أكرم الله تعالى المسلمين في مكة بإسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ وعمر بن الخطاب ﵁، فلقد أعز الله بهما الإسلام، وقوي المسلمون، يقول صهيب بن سنان ﵁: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به١.
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر٢، يروي ابن إسحاق أنه لما أسلم عمر نزل جبريل وقال: يا محمد، استبشر أهل السماء بإسلام عمر، وهو الفاروق؛ لأنه كان سببا في التفريق بين عهدين؛ لأنه لما أسلم قال لرسول الله ﷺ: ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟
قال ﷺ: "بلى".
قال عمر: ففيمَ الاستخفاء؟! ٣
وأصر عمر ﵁ على أن يخرج المسلمون من دار الأرقم جهارا، معلنين إسلامهم، فخرجوا في صفين في أول الصف الأول عمر، وفي أول الثاني حمزة وهم يهللون، ويكبرون، ولهم دوي كدوي الرحى، حتى دخلوا المسجد الحرام بهذه الصورة الجهرية الجماعية؛ ولذلك قال ﷺ: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٤.
والفرق واضح بين إظهار أبي بكر للإسلام وبين إظهاره بعد إسلام عمر؛ لأن إظهار أبي بكر كان فرديا، وأما بعد إسلام عمر فكان إظهارا جماعيا قام به المسلمون
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٣ ص٢٦٩. ٢ المرجع السابق ص١٨. ٣ مناقب عمر لابن الجوزي ص١٨. ٤ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٦ ص٢٥٢.
[ ٤٨٧ ]
وخرجوا من دار الأرقم يهللون ويكبرون.
وهكذا..
بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة، يصدع بها رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، وينادون بها قولا وعملا، في بيوتهم وفي كل مكان وعند البيت.
لقد حاول أبو بكر ﵁ إظهار الدعوة بالبيت قبل ذلك فأوذي إيذاءً شديدًا١، فلما أسلم حمزة وعمر حقق المسلمون ما تمناه أبو بكر قبل ذلك.
وشعر كفار مكة بخطورة الإسلام لما رأوا من قوة أتباعه، وكثرة معتنقيه، وشدة إخلاصهم لما يؤمنون به، وحينئذ شددوا في الاضطهاد والأذى.
والفرق بين الجهر الأول والجهر الثاني؛ أن الجهر الأول كان خاصا بالدعوة يقوم به رسول الله ﷺ علانية، بينما الجهر الثاني صار عاما يقوم به الرسول ﷺ وأصحابه القادرون على التبليغ، كما أن السرية ظلت ملازمة لتحرك المسلمين في المرحلة الأولى وهم يتعلمون الإسلام من رسول الله ﷺ في دار الأرقم وفي الشعب أو في الأماكن النائية، أما في المرحلة الثانية فقد أخذ المسلمون يظهرون مناسكهم في الأماكن العامة، عند الكعبة، وفي أماكن العمل، وصاروا يجتهدون في إبراز الإسلام في عملهم ونسكهم وخلقهم.
ولهذا..
كانت الحركة بالدعوة في المرحلة الأولى أشبه بحركة المرحلة السرية، أما مرحلة الجهر العام فكان لها طابعها الخاص في الدعوة إلى الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر ص٤٧٣ وما بعدها.
[ ٤٨٨ ]