الإسلام هو الموضوع التي تتحرك به الدعوة، وهو المضمون الفكري الذي يحتويه الأسلوب، ويحركه بوسائله وأدواته.
والإسلام أساسه العقيدة؛ ولذلك تدور حركة الدعوة مع تبليغ العقيدة، وتثبيتها في القلوب، وربطها بكافة أنشطة الإنسان..
إن العقيدة الإسلامية تتمثل في "شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله".. وهذه الشهادة تتكون من شطرين:
الشطر الأول: وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وبه تتحدد للإنسان عبوديته لله المعبود؛ ليقر له بالوحدانية المطلقة، ويتجهله وحده ﷾ بالعبادة كلها، ويحصر
[ ٤٢٣ ]
التلقي منه ﷾.
فليس عبدا لله من لا يعتقد بوحدانيته ﷾، بكل اليقين والإخلاص.
وليس عبدا لله وحده من يخضع، ويخشع، ويتجه بالعبادة لغير الله تعالى!!
وليس عبدا لله من يرتضي لنفسه مصدرا غير الله، يأخذ منه النظام والتشريع!!
وليس عبدا لله من يعلن العبودية ظاهرا، وعند حاجته للإعلان فقط، ويخالف لوازمها عند العمل والتطبيق!!
ويؤكد الشطر الثاني: وهو أشهد أن محمدا رسول الله، وأن محمدا هو طريق التلقي الوحيد عن الله تعالى، فهو رسول الله ﷺ الذي نزل عليه بالوحي، وبلغه للناس؛ ليمدهم بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم، وينظم لهم جميع أعمالهم وأنشطتهم.
وليس مؤمنا من لا يضع الرسول ﷺ في موضعه الواجب.
وليس مسلما من يهمل ما جاء به رسول الله ﷺ، ويعمل بما جاء من عند غيره!!..
إن العقيدة الإلهية تقوم على كلمة الشهادة بركنيها؛ لأن الشهادة تشمل الإسلام كله؛ ولذلك كان اهتمام الرسول ﷺ بها منذ البداية..
يقول سيد قطب: والقلب المؤمن المسلم يتمثل هذه القاعدة بشطريها، بصدق وإخلاص، وبذلك يكون مؤمنا؛ لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، يتحقق بهما، فالإيمان بملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره، يقوم على هذه القاعدة.
وكذلك الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، يعتمد عليها.
ثم الحدود، والتعازير، والحل، والحرمة، والمعاملات، والتشريعات، والتوجيهات الإسلامية، إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلغه لنا رسول الله ﷺ عن ربه.
[ ٤٢٤ ]
والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعا تمثلا علميا وعمليا؛ لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون المجتمع مسلما.
ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قاعدة لتصور كامل، تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها، لا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة، كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة، أو قامت على قاعدة أخرى معها، أو عدة قواعد أجنبية بعيدة عنها١.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ٢.
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
ويقول سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤.
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٥.
من هذه الآيات وغيرها كثير في القرآن الكريم تعرف وحدانية الله تعالى، وتتحدد واجبات العبودية، وتتأكد ضرورة حصر الأخذ والتلقي من الله تعالى.
_________________
(١) ١ معالم في الطريق ص١٥٥، ١١٦. ٢ سورة النحل آية ٥١. ٣ سورة الأنعام الآيتان ١٦٢، ١٦٣. ٤ سورة الشورى آية ٢١. ٥ سورة الحشر آية ٧.
[ ٤٢٥ ]
لقد ركز رسول الله ﷺ دعوته في مكة على تثبيت العقيدة في القلوب؛ ليعيش الناس الإسلام كله بعدما تمتلئ قلوبهم بالإيمان.
إن المجتمع المسلم والفرد المسلم يجعل الإسلام دستور الحياة على أساس إيماني خالص، ويعيشه بكماله وتمامه، على أساس أنه متطلب إيماني، نابع من عقيدة "لا إله إلا الله" التي هيمنت على قلبه وعقله وعواطفه، وأصبحت هي الموجِّه الوحيد لسلوكه عن طواعية واختيار.
إن مقتضى شهادة التوحيد يشمل أركان الإيمان، وسائر العبادات، والتوجيهات التشريعية والأخلاقية وغيرها١.
إن مقتضى هذا التوحيد يشمل الحياة كلها؛ ولذلك كان البدء بتعليم العقيدة، وكان الجهد المبذول في تثبيتها ضخما ليتلاءم مع أهميتها، ودورها في تطبيق الإسلام كله.
إن مقتضى التوحيد يؤدي إلى إيجاد الفرد المسلم، والمجتمع المسلم في عالم الواقع، وبذلك يتحول الكون كله عابدا لله تعالى، ويصير الناس ربانيين، مخلصين، صالحين، أعمالهم كلها لله، يتحرون بها طاعة الله، والامتثال لأمره، واجتناب نواهيه.
وأمانيهم كسب رضى الله، ومن أجلها يتحرون مناط الرضى، ويركزون على عوامل القربى؛ ليتمتعوا برحمة الله، ورضوانه، وحبه.
وتجارتهم الرئيسية مع الله، وأغلى أرباحهم ينتظرونها يوم أن يتجلى الله عليهم بعزته، وهم في النعيم، فيرونه، ويسعدون بلقياه، ويعيشون في الجنات خالدين لهم فيها ما يشاءون.
إن النطق بالشهادة يعبر عن حقيقة اليقين، ويؤدي إلى التمسك بلوازمها ومقتضياتها، ويوجد المؤمن السعيد، ويحقق المجتمع العظيم، في عالم الناس.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب لا إله إلا الله، للأستاذ/ محمد قطب، العقيدة أولا، للدكتور/ الشريف الهجاري.
[ ٤٢٦ ]
ولقد صنع رسول الله ﷺ بالشهادة مجتمعا متحررا من سلطان الشهوة، وسلطان الطغاة، مجتمعا قائما على العدل، وتقرير كرامة الإنسان، مجتمعا طاهر الخلق، زكي الروح، يقظ الضمير، متآلفا، متحابا، يوالي الفردُ الفردَ أخاه، ويعمل للجماعة كما يعمل لنفسه.
ولقد صنع رسول الله ﷺ هذا المجتمع السعيد؛ لأن أفراده أقاموا هذا الدين "أولا" في قلوبهم وضمائرهم، وطبقوه "ثانيا" في حياتهم وأعمالهم، وبعد ذلك كانوا رجالا يحبون لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم، ويحافظون على حقوق الآخرين قبل أن ينالوا حقهم.
إن هذا المضمون هو الإسلام كله، وهو الجزء الرئيسي في منهج الدعوة؛ لأن غاية المنهج هو خدمة الإسلام، وتبليغه للناس، وتحقيقه في عالم التطبيق والسلوك.
[ ٤٢٧ ]