المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى
بذل النبي ﷺ جهده في دعوة أهل الطائف، وفي عرض نفسه على القبائل، ومع ذلك لم يتحقق له ما يتمنى؛ حيث رده أهل الطائف ردا قبيحا، ولم تؤمن القبائل بدعوته، ورفضت إجارته خوفا من عداء قريش، وتأثرا بما كان أبو لهب وأبو جهل يذكران عنه.
وكانت معونة الله مع عبده ورسوله محمد ﷺ؛ حيث يسر له من أمره رشدا، ولم يخرج من جهاده مع الناس خالي الوفاض، فحقق له عددا من الانتصارات التي ترضيه؛ رحمة من الله وفضلا، وأهمها ما يلي:
النصر الأول: إسلام عداس
بعدما ردت ثقيف رسول الله ﷺ بهذه الصورة السيئة -التي ذكرتها- أخذ ﷺ في العودة إلى مكة مرة أخرى.
وعندما وصل إلى بستان بني ربيعة جلس تحت ظل شجرة ليستريح، وأخذ يدعو ربه، ويستغيث به فاستجاب الله له، وجاءه نصر الله، حتى لا يعود لمكة خاوي الوفاض، فكان إسلام عداس.
وقصة إسلام عداس أنه ﷺ لما جلس تحت الشجرة رآه عتبة وعتيبة ابنا ربيعة وعلما ما وقع له، فتحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له: عداس؛ ليعطيه شيئا من الفاكهة تعينه على هذه المتاعب وقالا له: خذ قطفا "من هذا" العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه.
ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال له: كل.
فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده، قال: "باسم الله"، ثم أكل.
[ ٣٧٧ ]
فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ: "ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ ".
قال عداس: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى.
فقال رسول الله ﷺ: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى".
فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟
فقال رسول الله ﷺ: "ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي"، فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه، وأسلم.
وهكذا أسلم عداس في أثناء عودة النبي ﷺ من رحلته إلى الطائف. وأما أبناء ربيعة فقد قالا لعداس: ويلك يا عداس؟ ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟!
فقال لهما: لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي١.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٢١.
[ ٣٧٨ ]