لما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز رسوله، وإيصال الدعوة إلى العالم كله، قضى بأن يترك المسلمون مكة، ويهاجروا منها إلى مكان آمن، يعيش أهله للإسلام، ويهاجر إليه المسلمون ليكونوا قوة تحمي الحق، وتدافع عنه، وترد كيد المعتدين.
لما أراد الله ذلك خرج رسول الله ﷺ إلى قبائل العرب كما كان يفعل في كل موسم، وذلك في العام العاشر من المبعث، وقد وفقه الله تعالى، ووفق الأنصار معه فتلاقوا في ثلاثة مواسم متتابعة عند العقبة؛ حيث كان اللقاء الأول تمهيدا لبيعتي العقبة، اللتين تمتا في اللقاءين الثاني والثالث.
وبيان هذه اللقاءات فيما يلي:
اللقاء الأول: إسلام نفر من الأنصار
حين خرج الرسول ﷺ في العام العاشر للقاء القبائل لقي نفرا من الخزرج، وهم:
١- أسعد بن زرارة.. من بني النجار.
٢- عوف بن الحارث بن رفاعة.. من بني النجار.
[ ٤٠٥ ]
٣- رافع بن مالك بن العجلان.. من بني زريق.
٤- قطبة بن عامر بن حديدة.. من بني سلمة.
٥- عقبة بن عامر بن ناتي.. من بني حرام بن كعب.
٦- جابر بن عبد الله بن وئاب.. من بني عبيد بن غنم.
فلما لقيهم الرسول ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ ".
قالوا: نفر من الخزرج.
قال: "أمن موالي يهود؟ ".
قالوا: نعم.
قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ ".
قالوا: بلى، من أنت؟
فانتسب لهم، وأخبرهم خبره، فجسلوا معه، ودعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما حببهم في الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، كثيرا ما قالوا لهم: إن نبيا أظلنا زمانه، سنؤمن به، ونقتلكم وهو معنا قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله أيقنوا به، واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا، وعرفوا صدق ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب عن صفته.
فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.
ثم قالوا: قد علمت الذي بيننا "يعنون الأوس والخزرج" من الاختلاف، وسفك الدماء، ونحن حراص على ما أرسلك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة، دعنا نشير عليك برأينا، فامكث على رسلك باسم الله، حتى نرجع إلى قومنا، فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله، فلعل الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لك أمرهم
[ ٤٠٦ ]
فإنا اليوم متباغضون متباعدون، ولكنا نواعدك الموسم من العام المقبل، فرضي بذلك رسول الله ﷺ، انصرفوا راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا، وصدقوا١.
ويعد هذا الاتفاق عهدا بين رسول الله ﷺ وهؤلاء النفر وحدهم على أن يبذلوا جهدهم لإصلاح ذات البين، بين الأوس والخزرج؛ ليأتوا في العام القادم سويا، ويشتركوا في عهد رسول الله ﷺ معا.
وكثير من المؤرخين وكتاب السيرة لا يعدون إيمان هؤلاء النفر بيعة، ويعتبرونه مقدمة للبيعتين بعد ذلك، إلا أن الشيخ/ محمد الشامي عدها بيعة، وتحدث عن ثلاث بيع لعده اللقاء الأول اتفاقا متكاملا، وتم عند العقبة، يقول عبد الله بن أبي بكر: لا أدري ما العقبة الأولى، ويقول ابن إسحاق: قد كانت عقبة وعقبة، إشارة إلى اللقاء الأول والثاني؛ لأنهما كانا في مكان واحد، يجاور العقبة التي نسبت البيع إليها؛ لأن المبايعة كانت تتم بشعب يجاور العقبة، يقع يسار القادم من مكة إلى منى، وقد أقيم في هذا المكان مسجد يعرف بـ"مسجد البيعة" وموقعه في أول شعب يعرف بـ"شعب العقبة" و"شعب الأنصار"٢.
ومع جمال وجهة نظر الشيخ إلا أني سأعتبر اللقاء الأول تمهيدا للبيعتين بعده تبعا لجمهور مؤلفي السير والتاريخ.
اللقاء الثاني: بيعة العقبة الأولى
رجع النفر الذين قابلوا رسول الله ﷺ إلى يثرب، وأحاطوا قومهم بخبر لقائهم وإسلامهم، ودعوا أهل المدينة جميعا من الأوس والخزرج إلى الإيمان، ففشا الإسلام في دور الأنصار جميعا، فلم يبقَ بيت من بيوت الأوس والخزرج إلا وفيه ذكر لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٢٩. ٢ أخبار مكة ج٢ ص١٦٦، ١٦٧.
[ ٤٠٧ ]
ووضعت الحرب أوزارها، وانتهى يوم بعاث، آخر أيام الأوس والخزرج، والكل يتمنى ألا يعودوا إليها مرة ثانية ولذلك أقبلوا على الإيمان بدعوة محمد ﷺ؛ ليتوحدوا بالإسلام، وحتى لا يسبقهم اليهود إليه، يروي البخاري في صحيحه بسنده أن عائشة ﵂ قالت: "كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد افترق ملؤهم، وقتل سرواتهم، وخرجوا فقدمه الله لرسوله ﷺ، وجعله سببا في دخولهم الإسلام"١.
وذلك يشير إلى أنها كانت وقعة عظيمة، احتاجوا بعدها إلى وصل ما انقطع، وتعويض ما فقدوه، فوجدوا الإسلام، فصدقوا به، وآمنوا بمحمد ﷺ، وكان كل من الأوس والخزرج يأنف من تسيد صاحبه عليه، وأملوا في أن يكون الرائد من غيرهم؛ ولذلك كانت سعادتهم غامرة بمقدم مصعب بن عمير ﵁؛ ليكون إماما للجميع.
والذين حضروا اللقاء الثاني وبايعوا هذه البيعة اثنا عشر رجلا، هم:
١- أسعد بن زرارة.
٢- عوف بن الحارث.
٣- معاذ بن الحارث.
٤- ذكوان بن قيس.
٥- عبادة بن الصامت.
٦- يزيد بن ثعلبة.
٧- العباس بن عبادة.
٨- أبا الهيثم بن التيهان.
٩- عويس بن ساعدة.
١٠- رافع بن مالك.
١١- قطبة بن عامر.
١٢- عقبة بن عامر.
وقد بايعهم رسول الله ﷺ بيعة عرفت ببيعة النساء؛ لخلوها من النصرة والجهاد، أيضا لأنها جاءت موافقة لما نزل القرآن الكريم بها بعد ذلك، وهو يشرع للنبي ﷺ ما يبايع النساء عليه، وذلك في صلح الحديبية.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - باب مناقب الأنصار ج٦ ص١٤٤.
[ ٤٠٨ ]
يروي البخاري بسنده عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله: إن شاء الله عاقبه، وإن شاء عفا عنه" ١.
ولما هم القوم بالرجوع إلى المدينة طلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل معهم من يقرئهم القرآن، ويعلمهم ما نزل من الإسلام، فأرسل ﷺ معهم مصعب بن عمير، وأمره الرسول ﷺ أن يعلمهم الإسلام، ويقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين.. وكان اختيار مصعب بن عمير لهذه المهمة اختيارا موفقا؛ لأنه استطاع بفضل الله أن يدخل الإسلام في كل بيوت المدينة خلال عام واحد، وصار الجميع يهتمون بما يتلى عليهم من كتاب الله تعالى، حتى عرف مصعب ﵁ باسم القارئ والمقرئ.
وتلقى الأوس والخزرج مصعبا بالترحيب ليؤمهم حيث كره كل منهم أن يؤمه واحد من القبيلة الأخرى٢.
اللقاء الثالث: بيعة العقبة الثانية
عاد أصحاب العقبة الأولى إلى المدينة، ومعهم مصعب بن عمير، ولم يقترب موعد الحج من العام القادم حتى تهيأت قلوب أهل المدينة للخير، وانتشر الإسلام فيهم، حتى لم تبقَ دار من دور يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون إيمانهم، ويلتزمون بما عاهدوا الله عليه.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج٦ ص٢٠٠. ٢ البداية والنهاية ج٣ ص١٥١.
[ ٤٠٩ ]
وقد تعلقت قلوب أهل المدينة برسول الله ﷺ حبا وتقديرا، وتألموا لموقف أهل مكة من الإسلام والرسول؛ ولذلك اجتمعوا ودرسوا الموقف، وقال بعضهم لبعض: إلى متى نذر رسول الله يطوف في جبال مكة ويخاف ويعتدي عليه المشركون؟!
فكان أن رحل عدد غفير من الأوس والخزرج إلى الحج تأدية للمنسك، وحبا للقاء رسول الله ﷺ، فلما وصلوا إلى منى، وفي ثاني أيام التشريق واعدوا لقاء رسول الله في الشعب المجاور للعقبة.
يقول كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق أن نوافيه في الشعب الأيمن إذا انحدرنا من منى بأسفل العقبة، على ألا ننبه نائما، ولا ننظر غائبا.
فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم على من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بمعياد رسول الله ﷺ إيانا في العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة.
فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا، مستخفين، حتى اجتمعا في الشعب، عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بن كعب -أم عمارة- إحدى نساء بني مازن من بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا، ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، كما حضر معه ﷺ أبو بكر وعلي بن أبي طالب.
[ ٤١٠ ]
فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج١، إن محمدا من حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة من بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
وقال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم تريدون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتل، أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم تريدون أنكم وافون له بما عاهدتموه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
ثم تكلم رسول الله ﷺ فقال لهم: "ليتكلم متكلمكم، ولا يطيل، فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم".
فقالوا: يا رسول الله، قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم رسول الله ﷺ، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم فوالله الذي بعثك بالحق لنمعنك ما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر.
_________________
(١) ١ قال: وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها.
[ ٤١١ ]
فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أشهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا.
فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم -أي: ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم- أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالتم" ١.
ثم قال أبو أمامة: يا محمد، سل لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله، وعليكم إذا فعلنا ذلك.
قال ﷺ: "أسألكم لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا، وتنصرونا، وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم".
قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟
قال ﷺ: "لكم الجنة".
قالوا: فلك ذلك٢.
وهنا قال رسول الله ﷺ: "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم"، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
فمن الخزرج: أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار، ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة نقيب بني الحارث بن الخزرج، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو نقيب بني ساعدة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت.
ومن الأوس: أسيد بن حضير نقيب بني عبد الأشهل، ورفاعة بن عبد المنذر وسعد بن خيثمة نقيبا بني عمرو بن عوف.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٦٠، ١٦١. ٢ المرجع السابق ج٣ ص١٦٣.
[ ٤١٢ ]
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي" يعني: المسلمين، قالوا: نعم١.
وقد روى البيهقي عن الإمام مالك ﵁ قال: حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير إلى رسول الله ﷺ إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة٢.
وفي حديث كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع القوم٣، فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يأهل الجباجب، هل لكم من مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟
فقال رسول الله ﷺ: "هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب، استمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك".
ثم قال رسول الله ﷺ: "ارجعوا إلى رحالكم"، فقال له العباس بن عبادة بن نضالة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا.
فقال رسول الله ﷺ: "لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم"، قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا.. فلما علم أهل مكة جاءوا إلى الأنصار، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه، وقد صدقوا لم يعلموه٤.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٤٤٣. ٢ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٢٨١. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص١٦٣. ٤ المرجع السابق ج٤ ص١٦٤.
[ ٤١٣ ]
وكذلك أراد الله بالأنصار خيرا، وأراد الله بدينه أن يظهره على أيدي هذا الحي من العرب، وقضى بأن يكون للأنصار اليد الطولى في نصرة الإسلام، بعد أن أنعم الله عليهم بنعمة التوحيد والتوحد، ومحا ما كان بينهم من العداء والتنافر، فلطالما سالت الدماء غزيرة بين الأوس والخزرج، وكان آخر يوم شهدوه هو يوم بعاث الذي ذهب ضحيته العديد من رجالاتها، وكان اليهود وراء هذه الدماء الغزيرة التي تسيل ضمانا لسيادتهم، وابتزازا لأموال المتحاربين، عن طريق بيعهم الأسلحة، وما تحتاج إليه الحروب.
لقد قامت هذه المبايعة على المصارحة، فقد اشترط العباس للنبي ﷺ، كما اشترط أبو الهيثم لقومه وعلم كل طرف ما له وما عليه، وبذلك لم تكن بيعة قائمة على مجرد العاطفة فقط، ولكنها قامت على التفهم للموقف، والنظرة البعيدة للمستقبل.
وتجلت حكمة النبي ﷺ حين طلب من الأنصار أن يكتموا أمرهم حين يتوافدون إليه في المكان الذي واعدهم فيه وقد أطاعوه، فلم يوقظوا نائما، ولم ينتظروا غائبا، ذلك أنه كان يراقبهم في هذا الموسم من لم يدخل نور الإسلام في قلبه، وأراد الله تعالى تضليل أهل مكة، فتولى هؤلاء الذين لم يسلموا عبء الرد فيما بعد على مشركي قريش حين عاتبوا اليثربيين على مبايعتهم الرسول ﷺ، وسلم الأنصار المبايعون من عناء مجادلة المشركين والتعرض للكذب إن أنكروا.
وبعد تمام البيعة الكبرى عاد الأنصار إلى مدينتهم، وأخذ المشركون يشتدون في أذى المسلمين، ومنعهم من الخروج.
فشكا الصحابة أحوالهم إلى رسول الله ﷺ، واستأذنوه في الخروج من مكة، فأذن لهم، وقال لهم: $"أريت دار هجرتكم، أرض سبخة ذات نخل بين
[ ٤١٤ ]
لابتين"١، ثم مكث أياما، وخرج لأصحابه مسرورا، وقال لهم: "قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها" ٢، فأخذ الصحابة يخرجون متخافين مهاجرين إلى المدينة، لتبدأ مرحلة جديدة في سيرة رسول الله ﷺ، وفي الدعوة الإسلامية.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص١٦٨. ٢ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٤٦٨.
[ ٤١٥ ]