وبلغ محمد ﷺ سن الأربعين، وكمل في ذاته، وأصبح مستعدا لتكميل الآخرين، وهنا جاءه وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين١. يروي البخاري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "أنزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة"٢.
لقد حاول محمد ﷺ الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد.
إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى ساذج وبسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عنه الأسرار والغايات.
والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولا بد له من وحي الله يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها.
ومحمد ﷺ مع صفاء نفسه، وكمال عقله، وسمو روحه، يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها.
كما يجتاج لرحمة الله مراعاة لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى.
_________________
(١) ١ شروح النووي على صحيح مسلم ج١٥ ص٩٩. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب صفة النبي ﷺ ج٦ ص٢٦.
[ ٣٠٩ ]
ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه، والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله.
وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد ﷺ بصورة رقيقة، شفيقة عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد ليكون نبيا ورسولا.
وكانت رحمة الله مع محمد ﷺ حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر ﷺ الوحي، ورأى صوره، وأنواعه، وأصبح متآلفا مع لقائه جاءته الرسالة، فصار رسولا نبيا.
والنبوة أخص من الرسالة؛ لأن النبوة تعني نزول الوحي من عند الله، إلى من يختاره الله تعالى من الناس؛ ليعلم ويعمل بما أوحي به، وهي تعليم لمن تنبأ خاصة، أما الرسالة فإنها الوحي يأتي للشخص المختار على أن يعلمه ويقوم بتبليغه للناس ويعمل به، فهو رسول الله إليهم.
وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس بلازم أن يكون النبي رسولا..
ولقد نبئ محمد ﷺ وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تعد تمهيدا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة، والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لا بد منها للرسول المختار.
إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له من أن يتصف بصفات ذاتية ترتقي به إلى درجة الكمال البشري والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه البشري في توازن وانسجام.
وقد بدأت نبوة محمد بأوليات الوحي كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلا لها، مستعدا للقيام بواجبها١.
_________________
(١) ١ انظر: أعلام النبوة للماوردي ص١٧٥-١٨٠، ويرى الماوردي أن الوحي تدرج مع رسول الله منزلة بعد أخرى، فبدأ بالرؤيا ثم بالنداءات، ثم بالنبوة، ثم بالرسالة إلخ.
[ ٣١٠ ]
لقد كان ﷺ في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره؛ ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيا، ويقول لها: "خشيت على نفسي"، ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول: "سطا عليَّ الرجل"، وكان يجري منه محاولا الهرب من أمامه، أما في مرحلة الرسالة فكان يأنس بالوحي، ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه..
ولقد اختلف الوحي مع محمد ﷺ في فترة النبوة عن الوحي في فترة الرسالة، يقول القاضي عياض: وإنما بدأ الوحي مع رسول الله ﷺ بالرؤيا؛ لئلا يفجأة الملَك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تتحملها قواه البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا، وما جاء من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وتسليم الحجر والشجر عليه بالنبوة، حتى يستشرف عظيم ما يراد به، ويستعد لما ينتظره، فلم يأته الملَك إلا بأمر عنده مقدماته١.
يقول ابن كثير: وبدء الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب، ويطمئن النفس..
ومن صور الوحي في بدايته ما يلي:
١- الرؤيا الصادقة:
إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى تتضمن أفكارا وأحداثا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة؛ ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور.
إن علماء النفس المعاصرين يزرعون في الإنسان مبادئهم الضارة، وقيمهم المادية، وهو نائم، وذلك بوضع تسجيل صوتي تحت رأسه وهو نائم تحببه فيما يرغبون، وتتحدث عن مزايا ما يدعون إليه، فإذا ما استيقظ الإنسان يجد عقله مشغولا بما سمعته روحه أثناء نومه، من غير إدراك سبب هذا الانشغال.
_________________
(١) ١ الشفا ج١ ص٣٦٠ بتصرف.
[ ٣١١ ]
إن هذه المقدمة بيان لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة.
ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن بدأه الوحي بالرؤيا الصادقة، تقول السيدة عائشة ﵂: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"١.
وبذلك كان الوحي يُعْلِمُ رسول الله وهو نائم بما يريده الله تعالى في رؤى صادقة، صالحة، خالية من الضغث والوهم، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه.
جاء في فتح الباري أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه ﷺ أوحي إليه أولا في المنام حتى أتاه الملَك بعد ذلك في اليقظة على الصورة التي أتاه بها في المنام٢، وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله ﷺ، وكان يندهش لذلك.. ومنها٣:
- رأى أن آتٍ أتاه، ومعه صاحبان له، فنظروا إليه فقالوا: هو، هو، ثم ذهبوا.. فهاله ذلك، وتساءل عما رأى، وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي، ليس بشيء.
- وأتاه هذا الآتي مرة أخرى، فجاء لعمه، وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى أني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطيب بمكة، فحدثه حديثه، وقال: عالجه، فصوب به، وصعد، وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه، وقال: يابن عبد مناف، ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته، وليس الرائي شيطانا، ولكنه من النواميس الذين يتحسسون بها القلوب للنبوة، فرجع به.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٥. ٢ فتح الباري - كتاب الوحي ج١ ص٢٢. ٣ انظر: سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٠-٣١٢.
[ ٣١٢ ]
- رأى في منامه أن سقف بيته نزعت منه خشبة، وأدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه، والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه ورسول الله ﷺ يجد بردها، فأخرج قلبه، فوضعه على كفه، وقال لصاحبه: نعم القلب قلب رجل صالح، فطهر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب مكانه، ورد الضلعين، ثم ارتفعا، ورفعا سلمهما، فإذا السقف كما هو، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا، هذا خير فأبشر.
- ورأى في منامه جبريل ومعه نمط من ديباج فيه كتاب فقال له: اقرأ.
فقال له: "ما أقرأ؟ ".
فغته به حتى ظن رسول الله ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال: اقرأ.
قال ﷺ: "ما أقرأ؟ ".
فغته به حتى ظن رسول الله ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال له: اقرأ.
قال ﷺ: "ماذا أقرأ؟ "، قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع.
قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
فقرأها رسول الله ﷺ ثم انتهى فانصرف جبريل، وهب رسول الله ﷺ من نومه، قال: "فكأنما كتب في قلبي كتابا"، فذكر ذلك لخديجة فقالت: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا.
وهكذا
تعددت الرؤى، وركزت على قضية إعلام الرسول بنبوته، وتطهيره، وإعلامه ما ينتظره من أحوال وأعمال، حتى لا يفجأه الملَك على صورته الحقيقة، فيصاب بالخوف والاضطراب.
[ ٣١٣ ]
٢- نداءات الملائكة:
من صور الوحي الذي بدأ برسول الله ﷺ نداء الملائكة عليه، وإعلامهم إياه بنبوته، وهو لا يعرف المنادِي، ولا يمكنه تحديد مصدر النداء..
من ذلك ما رواه ابن كثير بسنده أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر".
قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.
فلما دخل أبو بكر، قالت له خديجة، يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة١.
فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة.
قال: ومن أخبرك؟
قال: خديجة.
فانطلقا إليه، وقال رسول الله ﷺ له: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض".
فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني.
فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قل: لا إله إلا الله، فأتى محمد ورقة، فذكر له ذلك، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل٢.
ويقول النبي ﷺ: "خرجت مرة حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى
_________________
(١) ١ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة ﵂، آمن بمحمد يوم أن جاءه يسأله، فلما توفي قال الرسول ﷺ عنه: "لقد رأيت القس في الجنة على ثياب بيض؛ لأنه آمن بي، وصدقني"، ويقول ﷺ: "لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين". "سيرة ابن كثير ج١ ص٣٩٨". ٢ البداية والنهاية ج٣ ص٩.
[ ٣١٤ ]
السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتاخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرفت راجعا إلى أهلي.
حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، فبلغوا مكة، ورجعوا إلي!!
ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة، فأخبرته بما أخبرتها به، فقال ورقة: قدوس قدوس! والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت".
فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة.
وفي مرة ثالية قضى رسول الله ﷺ جواره، وانصرف يصنع كما كان يصنع؛ حيث بدأ بالكعبة فطاف، فلقيه ورقة عند الكعبة، قال له: يابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت.
فلما أخبره قال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتقاتلنه ولتوذينه، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يا فوخه.
ويقول ﷺ لخديجة: "لما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئا، فنظرت عن شمالي فلم أرَ شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني، وصبوا عليَّ ماء باردا" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب سورة المدثر ج٨ ص٦٢، البداية والنهاية ج٣ ص١٢، ١٣.
[ ٣١٥ ]
إن نداءات الملائكة لرسول الله، وتعجبه مما يسمع، دفعه إلى معرفة شيء من أسرار ما يسمع؛ ولذلك كان يرجع لخديجة يقص عليها ما رأى.
وكانت خديجة ﵂ خير معين لرسول الله ﷺ، تسمع منه وتجتهد في معرفة أسباب ذلك، وتسأل أهل الكتاب عن خبر ما يسمع، وتخبر زوجها رسول الله ﷺ بما يسري عنه ويطمئنه.
وكانت تبحث عن أسرار ما يرى لتطمئن عليه، وتطمئنه ﵂، قالت له مرة: يابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟
قال: "نعم".
قالت: فإذا جاءك فأخبرني به.
فجاء جبريل، فقال رسول الله ﷺ: "يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني".
فقالت: قم يابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى.
فقام رسول الله ﷺ فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟
قال: "نعم".
قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله ﷺ فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟
قال: "نعم".
فحسرت فألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟
قال: "لا".
قالت: يابن عم، اثبت وأبشر، فوالله إنه لملَك، ما هذا شيطان١.
٣- كلام الشجر والحجر:
يروي ابن سعد بسنده أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا، ويفضي إلى الشعاب، وبطون
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٤، البداية والنهاية ج٣ ص١٥، ١٦.
[ ٣١٦ ]
الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه، وشماله، وخلفه، فلا يرى أحدا١.
روى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أعرف حجرا كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" ٢.
وقال محمد بن عمر بسنده عن برة بنت تجراة قالت: إن رسول الله ﷺ حين أراد الله تعالى كرامته، وابتداءه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد، حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر، ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت رسول الله ﷺ خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر، وما حوله من الحجارة، وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله٣.
وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله تعالى أن رسول الله ﷺ قال: "يا خديجة، إني أرى ضوءا، وأسمع صوتا، لقد خشيت أن أكون كاهنا"، فقالت: إن الله تعالى لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله؛ إنك تصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتصل الرحم٤.
٤- لقاء الملائكة:
من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن أخذ يهيئه للقاء ملَك الوحي، وذلك بإرسال الملائكة إليه، تعلمه كلمة، أو شيئا ما؛ ليستعد بذلك على ملاقاة جبريل ﵇.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ١/ ١٥٧. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب تسليم الحجر عليه ج١٥ ص٢٦. ٣ طبقات ابن سعد ج١ ص١٥٧. ٤ المرجع السابق ج١ ص١٩٥.
[ ٣١٧ ]
يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه النبوة كان يأتيه "إسرافيل" واستمر معه يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل شيء من القرآن على لسانه١، يقول أبو شامة: إن "إسرافيل" كان يأتي النبي وهو في غار حراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة، ولا يقيم معه، تدرجا وتمرينا..
وأحيانا كان يأتيه جبريل بصحبة ملك آخر، يقول ابن عباس ﵁: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصفا فقال رسول الله ﷺ: "يا جبريل، والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة دقيق، ولا كف من سويق"، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته.
فقال رسول الله ﷺ: "أأمر الله القيامة أن تقوم؟ ".
فقال جبريل: لا، ولكن أمر الله إسرافيل فنزل إليك، حتى يسمع كلامك.
فأتاه إسرافيل فقال: إن الله تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض إليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا، وياقوتا، وذهبا، وفضة، فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا؟ فأوما إليه جبريل: أن تواضع.
فقال رسول الله ﷺ: "بل نبيا عبدا" ثلاثا٢.
ويقول البراء بن عازب ﵁: أتاه جبريل وميكائيل، فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟
قال: هو هو.
قال: فزنه برجل، فوزنه به فرجحه رسول الله ﷺ.
قال: زنه بعشرة، فوزنه فرجحهم.
قال: زنه بمائة، فوزنه فرجحهم.
قال: زنه بألف، فوزنه فرجحهم.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ج١ ص١٩١. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٠.
[ ٣١٨ ]
ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان.
فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، ثم أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشقه، فأخرج منه مغمز الشيطان، وعلق الدم فطرحها، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاطه، ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم١.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: بينما النبي ﷺ جالس، وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضا من السماء من فوق، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد، هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط.
فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منها إلا أوتيته٢.
٥- مجيء جبريل بالقرآن:
استمر الوحي بالمقدمات مع رسول الله ﷺ على النحو المبين، وأدرك محمد ﷺ أن أمرا عظيما ينتظره، وسمع من زوجته، ومن ورقة، ومن غيرهما: أن الذي يراه ويسمعه هو الوحي الذي كان يأتي موسى وعيسى والأنبياء من قبله عليهم صلوات الله وسلامه.
وشيئا فشيئا بدأ يطمئن لما يرى، ويثق فيما يسمع حتى جاءه جبريل ﵇ بأول آية قرآنية أمره الله تعالى أن يقرئه بها، تصور السيدة عائشة ﵂ نزول جبريل بأول آية قرآنية على رسول الله ﷺ فتقول ﵂: جاءه الملَك "أي جبريل" وهو في غار حراء، فقال: اقرأ.
قال: "ما أنا بقارئ".
_________________
(١) ١ انظر ص١٩٠ وما بعدها. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٠.
[ ٣١٩ ]
يقول النبي ﷺ: "فأخذني فغطني حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ".
فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.
ثم قال: "يا خديجة، ما لي؟ " وأخبرها الخبر، "لقد خشيت على نفسي".
فقالت خديجة له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة لأبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي والعبراني، فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وقد عمي في شيخوخته.
فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك.
فقال ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟
فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى.
فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله ﷺ: "أومخرجي هم؟ ".
[ ٣٢٠ ]
فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي١.
ومع أن النبي ﷺ كان يبحث عن الهداية التي جاءته، ومع أنه كان على يقين بالفوز العظيم بمجيء جبريل؛ ولذلك قال لخديجة: "أرأيتك الذي كنت أخبرتك أن رأيته في المنام؟ فإنه جبريل، استعلن لي، وأرسله إليَّ ربي".. ومع كل ذلك فإنه ﷺ أصيب بالروع، وخشي على نفسه.
وهذا الخوف الذي عاشه النبي ﷺ في لقاء جبريل ﵇ جعل البعض يتساءل عن سبب هذا الخوف؛ لأن المقام مقام سرو ورضى، وليس مقام رهبة وهلع.
وقد تناول العلماء هذه المسألة، ورأوا أن الخوف لم يكن من النبوة، أو من الوحي، وإنما كان من تصوره أذى يأتي من الغط الشديد، أو من ثقل المسئولية، أو لأن الحوار لم يكن عاديا.. فلقد أمر جبريل ﵇ محمدا ﷺ بالقراءة ثلاث مرات، وغطه بشدة ثلاث مرات أيضا، والرسول يقول له: "ما أنا بقارئ"، وينتشر خبر ذلك عند خديجة، وأبي بكر، وورقة، ويتحدث عنه أهل مكة؛ ليكون حديثهم تعريفا بمحمد، وتنبيها على منزلته عند الله، والناس، فضلا من الله ونعمة.
يقول الإسماعيلي: إن العادة جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى الله تعالى بإيصاله إلى الخلق أن يتقدمه ترشيح وتأسيس، وكان ما يراه النبي ﷺ من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، فلما جاءه الملَك فجأه بغته بصورة تخالف العادة والمألوف، نفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه، وينفر وطبعه منه، حتى إذا اندرج عليه، وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى خديجة التي ألف تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته، مما عرفته من
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٥، ٦، ٧.
[ ٣٢١ ]
أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة؛ لمعرفتها بصدقه، ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق، واعترف به، وأشار الإسماعيلي كذلك إلى أن الحكمة في ذكره ﷺ ما اتفق له في هذه القصة: أن يكون سببا في انتشار خبره، في بطانته، ومن يستمع لقوله، ويصغى إليه، طريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا على محله١ ويعرفوا مقامه ﷺ.
ومع لقاء جبريل برسول الله ﷺ وإقرائه أول سورة العلق نلاحظ بعض الملاحظات:
الأولى: غط جبريل رسول الله ﷺ ثلاث مرات؛ ليجعل التفاته وفكره إليه وحده، دون الانشغال بغيره، ويعرفه بثقل الرسالة، وضخامة المسئولية، ويتعود على التلقي من الوحي فقط.
وليكن صبورا حين التبليغ.
ويعلم أن تكرار الطلب منهج في نشر دين الله تعالى.
وليتأكد ﷺ بتكرار الغط أن ما يحدث حقيقة واقعية ملموسة، وليست خيالا أو وهما.
لقد كان جبريل ﵇ في أشد الاشتياق للقاء محمد ﷺ؛ ولذلك ضمه إليه، وقبله أكثر من مرة.
كان من الممكن أن يلقن جبريل ﵇ محمدا ﷺ بما يلقنه شفاهة من بعد، ويمضي، لكنه فعل ذلك بأمر الله تعالى؛ ليؤكد خطورة الأمر، وأهميته، وضرورة بذل الجهد، وتحمل المشاق في أداء الواجبات الخطيرة، وهل هناك أخطر من مهمة الرسالة والدعوة؟!!
وكان من الممكن أن يتم اللقاء مناما، لكن الله تعالى أراد أن يطلع رسوله الأمين محمد ﷺ على صورة روحه الأمين، كما أراد له أن يعرف أهم صور
_________________
(١) ١ فتح الباري على صحيح البخاري ج١٢، ص٣٦٠.
[ ٣٢٢ ]
الوحي بعد أن عاش الرؤى، وسمع النداء، وشاهد الجمادات تناجيه، وعاش الخلوة بفكره، أراد الله له بعد ذلك أن يتعود على صورة الوحي التي ستستمر معه، وقد كان، فجاء جبريل وأقرأه أول سورة العلق.
الثانية: في بدء الوحي بـ"اقرأ" بيان لموقف الإسلام من القراءة، ومن العلم كله، فالقراءة أساس معرفة الدين، بها يحفظ القرآن، وتصان السنة، وتفهم الشريعة، وبها تكون الدعوة، وحماية الإسلام وبالعلم تحيا الأمة، وتحافظ على الضرورات الشرعية جميعا، وتنظم كافة جوانب الحياة.
الثالثة: قدمت خديجة ﵂ مع رسول الله ﷺ صورة للزوجة العظيمة المثالية، فلقد كانت تعيش حياة رسول الله لحظة بلحظة، تتمنى له الخير، تشاركه في كل ما يعن له، وتهتم بكل ما يهمه.
لقد أعطته مالها فأغنته ﷺ به، وأبعدته عن متاعب الفقر ومشاغله، ولما بدأ الوحي مناما ونداء وضوءا كانت تطمئنه، ولكنها من ورائه كانت تبحث عن حقيقة ما يرى ﷺ خوفا عليه وحذرا.
وكان ﵂ إذا غاب عنها ترسل في طلبه مَن يبحث عنه١..
كما ذهبت وحدها إلى ورقة، وأخبرته بخبر زوجها، تريد أن تعرف شيئا عنه، فقال لها ورقة: قدوس، قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة٢.
ولم تكتفِ بما سمعت عن ابن عمها ورقة، بل ذهبت مرة أخرى إلى غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس -نصراني من أهل نينوى- يقال له: عداس، فقالت له: يا عداس، أذكرك الله إلا ما أخبرتني: هل عندكم علم عن جبريل؟
قال عداس: قدوس، قدوس، ما شأن جبريل يُذكر هذه الأرض التي أهلها أهل أوثان.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٣. ٢ انظر ص٣١٢.
[ ٣٢٣ ]
فقالت: أخبرني بعلمك فيه.
قال عداس: هو أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام١.
لقد تميزت خديجة ﵂ بكمال الخِلْقَة والْخُلُق، يقول عنها ﷺ: "خير نسائها خديجة بنت خويلد" ٢، وقد جعلت عقلها الكامل في خدمة محمد ﷺ ودعوته، وكانت ﵂ خير معين لمحمد ﷺ؛ ولذلك بشرها الله ببيت في الجنة٣..
ونلحظ مدى ملاطفتها وتقديرها لزوجها في مناداته: يابن عم.. ولذلك فقد استحقت التقدير من رسول الله ﷺ، يقول ﷺ: "إني رزقت حبها" ٤.
فتور الوحي:
واطمأن محمد ﷺ لصدق ما رأى وما سمع، وتيقن أن الذي كان يأتيه هو وحي الله، وتأكد أنه فاز بذلك فوزا عظيما.
وحتى يستوعب كل ما رأى، وتهدأ نفسه فتر الوحي، وانقطع عنه جبريل ﵇، فمكث ﷺ أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا، وأخذ يدور بسببه بين رءوس الجبال عساه يراه ويحدثه، وحاول أن يتردى من رءوس شواهق الجبال من شدة ألمه لانقطاع جبريل عنه.
وقد شق هذا الفتور على رسول الله ﷺ؛ لأنه لم يكن خوطب بعد من الله بأنه رسول الله، ومبعوثه إلى العباد، فخاف أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لا يراد استتمامه، فحزن لذلك؛ ولذلك أتاه جبريل بعد ذلك وأخبره بأنه رسول الله.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٣. ٢ صحيح مسلم - كتاب فضائل خديجة ج١٥ ص١٩٨. ٣ المصدر السابق ج١٥ ص٢٠١. ٤ المصدر السابق ج١٥ ص٢٠١.
[ ٣٢٤ ]
يقول الزهري: فكلما وافَى ذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال له: يا محمد، أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى ذروة الجبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك١.
يتساءل البعض: كيف يجوز للنبي ﷺ أن يفكر في إلقاء نفسه من ذروة الجبل؟
والجواب: أن ذلك كان هَمًّا، لا قرارا.
وكان يظن أن قوته عاجزة عن تحمل ما يتوقعه من أعباء النبوة.
وخوفا مما قد يحصل له ﷺ حين القيام بها من مباينة الخلق جميعا وعداوتهم.
وذلك كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل، بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكر فيما سيكون من العقبى المحمودة صبر، واستقرت نفسه.
والعلماء يختلفون في تحديد مدة انقطاع الوحي، فبعضهم يذهب إلى أن الوحي انقطع مدة قاربت السنتين ونصف، وبعضهم يرى أنها كانت أياما، إلى غير ذلك من الآراء، يرى ابن إسحاق: أنها كانت ثلاث سنوات، ويرى ابن كثير: أنها كانت سنتين ونصف، ويرى ابن عباس: أنها كانت أربعين يوما، ويذهب ابن الجوزي إلى: أنها كانت خمسة عشر يوما، ويرى مقاتل: أنها ثلاثة أيام، والرأي الأول بالاعتبار هو في تقصير مدة الانقطاع لمناسبته مقام الرسول عند ربه، ولأنه من الأمور التي إذا طالت انتشرت وعرفت واشتهرت، كما أن الانقطاع مدة طويلة يؤدي إلى ضياع كثير مما تم بناؤه في دنيا الناس، وحياة رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر ص٣٢٤ وما بعدها.
[ ٣٢٥ ]