ظلت القبائل على كفرها، وردوا على رسول الله حين عرض نفسه عليهم ردودا مختلفة، وكان لموقف القبائل أثر مؤلم على نفس رسول الله ﷺ.
ويأبَى الله إلا أن يكرم محمدا ﷺ ببعض الخير، فتشرق عليه أضواء من بين هذه القبائل، وذلك بإسلام أفراد منهم، ودخولهم في دين الله تعالى، وعلى رأس هؤلاء المسلمين:
١- سويد بن الصامت ﵁:
وهو رجل من بني عرف بن مالك الأوسي، جاء إلى مكة حاجا أو معتمرا، فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله، وإلى الإسلام.
فقال له سويد: فلعل الذي معك هو الذي معي.
فقال له رسول الله ﷺ: "وما الذي معك؟ ".
قال: معي مجلة لقمان؛ يعني: حكمة لقمان.
فقال له رسول الله ﷺ: "اعرضها عليَّ".
فعرضها عليه، فقال له ﷺ: "إن هذا الكلام حسن، والذي معه أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى علي، هو هدى ونور"، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن وأسلم، ثم انصرف عنه١.
٢- إياس بن معاذ ﵁:
إياس بن معاذ من بني عبد الأشهل وهم من الأوس، جاء وهو صغير مع قومه يلتمسون الحلف مع قريش؛ لينتصروا بهم على الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ أتاهم، وجلس معهم وقال لهم: "هل لكم في خير مما جئتم له؟ ".
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٢٧.
[ ٣٨١ ]
فقالوا له: وما ذاك؟
قال: "أنا رسول الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب"، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
فقال إياس بن معاذ: هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر -أنس بن رافع- حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج.
ثم لم يلبس إياس بن معاذ أن هلك، يقول محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع١.
٣- أبو ذر الغفاري ﵁:
لما بلغ يثرب خبر سويد وإياس ﵄، وإنهما سمعا محمدا ﷺ وآمنا بدعوته، بدأ أهلها في التفكير في أمر محمد، وبخاصة أهل الرأي فيهم، ومنهم أبو ذر الغفاري، أخذ أبو ذر يفكر في الإسلام، وهو في يثرب، فقال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فأعلمني علم هذا الرجل، الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني.
فانطلق أخوه حتى قدم مكة، ولقي محمدا ﷺ، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر.
فقال أبو ذر: ما شفيتني مما أردت، فتزود أبو ذر، وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ وكان لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي ﵁ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١ ص٤٢٧، ٤٢٨.
[ ٣٨٢ ]
يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
فلما أصبح أبو ذر، احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ينظر إلى النبي ﷺ والنبي لا يراه حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه.
مر به علي في مضجعه فقال له: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه عنده، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني، ما الذي أقدمك؟
قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنني فعلت، ففعل، فأخبره.
قال علي: فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل علي ﵁ على النبي صلى الله عليه سلم، ودخل أبو ذر معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ: "ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتى يأتيك أمري".
قال أبو ذر: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه.
وأتى العباس فأكب عليه ثم قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه١.
٤- الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁:
الطفيل شيخ من شيوخ قبيلة دوس، إحدى قبائل اليمن، قدم الطفيل مكة، ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، فقالوا له: يا طفيل، إنك
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب إسلام أبي ذر ج٦ ص١٨٢.
[ ٣٨٣ ]
قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك، وعلى قومك، ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه، ولا تسمعن منه شيئا.
يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، وحشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا خوفا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت منه قريبا، فأبَى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل لبيته دخلت عليه.
فقالت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لكي لا أسمع قولك، ثم أبَى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولا حسنا، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق١.
٥- ضماد الأزدي ﵁:
ضماد رجل من اليمن، كان يعمل بالرقيا من الجن، قدم مكة، فسمع أهلها يقولون: إن محمدا مجنون.
فقال: لو أني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٣٨٢، ٣٨٣.
[ ٣٨٤ ]
فقال: يا محمد، إني أرقي من هذا الريح، فهل لك؟
فقال رسول الله ﷺ: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. أما بعد".
فقال ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات.
فقال ضماد: فقال سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه١.
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص١٥٢.
[ ٣٨٥ ]