سمعت خديجة ﵂ ما وقع لمحمد ﷺ في رحلة التجارة، وشاهدته بنفسها، فعادت بذاكرتها إلى ما قاله اليهودي لنساء مكة يوم أن اجتمعن به في المسجد الحرام، قال لهن: يا معشر نساء قريش، إنه يوشك فيكن نبي، فأيكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل، فحصبه النساء، وقبحنه، وأغلظن له، ما عدا خديجة، فإنها فكرت فيما سمعت، ووقر في نفسها صدقه، فلما تاجر محمد في مالها، ورأت منه الآيات والبركات تذكرت ما قاله اليهودي وقالت: ما ذلك إلا هذا١.
وخديجة امرآة قرشية، اشتهرت بين قومها بالمال والجمال والحسب والنسب ومكارم الأخلاق وهي من المكيات القليلات اللائي عملن بالتجارة، حتى صارت من أثرياء مكة الكبار، تزوجت قبل رسول الله ﷺ من رجلين مخزوميين هما:
الأول: هو عتيق بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وولدت له عبد مناف وهندا.
الثاني: هو أبو هالة، وهو زرارة بن النباش من بني عدي، وولدت له هالة وهندا والطاهر٢.
وبعد ترمل خديجة بوفاة زوجها الثاني، رفضت الزواج، فلها أولادها، وقد جاوزت الأربعين، وأنَّى لها برجل يكافئها عقلا وخُلُقا وأصالة!! وقد رغبها صناديد مكة فأبت.. لكنها بعدما رأت محمدا ﷺ، وتذكرت ما سمعته
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٢٢٢. ٢ الروض الأنف ج١ ص٢١٥، ٢١٦.
[ ٢٣٧ ]
عنه من اليهودي، ومن ابن عمها ورقة، تمنته زوجا، وسعت في ذلك بحكمة وهدوء، وعملت على اختبار التعامل معه، والتأكد من المزايا التي تصورتها فيه، وهيأ لها القدر ما أرادت حين أتاها أبو طالب يطلب منها أن يتاجر لها في مالها، وقد رحبت بهذا الطلب ترحيبا كبيرا، وقالت لعبد المطلب: لقد سألته لقريب حبيب.
وتاجر محمد ﷺ في مال خديجة وهو في قوة الشباب، ورشد الرجولة، إلا أنه لم يفكر في الزواج بعد بصورة مطلقة لما هو فيه من فقر وعيلة.. إنه يعمل ليسد رمقه، ويعين عمه، وما لمثله أن يفكر في الزواج.
وإذا فكر في الزواج كشأن الشباب، فلن يفكر في الزواج من خديجة؛ لما بينهما من فروق، ولأنها رفضت الزواج من كبار القوم وأغنيائهم..
إن فارق السن بينهما خمسة عشر عاما، فهي في الأربعين وهو في الخامسة والعشرين، ولها أولادها من زوجيها السابقين.
والفارق المالي كبير، فهي أغنى أغنياء مكة، ومحمد يعمل بالأجرة ليعيش.
وشخصيتها وتجارتها وحياتها العملية وسيرتها الشريفة جعلها في مصاف كبار مكة وعظمائها.
إن عديدا من عظماء مكة حاولوا الزواج منها فرفضتهم جميعا، وليس لمحمد ﷺ أن يفكر في زواجها، والكل يعلم موقفها من الزواج!!..
لهذا لم يفكر النبي ﷺ في الزواج منها.. وما درى أن القدر يخبئ له ما قدره الله تعالى.
وعزمت خديجة على أن تتزوج محمدا ﷺ مع صغره وفقره؛ لتنال معه الشرف العظيم، وتفضل به سائر الناس، فاحتالت لذلك بأكثر من طريق، وكان الذي سفر بينها وبين محمد ﷺ نفيسة بنت منية، وهي ابنة أمية بن عبيدة الحنظلي، كما سفر بينهما ميسرة، وأختها، ومولاة مولدة، وإحدي الكاهنات في قريش١.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع للمقريزي ج١ ص١٠.
[ ٢٣٨ ]
- فعن معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يذكر أن أبا مجلز حدث أن خديجة قالت لأختها: انطلقي إلى محمد فاذكريني له١، وأنهما تواطآ أن يتزوجها محمد ﷺ.
- وأرسلت مرة أخرى ابنة خالتها نفيسة بنت منية لتوجه محمدا نحو الزواج من خديجة، وتزيل من أمامه العقبات التي تمنعه من الزواج منها ومن غيرها..
تقول نفيسة: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة، جلدة، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ من أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها، لو قدر على ذلك، قد طلبوها، وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسة إلى محمد، بعد أن رجع في عيرها من الشام.
فقلت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟
فقال: "ما بيدي ما أتزوج به".
قلت له: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟
قال: "فمن هي؟ ".
قلت: خديجة.
قال: "وكيف لي بذلك؟ ".
قلت: عليَّ.
قال: "فأنا أفعل" ٢.
- يروي النبي موقفا له مع ميسرة، يقول ﷺ: "قلت لصاحبي:
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص١٣٢. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص١٣١.
[ ٢٣٩ ]
انطلق بنا نتحدث معا عند خديجة، فجئناها، فبينما نحن عندها إذ دخلت علينا كاهنة من مولدات قريش، فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يحلف به إن جاء لخاطبا.
قلت: كلا.. حياء وخجلا!!
فلما خرجت أنا وصاحبي، قال لي: أمن خطبة خديجة تستحي؟ فوالله ما من قرشية إلا تراك لها كفؤا.
فرجعت أنا وصاحبي مرة أخرى، فدخلت علينا تلك الكاهنة، فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يحلف به إن جاء لخاطبا.
فقلت علي حياء: أجل.. ولم تخالف خديجة ولا أختها"١.
إن المرء ليحار أمام هذا التوافق الذي وضع القدر خيوطه، حتى الْتَأَمَ وتَمَّ..
وهل كانت رحلة التجارة اختبارا من خديجة، أم إظهارا لمقام محمد؟
وهل رفض خديجة للزواج قبل ذلك جعلها تنتظر الشرف العظيم الذي ظهر لها في محمد ﷺ، فرغبت في الاقتران به؟
وما الذي جعل محمدا يرحب بالزواج من خديجة مع أنه كان لا يملك مطالب الزواج ونفقات الحياة؟!!
وما الذي جعل خديجة الرافضة للزواج أن تبحث عنه في شاب يصغر عنها بخمسة عشر عاما؟
إنها أسئلة تؤكد الحكمة الإلهية التي خبأها الله ﷾ لهذين الزوجين الكريمين..
إن القدر الذي دفع كلا من خديجة ومحمد ليسعى كل لصاحبه لتتكون بهما خير أسرة ظهرت في حياة المسلمين.
زوجة تشهد لزوجها بالعظمة وهي تقول: "ووالله لا يخزيك الله أبدا "٢.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ج١ ص٩٠. ٢ السيرة النبوية ج١ ص١٨٨.
[ ٢٤٠ ]
وزوج يشهد لزوجته بعد مماتها ويقول: "والله ما رزقني الله خيرا منها "، ويقول ﷺ: "لقد رزقت حبها" ١.
ويذهب محمد ﷺ إلى أعمامه يخبرهم بنبأ خطبة خديجة فيسرون جميعا، ويحضر محمد ﷺ مع عمه أبي طالب وعشرة رجال من قومه، ويخطبها عمه أبو طالب من عمها عمرو بن أسد، فيقول وهو يخطبها: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوبا، وحرما آمنا، وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقد بذل هلا الصداق حكمكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشا. فقال عمرو بن أسد عمها: هو الفحل لا يقدع أنفه، وأنكحها منه٢.
وما روي من أن أباها هو الذي زوجها، وهو لا يدري لسكره، فمردود؛ لأن أباها خويلد هلك قبل حرب الفجار.
ويقال: إن الذي أنكحها هو ورقة بن نوفل، وقيل: هو أخوها عمرو بن خويلد والأظهر أنه عمها.
يمتن الله تعالى على محمد ﷺ بزواجه من خديجة؛ حيث يقول له سبحانه بعد المبعث: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ٣.
حيث كنت فقيرا فأغناك بمال خديجة الذي تنازلت عنه لك راضية سعيدة.. لتتفرغ للمهام الكبرى، وتعيش الأسرة معك راضية مطمئنة، ويرزقكم الله الأبناء عددا..
_________________
(١) ١ صحيح مسلم - مناقب خديجة ج١٥ ص٢٠١. ٢ الروض الأنف ج١ ص٢١٣. ٣ سورة الضحى آية ٨.
[ ٢٤١ ]
وأول مَن وُلد لرسول الله ﷺ القاسم، وبه كان يكنى ﷺ، ثم ولدت له ﷺ زينت، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، وكلهم ولدوا قبل الإسلام، أما عبد الله فقد وُلد في الإسلام، فسمي بالطاهر والطيب، وكل هؤلاء من خديجة.
وكانت خديجة تعق عن كل مولود لها، عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة واحدة..
وقد مات القاسم بعد ولادته بعامين..
ومات عبد الله قبل الهجرة..
أما رقية وأم كلثوم فخطبهما عتبة وعتيبة ابنا جدهما أبي لهب "شقيق عبد الله"، لكنهما تركاهما بعد بعثة محمد ﷺ كفرا برسالته، فتزوجهما عثمان بن عفان ﵁ الواحدة بعد الأخرى، حيث تزوج أم كلثوم بعد وفاة رقية، أما فاطمة فقد تزوجت علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وتزوج أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس ابن خالته زينبا بنت رسول الله ﷺ ﵃..
وأولاده ﷺ كلهم من خديجة ما عدا إبراهيم، فأمه مارية القبطية التي أهداها المقوقس للنبي ﷺ فأسلمت، وتزوجها ﷺ.. وولدت له في المدينة المنورة بعد الهجرة.
[ ٢٤٢ ]