١. ٥ بين الحبشة والعرب ص١٧. ٦ المصدر السابق ص٢٦.
[ ٦٣ ]
ومتبادلة مع الجزيرة العربية، والشرق الأقصى، وكان لفتح الأحباش اليمن أن صارت أرض الحبشة متجرا لقريش، يجدون فيها رغدا من الرزق، وأمنا وربحا حسنا١، بل وصلت قوة الدولة الأكسومية غربا حيث النيل٢ تستفيد من مياهه وخيراته، ولقد كان ساحل أرتيريا موطنا هاما للتجارة، ففي موانيه ترسو السفن التجارية لعديد من الجاليات الأجنبية، وقد دلت الآثار على وصول تجار من اليونان ومصر إلى هذه البلاد.
وقد اشتهر ملوك هذه الدولة قبيل الإسلام بالعدل، وبكراهية الظلم، وكان هذا سببا في اختيار المسلمين للحبشة بالذات للهجرة إليها، وقد قال الرسول ﷺ لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد" ٣.
وخضعت الدولة الحبشية للنفوذ الروماني، وبخاصة بعد اعتناقها المسيحية خلال القرن الرابع الميلادي٤؛ حيث كان اعتناق المسيحية هو السبيل الفعال إلى بسط النفود الروماني، ويمكن ملاحظة هذا النفوذ عندما تعرض مسيحيو اليمن للاضطهاد وذَهاب "روس ذو ثعلبان" إلى قيصر الروم يستنصره، فأرسله القيصر إلى ملك الحبشة الذي أعانه بجيش من عنده، قوامه سبعون ألف رجل٥.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج١ ص٣٧. ٢ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٦١. ٣ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٤٣. ٤ بين الحبشة والعرب ص٣٦. ٥ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٦.
[ ٦٤ ]
٣- الأوضاع الدينية للرومان:
كانت المسيحية هي دين الدولة الرومانية بقسميها الشرقي والغربي، ودين الولايات التابعة لها كمصر والحبشة وغيرهما، وكانت الأحداث الدينية تتردد سريعا في كل أرجاء الدولة من أقصاها إلى أقصاها.
وقد وضعت الكنيسة لنفسها نظاما معينا تسير عليه، فأقامت رئاساتها في العواصم الثلاث الكبرى لعالم البحر الأبيض حيث توجد كنائس روما والإسكندرية وأنطاكية، على أن يكون لبقية المدن أساقفة ورؤساء تابعون لأحد الكنائس الرئيسية الثلاث١.
وظل الأمر على هذا الوضع حتى تأسست القسطنطينية وأصبحت عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، فتحولت كنيستها إلى المرتبة الثانية بعد كنيسة روما، تليها في المرتبة الثالثة كنيسة الإسكندرية وأنطاكية٢.
ولم يكن هذا الوضع الجديد بمحل رضى من رؤساء الكنائس الأخرى، فحل التنافس بينهم، وقد ظهرت أفكار جديدة في الفكر المسيحي شغلت بال العالم المسيحي، وقسمته إلى فرق متنازعة٣.
ذلك أن أفكار "أريوس" الداعية إلى إنكار ألوهية المسيح، وتأسيس فكرة دينية تعتمد على التوحيد، لاقت خلال القرن الرابع الميلادي نجاحا في عديد من الأماكن؛ حيث كانت الكنيسة في "أسيوط" على رأيه، وكثر أنصاره في الإسكندرية وفلسطين ومقدونية٤، وكانت الكنائس الجرمانية التي نشأت في الدولة
_________________
(١) ١ الحضارة البيزنطية ص١٢٤. ٢ الدول الإسلامية وإمبراطورية الروم ص٣٦. ٣ الحضارة البيزنطية ص١٢٥. ٤ محاضرات في النصرانية ص١٢٣.
[ ٦٥ ]
الرومانية الغربية على رأيه كذلك١.
وقد عرف أتباع مذهب "أريوس" بالموحدين، وقد نشط هؤلاء الموحدون في نشر عقيدتهم، حتى أنهم في الإسكندرية وثبوا على "اثناسيوس" بطريريك الإسكندرية، ورأس معارضي "أريوس" والمنادي بألوهية المسيح، وثبوا عليه ليقتلوه فهرب منهم واختفى، وكذلك فعلوا في بيت المقدس مع بطريركها٢.
وفي قرطاجنة تعرض "الاثناسيوسيون" للاضطهاد، ولقي كثير منهم حتفهم، وتحول بعضهم إلى عبيد، وصارت كنائسهم أماكن عبادة للموحدين، وفي بلاد الغال وأسبانيا لجأ الموحدون إلى القسوة في تبشيرهم، معتمدين على سلطان "القوط"٣.
ورغم سيادة أفكار التوحيد فقد استطاع "قسطنطين" بقوته أن يقضي عليها فجمع القسس من جميع الكنائس، وعقد مجمعا في "نيقية سنة ٣٢٥م" ضم ألفين وثمانية وأربعين من الأساقفة المختلفين في آرائهم وعقائهم، وكان من بينهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا يقولون بألوهية المسيح، فأخذ الإمبراطور برأيهم، وجعله عقيدة عامة قررها على الناس بقوة الدولة٤، وجعل مخالفته زندقة موجهة ضد الدين يعاقب عليها بالهرطقة٥.
وهكذا انتصرت "الاثناسيوسية" على الأريوسية مما آذن بعلو شأن كنيسة الإسكندرية٦ واختفاء مذهب التوحيد، ولم يظهر في عالم المسيحية بعد ذلك إلا ألوهية المسيح.
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٤١، ٤٢. ٢ محاضرات في النصرانية ص١٣١. ٣ محاضرات في النصرانية ص١٢٣. ٤ محاضرات في النصرانية ص١٢٤، ١٢٥. ٥ الحضارة البيزنطية ص١٣١. ٦ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص١٠٠.
[ ٦٦ ]
ولم يكن هذا النصر بداية استقرار في الفكر المسيحي، بل نشأت مسألة أخرى مع بداية القرن الخامس الميلادي، كانت هي السر في الانقسام الكامل للكنائس المسيحية بصورة واضحة.
ذلك أن مجمع "أفسوس" الأول سنة ٤٣١م الذي اجتمع ليقرر رأيه في أفكار "نسطور" القائلة بأن المسيح ليس إلها، ولكنه إنسان ملهم معصوم، لا كسائر الناس١، أيد رأي أسقف القسطنطينية، في تقسيم طبيعة المسيح إلى شقين هما: اللاهوتي، والناسوتي، وأنهما امتزجا وصارا كائنا واحدا.
وكان هذا القرار مبغضا عند كنيسة الإسكندرية وروما وشعب القسطنطينية؛ لأنه يهدد بعزل "مريم" العذراء من أمومتها للقسم اللاهوتي، ويحرمها من لقب "أم الرب"؛ ولذلك نجد هذه الكنائس تتحد ضد هذا القرار، وتجتمع في أفسوس ثانية، وتقرر أن للمسيح طبيعة واحدة، وتسرع في نشر هذا المذهب في أطراف الدولة، وتقوم كنيسة الإسكندرية بإرسال تسعة رهبان إلى الحبشة، يدعون لمذهب الطبيعة الواحدة٢؛ مما جعل كنيسة القسطنطينية تثأر لنفسها بقرار مضاد في مجمع "خلقدونية" سنة ٤٥١م وذلك بمساعدة كنيسة روما، وقد اعتبر هذا المجمع القائلين بالطبيعة الواحدة هراطقة، وقرر وجوب تعذيبهم، ومع الأيام تطور هذا الخلاف إلى منافسة حادة، نشط فيها كل طرف لتقوية مذهبه، واتهام غيره بالهرطقة، الأمر الذي حوَّله إلى خلاف قومي، نادَى كل وطن فيه بالانفصال عن الإمبراطورية٣.
فشلت كل محاولات التوفيق بين الطرفين المتنازعين، كما اعترف بذلك "يوستنياتوس" في مجمع "القسطنطينية الخامس سنة ٥٥٣م".
_________________
(١) ١ محاضرات في النصرانية ص١٣٥. ٢ بين الحبشة والعرب ص٣٦. ٣ الحضارة البيزنطية ص١٣٣.
[ ٦٧ ]
وقد حاول "هرقل" بعد انتهائه من الحروب الفارسية أن يضع حدا لهذا الخلاف، فألف مذهبا جديدا، تخيل من ورائه أنه يرضي الأطراف المتنازعة، سماه بمذهب التوحيد في الإرادة، وهو ينادي بعد النقاش في طبيعة المسيح، حيث الاختلاف والتنازع، مع الإيمان بأن له إرادة واحدة، غير أن هذا المذهب جاء بنتيجة مضادة؛ لأن "هرقل" استعمل القوة في فرضه، وأملى على أمراء الولايات أن يفعلوا ذلك، فأخذ "المقوقس" في مصر يستعمل العنف والتعذيب في فرض هذا المذهب، واتهم القوم "هرقل" وولاته بمحاولة إضلال الشعب المسيحي، وقاموا بحركة مقاومة سرية، وقاد "بنيامين" هذه الحركة في مصر حتى أصبح المصريون يتمنون زوال الإمبراطورية١.
ومع الأيام انتشر هذا النزاع في كل الدولة الرومانية بأجزائها وولاياتها، وقد انتشر مذهب الطبيعة الواحدة في مصر والحبشة، واعتنقه بعض الغساسنة وتعصبوا له.
وانتشر مذهب الطبيعتين في "القسطنطينية" وروما وبلاد الحيرة، وعن طريق الحيرة امتد إلى بعض أطراف الجزيرة العربية الجنوبية٢.
ويجب ملاحظة أن هذه المنازعات لم تقف حائلا دون نشر المسيحية، بل إنها أدت إلى قيام منافسة وتسابق بين الكنائس المختلفة؛ لتتفوق كل على زميلتها في نشر المسيحية بمذهبها في بلاد جديدة، وبذلك يتحقق تفوق سياسي واقتصادي يمكن الدولة من مجابهة الصراع الفارسي والانتصار عليه.
والمسيحية بعد المسيح -﵇- تعتبر دينا توسعيا؛ ولذلك نشط معتنقوها قبل الإسلام في توسيع دائرتها في البلاد الخارجية.
ففي الولايات التابعة للفرس ظهر لها أتباع من الغساسنة، كما أن امتدادها إلى الحبشة تم في القرن الرابع، ووصولها إلى اليمن تم قريبا من هذا التاريخ، وكان
_________________
(١) ١ الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم ص٤٠. ٢ تاريخ العرب قبل الإسلام ج٦ ص٧٥، ٧٩، ٨٢.
[ ٦٨ ]
لانتشارها طرق متعددة لاقت تشجيعا من جميع المسيحيين، وخاصة من الدولة الرومانية الشرقية، وكنائسها المتعددة، ولا غرو فهي دولة "أوتوقراطية" أسست من بدايتها على الدين.
ولم تمنع المنازعات المذهبية تعاون المختلفين في المذهب إذا لزم الأمر؛ حيث نرى "النجاشي" ملك الحبشة يتعاون مع إمبراطور القسطنطينية، ويرسل جيشا إلى اليمن للمحافظة على المسيحية بها، رغم اختلاف الإمبراطور والنجاشي في طبيعة المسيح، ورغم أن نصارى اليمن أنفسهم كانوا على القول بالأريوسية المخالفة لكل من النجاشي والإمبراطور.
وكان لموقع الجزيرة العربية بين الحبشة والدولة الرومانية الشرقية أن تعرضت لمحاولات تبشيرية متعددة أدت إلى اعتناق بعض العرب للمسيحية، وقد وجدت المسيحية بنجران "جنوب الجزيرة" على يد رجل من الشام هو "فيمين" حيث تمكن هو وتلميذه "عبد الله بن الثامر" من نشر المسيحية بهذه المنطقة١، وقد كان فيمين وتلميذه صورتين لمبشري المسيحية الذين انتشروا في الجزيرة يتاجرون ويدعون للمسيحية، وكانوا يعتبرون التجارة مع التبشير كسبا مضاعفا٢.
ويمكن اعتبار حملة "أبرهة" على مكة حملة عسكرية للتبشير بالمسيحية، تمت بعد فشل الوسائل السلمية، وبخاصة بعدما ثبت أن الدولة البيزنطية كانت ترسل تجارها إلى مكة لتتجسس على العرب٣، ومما يساعد على هذا الاعتبار سرعة بناء أبرهة "للقليس" ومضاعفة تحسينها وتجميلها؛ قاصدا بذلك صرف العرب عن كعبتهم وتوجههم إلى القليس للحج والزيارة، التي بناها على هيئة الكعبة،
_________________
(١) ١ التاريخ الإسلامي العام ص٥٠. ٢ أخبار مكة ج١ ص٨٣. ٣ تاريخ العرب قبل الإسلام ج٦ ص٥٨.
[ ٦٩ ]
وصورتها، وقد كتب أبرهة إلى النجاشي بعد بناء القليس قائلًا: "ولن أنتهي حتى أصرف حج العرب إليه ويتركوا الحج إلى بيتهم"١.
ولما تبين استحالة تحقيق هذا الأمل جرد حملته إلى الحجاز لهدم الكعبة، وبذلك لا يجد العرب إلا "القليس"، فيذهبون إليها مضطرين، وبذلك يسهل تنصير أبناء الجزيرة العربية كلها.
وقد بذلت الدولة الرومانية الأموال الضخمة في تأسيس عديد من الكنائس والأديرة داخل الجزيرة العربية، وكانت تجلب الإعانات والأموال لهذه الكنائس من بلاد العراق والشام والروم٢، ومع كل هذه المحاولات التبشيرية فإنه لم يعتنق المسيحية إلا نفر ضئيل من العرب، ويبدو أن السبب ما كان فيها من قصور فكري وتناقض واضطراب لا يتفق مع الفطرة العقلية.
_________________
(١) ١ الفلسفة الشرقية ص١٨٤. ٢ وحدة الدين والفلسفة والعلم ص١٠٥.
[ ٧٠ ]