في خلال مرحلة الاضطهاد والمواجهة كان الرسول يتحرك بالدعوة في اتجاهات متعددة، باذلا ما أمكنه من جهد وفكر وتوجيه.
فقد عرض الإسلام على القبائل، وعلى جميع الوافدين إلى مكة في مواسم الحج والتجارة، وواجه كفار مكة بدعوتهم إلى الله، وتلاوة القرآن الكريم عليهم، وأبدى لهم ما بدعوته من صدق وحق.. وبين لهم أن ما منعهم من الإسلام إلا الجحود والتعصب، يدل على ذلك أقوال وأفعال نطق بها الكفار.
يقول أبو جهل: يا محمد، إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
وغمزه الكفار يوما ثلاث مرات، فقال لهم في الثالثة: "يا معشر قريش، جئتكم بالذبح"، فأخذتهم تلك الكلمة، حتى أن أشدهم عداوة يرفؤه بأحسن ما يجد عنده، ولما ألقوا عليه سلا جذور وهو ساجد دعا عليهم، فذهب عنهم الضحك، وساورهم الهم والقلق، وأيقنوا أنهم هالكون.
ودعا على عتيبة بن أبي لهب فلم يزل على يقين من لقاء ما دعا به عليه، حتى أنه حتى رأى الأسد قال: قتلني والله محمد وهو بمكة.
وكان أبي بن خلف يتوعده بالقتل، فقال: "بل أنا أقتلك إن شاء الله"، فلما طعن أبيا في عنقه يوم أحد -وكان خدش غير كبير- قال: إن محمدا قال: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني.
وقال سعد بن معاذ -وهو بمكة- لأمية بن خلف: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنهم -أي المسلمين- قاتلوك"، ففزع فزعا شديدا، وعهد ألا يخرج عن
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية ٣٣.
[ ٥٥٦ ]
مكة، ولما ألجأه أبو جهل للخروج يوم بدر اشترى أجود بعير بمكة ليمكنه من الفرار فقالت له امرأته: يا أبا صفوان، أنسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا والله ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا.
وكان ﷺ يعيش مع المسلمين يمدهم بالوحي، ويعلمهم الإسلام، ويملأ قلوبهم باليقين، ويعمل على سلامتهم، وتحقيق الخير لهم بكل ما أمكنه. من ذلك لما اكتشف المشركون بعض الصحابة في شعاب مكة، وهم يصلون مستخفين ناكروهم واصطدموا معهم، أمر النبي ﷺ أصحابه بالاجتماع في دار الأرقم؛ لكي يعبدوا الله بعيدا عن أنظار قريش، ويتعلموا ما ينزل من القرآن الكريم١.
وحين أسلم بعض الغرباء؛ كعمرو بن عبسة، وأبي ذر الغفاري، أمرهم النبي ﷺ بالرجوع إلى قومهم؛ لينشروا الإسلام في قبائلهم من ناحية، وليحافظوا على أنفسهم من كفار قريش الذين يفتنون الضعيف، والغريب الذي لا ناصر له٢.
حرص ﷺ على متابعة شئون أصحابه بتقوية هممهم وتثبيتهم عند حلول الشدائد والمحن بهم، فكان يزور الذين يعذبون منهم في أماكن تعذبيهم، فيواسيهم بالصبر والثبات، ويبشرهم بالجنة، كما في قوله لآل ياسر وهم يعذبون: "صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" ٣، وهو ﷺ هو الذي وجه أبا بكر الصديق لشراء العبيد وإعتاقهم حسبة لله تعالى.
وكان ﵊ يقوم بزيارة منتظمة لأبي بكر ﵁ كما جاء في حديث عائشة ﵂: "لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا".
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٢٧٥. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب الأنصار - باب إسلام أبي ذر ج٤ ص٢٤١. ٣ أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ج٣ ص٣٨٨.
[ ٥٥٧ ]
وكان رسول الله ﷺ يتعامل مع الواقع في حركته للدعوة وهو في مكة، وجعل حركته محاطة بالسرية ليحقق ما يريد؛ ولذلك لم يوجه دعوته لعمر بن الخطاب لشدته ولم يطلب من عمه حمزة الإيمان لقوته، وإنما تركهما وأمثالهما ليتأثرا بأسلوب مناسب لهما، رغم أن الخير للدعوة كان في إيمان عمر وحمزة ﵄.
لقد كان ﷺ يدور على الناس في منازلهم ومساكنهم، ويستفيد بالمواسم والأعياد، ويقابل المفكرين والشعراء ليقنعهم بدين الله تعالى.
وكان ﷺ يحتاط لدعوته ولنفسه وهو يتحرك بالإسلام، فلقد خرج ﷺ إلى الطائف راجلا ليلا مع مولاه زيد، حتى لا يعلم أحد من قريش بوجهته، فيعملون على معاكسته١.
وعندما كان يتصل بالقبائل في مواسم الحج لطلب النصرة، كان كثيرا ما يخرج في ظلام الليل٢، ولا يعلن ذلك لأحد.
وعندما التقى ﵊ بوفد الأنصار في السنة الثالثة عشرة من البعثة لمبايعته على الحماية والنصرة، اتخذ سلسلة من التدابير الأمنية حتى لا يعلم به أحد من أهل مكة.
فكان أول إجراء أمني اتخذه هو ضبط الموعد مكانا وزمانا بدقة متناهية، فكان المكان: "شعب العقبة الأيمن".
والزمان: أوسط أيام التشريق؛ حيث يكون الناس في زحمة الانشغال بتهيئة أنفسهم للعودة إلى ديارهم وأولادهم.
والوقت: نهاية الثلث الأول من الليل؛ حيث يستسلم الناس للنوم٣.
وثاني إجراء: هو الكتمان الصارم للأمر، وخروج المجتمعين مثنى وأفرادا
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص١٤٨. ٢ تاريخ إسلام ج١ ص١٢٩. ٣ سيرة ابن هشام ج٢ ص٤٩.
[ ٥٥٨ ]
مستخفين، دون انتصار غائب، أو إيقاظ نائم١.
وثالث إجراء: حضوره بعد اكتمال العدد ومعه عمه العباس، ووضعه ﵊ حراسة قوية وأمينة في مداخل الشعب٢؛ حيث كلف أبا بكر بالوقوف على فم الطريق، وكلف عليا بالوقوف على فم الشعب.
ورابع إجراء: هو طلبه ﵊ من كل متكلم أن يوجز في كلامه٣، وأن يخفض صوته، حتى لا يطول اللقاء ولا يشعر به أحد.
وبعد ذلك قام ﷺ باختيار اثني عشر نقيبا -تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس- لتحمل المسئولية وقال لهم: أنتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي.. قالوا: نعم.
وبهذا الاختيار بدأت ملامح القيادة الجديدة في المدينة المنورة وبدأت أنظار المسلمين تتجه نحوها ليعيشوا عصر التمكين والقوة، وليؤدوا واجبهم مع دين الله تعالى.
ولسوف نرى في تخطيط النبي ﷺ للهجرة مدى الحرص الذي بذله ﷺ ليصل إلى الغاية، وبالهجرة تبدأ مرحلة جديدة في مسار الدعوة إلى الله تعالى.
وسوف نوضح ذلك في الجزء التالي بعون الله تعالى..
_________________
(١) ١ الطبقات ج١ ص٢٢١. ٢ منهج النبي ﷺ في حماية الدعوة ص٤١٧. ٣ السيرة النبوية لابن كثير ج٢ ص٢٠٢.
[ ٥٥٩ ]