وأكرم الله نبيه محمدا ﷺ برحلة الإسراء والمعراج؛ ليؤنسه ويعرفه بمنزلته عنده، وليبدأ ﷺ بها مرحلة جديدة في الدعوة إلى الله تعالى.
والحديث عن الإسراء المعراج يحتاج إلى تناول نقاط معينة، وهي:
١- مفهوم الإسراء والمعراج:
يراد بالإسراء تلك الرحلة التي صحب فيها جبريل ﵇ محمدا ﷺ ليلا من البيت الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس بإيلياء حيث ركبا معا البُرَاق.
ويراد برحلة المعراج صعود جبريل بمحمد ﷺ من بيت المقدس إلى السماوات العلا، في معراج أحضره معه جبريل ﵇.
٢- ثبوت الإسراء والمعراج:
والإسراء والمعراج ثبت وقوعهما لرسول الله ﷺ بالقرآن الكريم، وبالسنة النبوية، وبشهادة الصحابة رضوان الله عليهم.
[ ٣٨٥ ]
أما القرآن الكريم ففيه يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢.
وأما السنة فقد أخرج مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه سولم قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط به الإنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية ١. ٢ سورة النجم الآيات ١-١٨.
[ ٣٨٦ ]
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇.
فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير.
ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل.
فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد ﷺ.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇ إذا هو أُعطي شطر الحسن فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل ﵇.
قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد
[ ٣٨٧ ]
قال: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل.
قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﵇، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇.
قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل.
فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد ﷺ.
قيل: وقد بعث إليه؟
[ ٣٨٨ ]
قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملَك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال.
فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
فأوحى الله إليَّ ما أوحى ففرض عليَّ خمسين
صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﵇، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال موسى ﵇: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخيرتهم.
فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عن خمسا.
فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا.
قال موسى ﵇: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف".
يقول ﷺ: "فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﷺ حتى قال الله تعالى: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﵇ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف".
فقال رسول الله ﷺ: "فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" ١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي - باب الإسراء برسول الله ﷺ ج٢ ص٢١٠-٢١٥، يقول القاضي عياض عن هذا الحديث: لم يأتِ أحد بأصوب من هذا الحديث "الشفا ج١ ص١٧٩".
[ ٣٨٩ ]
وقد روى حديث الإسراء والمعراج ثمان وثلاثون صحابيا وصحابية، بعضهم ذكره مطولا، وبعضهم ذكره مختصرا، وبعضهم زاد جوانب لم تذكر عند الآخرين، وقعت بينهم اختلافات، والقدر المجمع عليه هو أنه ﷺ أُسري به من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين.
ثم أتى المعراج، وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه، إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها.
ثم سلم على الأنبياء الذين في السماوات، بحسب منازلهم، ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم، وإبراهيم الخليل في السادسة والسابعة، ثم جاوز منزلتيهما ﷺ وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام؛ أي: أقلام القدر بما هو كائن.
ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة.
ورأى هناك جبريل على صورته، وله ستمائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، يتعبدون فيه، ثم لا يعودون منه إلى يوم القيامة.
ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم، جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، فيخبره بهم، وكان الأنبياء أنفسهم يسألون جبريل ﵇ عن المصاحب له، وعن بعثته.
[ ٣٩٠ ]
والقول بأن الصلاة كانت بعد العودة من العروج هو اللائق؛ لأنه ﷺ كان أولا مطلوبا إلى الجناب القدسي ليتشرف بالمقام العلوي، وتعرف منزلته عند ربه، وحتى يفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، وأظهر شرفه وفضله عليهم، بتقديمه في الإمامة وائتمامهم جميعا صلوات الله عليهم به، وذلك بوحي جبريل ﵇ لهم في ذلك، ثم خرج ﷺ من بيت المقدس فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس، والله ﷾ أعلم١.
وحتى نقف على ما بين هذه الروايات من اتفاق أو اختلاف أبين ما يلي:
أولا: رواة حديث الإسراء:
بلغ عدد رواة حديث الإسراء من الصحابة ثمان وثلاثين صحابيا وصحابية، وهم:
١- أبي بن كعب ﵁.
٢- أبو ذر الغفاري ﵁.
٣- بريدة بن عبد الله ﵁.
٤- أسامة بن زيد ﵁.
٥- أنس بن مالك ﵁.
٦- جابر بن عبد الله ﵁.
٧- حذيفة بن اليمان ﵁.
٨- سمرة بن جندب ﵁.
٩- سهل بن سعد ﵁.
١٠- شداد بن أوس ﵁.
١١- صهيب بن سنان ﵁.
١٢- عبد الله بن عباس ﵁.
١٣- عبد الله بن عمر ﵁.
١٤- عبد الله بن الزبير ﵁.
١٥- عبد الله بن أبي أوفَى ﵁.
١٦- عبد الله بن سعد بن زرارة ﵁.
١٧- عبد الله بن مسعود ﵁.
١٨- العباس بن عبد المطلب ﵁.
١٩- عثمان بن عفان ﵁.
٢٠- علي بن أبي طالب ﵁.
٢١- عمر بن الخطاب ﵁.
٢٢- مالك بن صعصعة ﵁.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٣ ص٢٢.
[ ٣٩١ ]
٢٣- أبو بكر الصديق ﵁.
٢٤- أبو أيوب الأنصاري ﵁.
٢٥- أبو الحمراء ﵁.
٢٦- أبو الدرداء ﵁.
٢٧- أبو سعيد الخدري ﵁.
٢٨- زيد بن حكيم ﵁.
٢٩- أبو سفيان بن حرب ﵁.
٣٠- أبو سلمة بن دحية ﵁.
٣١- أبو ليلى الأنصاري ﵁.
٣٢- أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ.
٣٣- أبو هريرة ﵁.
٣٤- أم المؤمنين عائشة ﵂.
٣٥- أسماء بنت أبي بكر ﵂.
٣٦- أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ.
٣٧- أم سلمة أم المؤمنين ﵂.
٣٨- أم هاني رضي الله عنها١.
وقد أورد السيوطي مختلف الروايات بأسانيدها في كتابه "الخصائص الكبرى" ونقلها عنه العلامة الشيخ/ يوسف النبهاني في كتابه "حجة الله على العالمين"، فليرجع إلى أيهما من أراد الاطلاع عليها.
ثانيا: الزيادات الواردة عن رواية أنس المذكورة
وردت زيادات في بعض الروايات زائدة عن رواية أنس بن مالك ﵁ التي نقلتها من صحيح مسلم وجعلتها أساسا لسائر الروايات، وسأحاول هنا ذكر هذه الزيادات لتتضح صورة الإسراء والمعراج كاملة، وهي:
أ- أخرج البخاري بسنده عن أنس، قال: ليلة أسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه بالإسراء وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟
فقال أوسطهم: هو خيرهم.
فقال أحدهم: خذوا خيرهم.
وفي ليلة أخرى أتوه وهو نائم فحملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره
_________________
(١) ١ أورد ابن كثير حصر هذه الأسماء في تفسيره ج٣ ص٢٤، كما ذكرهم صاحب كتاب "حجة الله على العالمين" ص٣٣٧.
[ ٣٩٢ ]
وجوفه فغسله بماء زمزم بيده، حتى ألقى جوفه، ثم أتى بطشت من ذهب، محشو إيمانا وحكمة، فحشى به صدره ولغاديده "عروق حلقه"١.
ب- وأخرج أحمد عن طريق أنس: أن النبي أتر بالبراق ليلة أسرى به، مسرجا، ملجما، ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، فأرفض البراق عرقا، ثم قر حتى ركبه صلى الله عليه وسلم٢.
ج- وأخرج ابن عساكر والبيهقي بسندهما عن حديث أبي سعيد الخدري يقول النبي ﷺ: "فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، فاجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيئة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين.
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم، قد أروح وأنتن، عندها ناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يتركون الحلال، ويأتون الحرام.
ثم مضت هنيهة فإذا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ .
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، فتفتح أفواههم، ويلقمون حجرا، ثم يرضخ من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - باب المعراج ج٦ ص١٩٠ بمثله. ٢ سيرة ابن هشام ج١ ص٤٠٥، ٤٠٦.
[ ٣٩٣ ]
قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن، ونساء منكسات بأرجلهن، فسمعتهن يضججن إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء النساء؟
قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن.
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون" ١.
د- وأخرج البيهقي وابن جرير بسندهما عن أبي هريرة ﵁ قال: "وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان".
فقال النبي ﷺ: "يا جبريل، ما هذا؟
قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء.
فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله شيئا.
_________________
(١) ١ حجة الله على العالمين ص٣٥٣، ٣٥٤.
[ ٣٩٤ ]
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم أخر نيئ خبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث ويدعون النضيج الطيب.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا فتبيت معه حتى تصبح.
ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.
ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء خطباء الفتنة.
ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج، لا يستطيع.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة، وريح مسك، وسمع صوتا.
فقال: يا جبريل ما هذا؟
قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت غرفي، وإستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي، ومَرْجاني، وفضتي، وذهبي، وأكوابي، وصحافي
[ ٣٩٥ ]
وأبارقي، ومراكبي، وعسلي، ومائي، ولبني، وخمري، فآتني ما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، قالت: رضيت.
ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا، ووجد ريحا منتنة.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي، وأغلالي، وسعيري، وحميمي، وضريعي، وغساقي، وعذابي، وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني ما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت"١.
هـ- وأخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم؛ لئلا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب" ٢.
وجاء في حديث أبي هريرة ذكر كلام كل من إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان ﵈، ثم ذكر كلام النبي ﷺ فقال: "وأن محمدا ﷺ أثنى على ربه ﷿، فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا أثني على ربي الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس، بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة، وجعل أمتي أمة وسطا، وجعل أمتي هم
_________________
(١) ١ حجة الله على العالمين ص٣٥٨. ٢ المصدر السابق ص٣٦٢.
[ ٣٩٦ ]
الأولون، وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا، وخاتما، فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد" ١.
ز- جاء في حديث أبي هريرة من طريق الربيع بن أنس: أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى سدرة المنتهى قال له الله تعالى: سل، فقال ﷺ: "إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن، والإنس، والشياطين، والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ الكمه، والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل.
فقال له ربه تعالى: قد اتخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التوراة: محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون، وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقا، وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني، ولم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما" ٢.
وهذه الزيادات -مع حديث أنس الذي أوردته- تقدم صورة كاملة للإسراء والمعراج، بدءا من شق صدره ﷺ قبيل الإسراء به، وحتى عاد إلى مكة.
ثالثا: أحداث متعارضة في روايات حديث الإسراء:
بمراجعة روايات أحاديث الإسراء نلحظ فيها المعارضات التالية:
١- في حديث أنس الوارد في الفقرة "أ" السابقة: أن ثلاثة نفر جاءوا إلى رسول الله قبل أن يوحى إليه، مع أن الإسراء كان بعد المبعث، وقبيل الهجرة؛ حيث جاء
_________________
(١) ١ الشفا للقاضي عياض ج١ ص١٨٢. ٢ الشفا للقاضي عياض ج١ ص١٨٣، ١٨٤.
[ ٣٩٧ ]
في الحديث أن كثيرا ممن أسلم ارتد.
٢- في رواية أنس الأولى: أنه ﷺ لقي إبراهيم ﵇ في السماء السابعة عند البيت المعمور، ولقي موسى ﵇ في السماء السادسة، وفي بعض الروايات أنه ﷺ رأى إبراهيم ﵇ في السماء السادسة، ولقي موسى ﵇ في السماء السابعة١.
٣- في رواية ابن إسحاق أن الرسول ﷺ أتى بثلاث أوان، أحدهما ماء، فقال قائل: إن أخذ الماء غرق، وغرقت أمته، وفي إحدى روايات البخاري: أنه أتى بثلاث أوان، ولم يذكر فيها الماء٢.
٤- يقول الله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٣ ورؤية الفؤاد تشبه رواية أنس من أن الرؤية كانت قلبية، وعين الرسول ﷺ نائمة، وفي الآ الثانية يقوله الله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ٤ فجاءت الرؤية بصيغة المضارع، ولم يقل على ما رأى كالآية الأولى، فدل على الرؤية الثانية ليست هي الرؤية الأولى.
٥- في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ دلالة على أنها رؤية قلبية، وفي قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٥ دلالة على أنها رؤية بالعين؛ ولذلك رأى فيها: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٦.
أما الآيات التي ترى في النوم فليست بهذا القدر من العظمة والفخامة.
_________________
(١) ١ انظر: صحيح مسلم في حديث أبي ذر بشرح النووي ج٢ ص٢١٧. ٢ انظر: سيرة ابن هشام ج١ ص٣٩٧، وصحيح البخاري ج٦ ص١٩٧، ١٩٨. ٣ سورة النجم آية ١١. ٤ سورة النجم آية ١٢. ٥ سورة النجم آية ١٧. ٦ سورة النجم آية ١٨.
[ ٣٩٨ ]
٦- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ١ قال المفسرون في رواية: يغشاها فراش من ذهب، وفي رواية أخرى قالوا: ينتثر منها الياقوت وثمرها مثل قلال هجر.
٧- جاء في أحاديث الإسراء: أنه ﷺ رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين ونهرين باطنين، وأخره جبريل ﵇ بأن النهرين الظاهرين هما: النيل والفرات.. وذكر حديث أنس: أن هذين النهرين في السماء الدنيا، وقال له الملك: هما النيل والفرات، أصلهما، وعنصرهما.
رابعا: فك تعارض الأحاديث
والسؤال هنا: كيف نفك هذا التعارض؟ ونجمع بين هذه الآراء؟
نظر العلماء إلى هذا التعارض الظاهري، وذهبوا إلى أن الإسراء وقع مرتين، مرة في المنام، ومرة ثانية في اليقظة.
يقول الإمام محمد الشامي: "ذهب جماعة منهم المهلب شارح البخاري إلى هذا الرأي، وحكاه عن طائفة، منهم أبو نصر القشيري، والحافظ البغوي، والمحدث أبو القاسم عبد الرحمن الخثعمي المعروف بالسهيلي، وبين أن النووي جزم به فتاويه، وهؤلاء وغيرهم من العلماء ذهبوا إلى تكرر الإسراء مرتين، مرة في المنام، ومرة في اليقظة، وكانت مرة النوم توطئة له، وتيسيرا عليه، كما كان في بدء ثبوته ﷺ من الرؤيا الصادقة؛ ليسهل عليه أمر النبوة، لأمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا أولا؛ لأن هوله عظيم، فجاء في اليقظة بعد توطئة وتقدمة، رفقا من الله تعالى بعبده، وتسهيلا عليه٢.
_________________
(١) ١ سورة النجم آية ١٦. ٢ الروض الأنف ج١ ص١٤٩، ١٥٠، سبل الهدى والرشاد ج٣ ص١٠٦.
[ ٣٩٩ ]
وعلى هذا فإن حدوث الإسراء مرتين، مرة على صورة، ومرة أخرى على صورة أخرى، لا تعارض فيه، وبذلك ينتفي تعارض الروايات.
ولا مانع من تكرر الوحي إلى رسول الله ﷺ بالموضوع الواحد لحكمة يريدها الله، كما هو ثابت في حالات عديدة.
٣- كيفية وقوع الإسراء والمعراج:
أورد العلماء عدة آراء في كيفية وقوع الإسراء والمعراج؛ حيث ذهبوا في تحديد كيفيتها إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: الإسراء والمعراج كانا في النوم وبالروح
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإسراء كانت رؤيا لرسول الله ﷺ رآها وهو نائم، وعلى رأس القائلين بهذا الرأي أم المؤمنين عائشة ﵂، ومعاوية بن أبي سفيان ﵁، ويستدلون على رأيهم بما يلي:
١- رؤيا الأنبياء وحي، لأن قلوبهم لا تنام، يقول ﷺ: "الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم" ١، وبذلك يتحقق في المنام ما يقصد في اليقظة.
٢- يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢ فقوله تعالى: "الرؤيا" دليل على أنها كانت مناما؛ لأنها لو كانت يقظة لقال: "رؤية".
٣- جاء في حديث أنس في رواية شريك عنه: "وهو ﷺ نائم بالمسجد الحرام واستيقظت من منامي، وأنا في المسجد الحرام"٣، وذلك دليل لى وقوع الإسراء في أثناء نوم النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب المناقب ج٦ ص٣٤. ٢ سورة الإسراء آية ٦٠. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب المناقب - باب الإسراء ج٢ ص٢١٧.
[ ٤٠٠ ]
٤- كان معاوية بن أبي سفيان ﵄ إذا تحدث عن مسرى رسول الله ﷺ، يقول: كانت رؤيا من الله صادقة١.
٥- يقول ابن إسحاق: "حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ، ولكن أسري بروحه".
الرأي الثاني: الإسراء كان بالجسد والمعراج كان بالروح
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإسراء كان بالجسد والروح معا، من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيلياء، وبعده كان المعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلا بالروح فقط، ويستدلون على ذلك بما يلي:
١- يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ حيث جعلت الآية المسجد الأقصى غاية الإسراء؛ تشريفا لرسول الله ﷺ، ولو كانت غاية الإسراء إلى مكان آخر غير المسجد الأقصى لذكره ﷾؛ لأنه أبلغ في التشريف والمدح.
٢- توجهت اعتراضات كفار مكة على انتقال رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس والعودة منه في ليلة واحدة، ولم يرد على لسانهم اعتراض على العروج إلى السماء السابعة، حتى سدرة المنتهى، مع أنه أدعى لإنكار الكافرين لو كان بالجسد
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٩٩، جاء في زاد المعاد: ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناما، وإنما قالا: الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة أو أقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تغب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، ومع هذا الفرق فإن القول بأن الإسراء بالروح لا يبعد كثيرا في أثره، وتصوره عن الإسراء في النوم؛ لأن التوجه أثناء النوم هو للروح أيضا.
[ ٤٠١ ]
وعلى هذا يثبت أن الإسراء كان بالجسد والروح، أما المعراج فكان بالروح فقط؛ لأن كفار مكة لم يعترضوا عليه مع كثرة المشاهد التي حكاها الرسول ﷺ حين رؤيته لها في معراجه، ولو كان المعراج بالجسد لكثر الاعتراض.
الرأي الثالث: الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح
يذهب جمهور علماء السلف والخلف من الفقهاء والمفسرين والمحدثين إلى أن الإسراء والمعراج كانا يقظة بالجسد والروح، ويستدلون على ذلك بما يلي:
١- يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فقد ذكرت الآية أن الإسراء كان بعبده المكون من الجسد والروح؛ لأنهما حقيقة العبد، وظاهر اللفظ يدل على هذه الحقيقة، ومن المعلوم أنه لا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند استحالة حقيقة الظاهر، ولا استحالة في قدرة الله أن يسري بعبده روحا وجسدا، فلزم أن يكون الإسراء بهما.
٢- يقول الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ١، ففي الآية إثبات واضح على أن الرؤية كانت بالبصر، وأسندها الله للبصر احترازا عن رؤية القلب.
٣- يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢، ففي الآية دلالة على الرؤية البصرية؛ لأنها لو كانت مناما ما كانت كبرى، ولسلم بها من سمعها من كفار مكة.
_________________
(١) ١ سورة النجم آية ١٧. ٢ سورة النجم آية ١٨.
[ ٤٠٢ ]
٤- يروي البخاري في صحيحه عن ابن عبسة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء١.
وقد رد الجمهور وهم أصحاب الرأي الثالث، القائلون بأن الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح معا، على الرأيين السابقين بإبطال أدلتهم وردها.
رد أدلة أصحاب الرأي الأول:
قال أصحاب الرأي الثالث: إن رؤيا الأنبياء وحي، وبها تثبت الحقائق والمعلومات، إلا أن الإعجاز في الإسراء والمعراج لا يتم إلا إذا كان بالجسد مع الروح؛ لأن المقصود إثبات ما شاهده النبي ﷺ بطريقة حسية حقيقية.. وبذلك لا يتحقق بإسراء الروح ما قصد بإسراء الجسد.
وأيضا فإن الرؤيا تأتي بمعنى الرؤية، ومن ذلك قول الشاعر:
وكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلبا كان جما بلابله
وما كانت الرؤيا فتنة للناس، إلا لأنها رؤيا بالبصر، وقد قال الكفار: يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس، ورجع إلى مكة في ليلته، والعير ترد إليها شهرا مقبلة وشهرا مدبرة، ولو كانت رؤيا نوم لم يستبعد أحد منهم هذا، فمعلوم أن النائم قد يرى نفسه في السماء، وفي المشرق، وفي المغرب، ولا يستبعد منه ذلك.
وأما استشهادهم بقوله ﷺ: "بين النائم واليقظان، ثم استيقظت"، فالظاهر أن تلك الأقوال كان في أول وصول الملك، وبعد يقظته كان الإسراء.
وأيضا فإن أحاديث الإسراء تتضمن ألفاظا صريحة تؤكد أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب التفسير ج٦ ص١٦٠.
[ ٤٠٣ ]
رد أدلة أصحاب الرأي الثاني:
يرد الجمهور أدلة الرأي الثاني أيضا، ويرون أن آية الإسراء ذكرت الغاية بالمسجد الأقصى مراعاة لحال المستمعين، حتى يؤمنوا بالإسراء؛ لأنه الأقرب إلى عقولهم، وأيسر لهم في التصور عن المعراج؛ لأنهم إذا صدقوا بالإسراء، وسلموا بصدق محمد ﷺ أخبرهم بعد ذلك بما هو أعظم منه، وهو "المعراج"؛ ولذلك نزلت آيات المعراج في سورة النجم بعد آية الإسراء.
وهكذا يرد الجمهور أدلة مخالفيهم، فيترجح رأيهم برجحان أدلتهم..
التوفيق بين الآراء ورد الاختلاف:
ويجب أن أشير هنا إلى ما ذكرته سلفا في ص٣٩٦ من أن الإسراء وقع لرسول الله ﷺ مرتين: مرة في اليقظة، ومرة في المنام، يرفع التعارض الظاهر في الأقوال الثلاثة، يقول الحافظ ابن حجر: إن قيل بتكرر الإسراء فلا إشكال، وأن المرة الأولى كانت مناما لتسهيله وتخفيف وطأته، وأن المرة الثانية كانت يقظة بعد التوطئة والتقديم؛ رفقا من الله بعبده، وتسهيلا عليه، كما حدث في أول الوحي؛ إذ بدأ بالنبوة وثنى بالرسالة.
وعلى هذا تصدق الآراء الثلاثة، فمن قال بالإسراء الروحاني، اعتمد على وقوع الإسراء في المرة الأولى، ومن قال بالإسراء الجسدي، اعتمد على وقوع الإسراء في المرة الثانية، ومن قال بالإسراء البدني، والمعراج الروحي أخذ من المرة الأولى المعراج، ومن المرة الثانية الإسراء.
يقول السهيلي: وهذ القول هو الذي يصح، وبه تتفق الأخبار، فالرواة جميعا ثقاة عدول، لا سبيل إلى تكذيب بعضهم أو توهينه١.
يقول ابن كثير: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، فيه صورة ما وقع بعد ذلك؛ فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج٢ ص١٥٠.
[ ٤٠٤ ]
ذلك من حديث بدء الوحي، أنه رأى في منامه مثل ما وقع له يقظة بعد ذلك، من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس١.
وهكذا كان الإسراء والمعراج رحلة علوية سامية، خففت عن رسول الله ﷺ ما كان يعانيه من انصراف الناس عن الإيمان، واستهزائهم به، وعلو مقامه وقدره ومنزلته، وهذا كافٍ في عونه على متاعب الناس، وصموده أمام عتوهم وظلمهم.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١١٤.
[ ٤٠٥ ]