من مقدمات البعثة أن محمدا ﷺ تمتع بعلامات عرفت بخاتم النبوة، وقد رآها أهل الكتاب وغيرهم قبل مبعثه ﷺ وأكثروا الحديث عنها.
وخاتم النبوة عبارة عن بضعة لحم مرتفعة عن الجسد، وجدت في ظهره الشريف ﷺ عند أسفل عظم كتفه اليسرى، وقد تكلم العلماء عن الحكمة في وضعه مع الخاتم خلف ظهره، وفي هذا المكان المواجه للقلب.
يقول ابن دحية ﵀: الحكمة في وضع الخاتم بين كتفي رسول الله ﷺ إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتي من ورائك١.
وقال في الفتح: السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة٢.
وقال العلامة السهيلي في الروض الأنف: وحكمة وضعه -أي الخاتم- عند النغض من الكتف اليسرى عصمته من وسوسة الشيطان، ولأن ذلك الموضع منه يدخل الشيطان، فكان ذلك حفظا له من الشيطان٣.
وروى ابن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فأري جسده ممهي "يرى داخله من خارجه" وأري الشيطان في صورة ضفدع، عند كتفه حذاء قلبه، له خرطوم كخرطوم البعوضة، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه، ويوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس.
قال في الفتح: وهو مقطوع، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى، وابن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب المناقب - باب خاتم النبوة ج٦ ص٥٦١. ٢ فتح الباري على صحيح البخاري ج٦ ص٥٦٢. ٣ الروض الأنف ج١ ص١٩١.
[ ٢٧٠ ]
عدي ولفظه: "إن الشيطان وضاع خطمه على قلب ابن آدم"١.
ميعاد ختم النبي بهذا الخاتم:
اختلف العلماء في موعد ختم النبي ﷺ بخاتم النبوة، وذكروا أوقاتا تتفق غالبا مع الأوقات التي ذكروها لشق صدره ﷺ، وهي:
- قال بعضهم: ختم حين مولده ﷺ.
- وقال آخرون: ختم يوم شق صدره عند حليمة.
- وقال غيرهم: ختم قبيل المبعث.
- وقيل: ختم ليلة الإسراء والمعراج.
ولكل دليله وحجته..
ورجح ابن حجر أن الختم كان يوم شق صدره عند حليمة، وقطع به القاضي عياض؛ لأن الذين رأوه وشاهدوه ذكروا أن رؤيتهم للخاتم كانت قبل البعثة بوقت طويل.
ولا مانع من القول بأن الله تعالى كرر الختم لرسول الله في كل هذه المرات إعمالا للأحاديث كلها، وزيادة في البركة والعون.
وسميت هذه العلامة بالخاتم جريا على عادة الناس في إثبات صدق ما يكتبون بخاتم معين، فكأن هذا الخاتم دليل على صدق محمد ﷺ.
والأحاديث المثبتة لخاتم النبوة كثيرة، منها:
- عن السائب بن يزيد ﵁ يقول: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح ﷺ رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٦ ص٥٦٣. ٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب الوضوء - باب فضل استعمال وضوء الناس ج١ ص٢٩٦.
[ ٢٧١ ]
- وعن سماك قال: حدثني جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام.
- وفي رواية أخرى قال: رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة حمام يشبه جسده١.
- وعن ابن زيد الأنصاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا أبا زيد، ادنُ مني، فامسح ظهري"، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم.
قلت: وما الخاتم؟
قال: شعرات مجتمعات٢.
- عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما، أو قال: ثريدا، فقلت له: هل استغفر لك النبي ﷺ؟
قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ .
قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل٣.
- وعن أبي نضرة العوفي ﵁ قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله ﷺ، يعني: خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة٤.
وللعلماء في وصف خاتم النبوة أقوال:
- يصفها الحاكم في كتابه بأنها شعر مجتمع.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح النووي - كتاب الفضائل - باب شيبة النبي ﷺ ج١٥ ص٩٧. ٢ قال الألباني في الشمائل: رواه الترمذي والحاكم وأحمد وابن حبان - بسند صحيح رقم ١٧. ٣ الثآليل: جمع ثؤلول، وهو بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمصة أو دونها، والحديث رواه مسلم - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة ج١٥ ص٩٩. ٤ ناشزة: مرتفعة، والحديث قال الألباني عنه في الشمائل: رواه الترمذي بسند حسن رقم ١٩.
[ ٢٧٢ ]
- وفي كتاب البيهقي: بصقة ناشزة.
- وفي حديث عمرو بن أخطب: "كشيء يختم به".
- وفي تاريخ ابن عساكر: "مثل البندقة".
- وفي الترمذي: "كالتفاحة".
- وفي الروض: كرأس المحجم الغائص على اللحم.
- وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: شامة خضراء محتفرة في اللحم.
- وفيه أيضا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس.
- وفي تاريخ القضاعي: ثلاث مجتمعات.
- وعن عائشة ﵂: كتينة صغير تصرب إلى الدهمة١.
واختلاف العلماء في وصف خاتم النبوة ليس من قبيل التنافي والتضاد، إنما هو باعتبار أن كلا منهم شبه الخاتم بما سنح له وبما ظهر أمامه؛ لأنه ﷺ كان يستره بثوبه، فواصف الخاتم رآه بنظرة خاطفة، أو أري له فجأة، ومع وجود عوامل الهيبة والدهشة في هذا الموقف العجيب، ومن الملاحظ أن الأقوال متقاربة في وصف الخاتم من ناحية صورته وحجمه ومكانه.
ووجود الخاتم النبوي مندرج في خوارق العادات التي أحاط الله بها النبوات، ويجب التسليم بها.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٢٦٠ هامش، فتح الباري ج٦ ص٥٩٣.
[ ٢٧٣ ]