أخذ ﷺ يتخفى عن أعين أهل مكة وهو يوجه أتباعه، ويطبق معهم تعاليم الإسلام.
وقد اختار ﷺ للتخفي أماكن لا تكتشف بسهولة، ومن ذلك الشعاب البعيدة عن بيوت أهل مكة، وكان ﷺ يخرج إلى الشعاب، ومعه علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة للصلاة فيها بعيدا عن أعين الناس١.
يقول ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا٢. ولما كثر عدد المسلمين كانوا يذهبون إلى الشعاب فرادى أو مثنى؛ محافظة على السرية، وعدم التصادم.
ومن طرق التخفي اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم مكانا يجتمع فيه المسلمون مع رسول الله ﷺ للتعلم والعمل.. وكان اختيار دار الأرقم ملائما للتخفي والاستتارة لعدة أسباب:
أ- تقع دار الأرقم عند الصفا، وهو مكان يتجه إليه كثير من أبناء مكة، وتوجه المسلمين إلى هذا المكان أمر عادي لا يثير تساؤلا، ولا يوقعهم في شبهة.
ب- لم يتوقع أحد من أهل مكة أن يجتمع محمد ﷺ مع أصحابه في دار الأرقم، ولا يمكن لهم أن يتصوروا ذلك؛ لأن الأرقم من بني مخزوم، وهي قبيلة تنافس بني هاشم في السلم والحرب، ولا يتصور أن تنشأ دعوة هاشمية في دار مخزومية.
ج- أسلم الأرقم وهو صغير لم يبلغ السادسة عشرة، وصبي في هذا العمر لا يجرؤ أن يجعل بيته مكانا لتجمع المسلمين، فلقد جرت عادة القرشيين أن يكون اجتماعهم في بيوت كبار القوم وأغنيائهم وشيوخهم.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٧. ٢ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٢٤٦.
[ ٤٥٦ ]
د- إسلام الأرقم نفسه كان سرا على قبيلته، وعلى غيرهم، ولا يمكن تصور بيته حينئذ مكانا لاجتماع المسلمين؛ لأن صاحبه لم يدخل في الإسلام في نظرهم.
والحكمة في بدء الدعوة بالاستخفاء عديدة، منها:
١- التريث ريثما تتكون لبنات قوية المزج، شديدة التماسك، في جو بعيد عن إثارة المعوقات في طريق سير الدعوة؛ لأن هذه اللبنات هي القوة الدافعة التي سيعتمد عليها بناء المجتمع الإيماني الجديد، في مواجهة قوى الظلم والبغي المتربصة بهذا الدين، في صبر لا يعرف الوهن، وجهاد لا يعرف اليأس.
٢- ضرورة المسالمة في البداية؛ لأن مهاجمة هذا المجتمع الغارق في شروره ومواجهته بضلاله، وساق الدعوة لم يستوِ بعد، يؤذن بتحريك دوافع المقاومة للدعوة في نفوس المستكبرين، والدعوة لا تزال في أول خطواتها، فتتعثر في سيرها، وهي لا تزال وليدة طرية.
لذلك آثر النبي ﷺ الاستسرار بدعوته، وتبليغ رسالته؛ حرصا منه أن يكون سيرها مطردا، وئيدا، هادئا، تسير إلى القلوب بخطا ثابتة، حتى تتمكن من الإعلان عن نفسها في الوقت المناسب١، بعد أن يؤمن بها عدد من الناس يضحون في سبيلها بالغالي والنفيس، مما يضمن استمرارها وبقاءها.
٣- إتاحة الفرصة للدعوة حتى تصل إلى مسامع العرب في مواسمهم ومحافلهم وأسواقهم ومضارب منازلهم، فأتت هذه الخطوة أكلها؛ حيث أقبل إلى مكة فريق منهم، يتحسس أخبارها، ويتعرف مكانها في خفية وحذر، حتى إذا بلغوا مأمنها في مقرها "دار الأرقم" أسلموا لله تعالى، واتبعوا رسوله ﷺ، واهتدوا بهديه، وآمنوا بما جاء به من الحق٢.
_________________
(١) ١ محمد صادق عرجون، محمد رسول الله ﷺ ج١ ص٦٠٥. ٢ منهج النبي ﷺ ص١٤٩.
[ ٤٥٧ ]
٤- المساهمة في تكوين قاعدة إيمانية صُلْبة، ومثالية في هدوء وأناة؛ لتقوم بدورها في المراحل التالية، ولتقدم أسوة راقية لمن بعدهم في الخلق والسلوك وأداء الواجب.
[ ٤٥٨ ]