حين انصرافه ﷺ من الطائف، راجعا إلى مكة، وعند وادٍ في طريق مكة يسمى "نخلة" قام ﷺ في جوف الليل يصلي، فأتاه سبعة من جن نصيبين، استمعوا لقراءته ﷺ وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته، أعلنوا إيمانهم وإسلامهم، ثم انصرفوا إلى قومهم دعاة، يحملون الإسلام إليهم، ويوضحون تعاليمه ومزاياه، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى
[ ٣٧٨ ]
الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وقد نزلت قصتهم كاملة في سورة الجن.
وهكذا بدأ خلق آخر يدخلون في الإسلام، ويهتمون بالدعوة إليه..
ومن سياق الآيات يتضح أن الرسول ﷺ لم يكن يعلم بحضور هذا النفر من الجن.
لقد كان إيمان الجن نصرا آخر، أمده الله به، من كنوز غيبة المكنون، ولله جنود لا يعلمها إلا هو.
ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث تحمل في طياتها بشارات نجاح دعوة النبي ﷺ، وتؤكد أن سائر قوى الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف الآيات ٢٩-٣٢. ٢ سورة الأحقاف آية ٣٢. ٣ سورة الجن آية ١٢.
[ ٣٧٩ ]