قام الرسول ﷺ بتوجيه الدعوة إلى الناس بصورة فردية، فلقد ثبت أنه ﷺ دعا السابقين إلى الإسلام كلا على حدة، وأحيانا كانت الدعوة تبدأ بسؤال موجه من الصحابي إلى رسول الله ﷺ، وأحيانا آمن البعض اقتناعا بما كان يسمع ويرى.
وخديجة ﵂ أول من دخلت في الإسلام، آمنت بالرسالة قبل أن يطلب الرسول ﷺ منها أن تؤمن؛ لأنها كانت تبشر بالرسالة، وتنتظرها،
_________________
(١) ١ يسمى علماء الإعلام الاتصال الفردي بالاتصال الشخصي ويذكرون أنه الاتصال المباشر الذي يتم مواجهة بين فردين أو بين فرد وجماعة صغيرة بين أعضائها علاقة ما. وهو يتم عادة بطريقة تلقائية كالتحية والرد عليها، وإجابة سؤال، والتحادث حول أمر ما. ونمط هذا الاتصال المواجهة، والاحتكاك المباشر، ورد الفعل فيه يكون واضحا. ويتميز هذا النوع بأنه يتم في اتجاهين بصورة مباشرة مما يؤدي إلى فهم كل طرف للآخر، وهذا يساعد على الفهم، وسرعة القضاء على المعوقات التي تظهر أثناء العملية.
[ ٤٤٦ ]
فلما جاء جبريل بالوحي صدقت بما كانت تتوقعه، وأخذت تعبد الله كما يتعبد رسول الله ﷺ.. فلما تعلم الرسول الوضوء والصلاة وعاد لخديجة، توضأت كوضوئه، وصلت بصلاته، فلما رآهما علي بن أبي طالب ﵁ يصليان سألهما علي: ما هذا؟
قال له رسول الله ﷺ: "هذا دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى".
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرا حتى أحدث به أبا طالب.
فكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا علي، إذ لم تسلم فاكتم"، فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟
فقال له رسول الله ﷺ: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهره١.
وكان سن علي ﵁ يوم أسلم عشر سنوات، كان من فضل الله على عليٍّ ﵁ في إسلامه أن جعله ﷾ ينشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه سلم قبل الإسلام، يكفله ﷺ ويربيه كأنه ابنه.
وأسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وصلى بصلاة رسول الله ﷺ وأخذ يحفظ القرآن معه.
وأراد الله بأبي بكر خيرا، فسمع عن دعوة محمد ﷺ، فجاء إليه مسرعا يسأله قائلا: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟
_________________
(١) ١ حياة الصحابة ج١ ص٤٨.
[ ٤٤٧ ]
فقال رسول الله ﷺ: "بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته"، وقرأ عليه القرآن، فأسلم، وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق١.
وهكذا أسلم أبو بكر وعلي وزيد ﵃، وهم أول من دخل في الإسلام بعد خديجة، والعلماء مختلفون في أسبق الثلاثة إلى الإسلام، فمنهم من قال: أولهم أبو بكر، ومنهم من قال: أولهم علي، ومنهم من قال: أولهم زيد بن حارثة.
والأولى بالصحة أن أولهم علي بن أبي طالب؛ لقول النبي ﷺ لفاطمة: "أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما" ٢.
يجمع أبو حنيفة الآراء المذكورة، ويؤكد صحتها جميعا، ويرى أن أول من أسلم من النساء خديجة، وأول من آمن من العبيد الأرقاء زيد بن حارثة، وأول من آمن من الصبيان علي بن أبي طالب، وأول من آمن من الرجال الأحرار الكبار أبو بكر ﵃ جميعا٣.
ويروي ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أن أبا بكر لم يكن أول المسلمين إسلاما، بل أفضلهم، وأكثرهم فائدة للدعوة إلى الإسلام٤.
وعلى الجملة، فإن إسلام هؤلاء السابقين إلى الإسلام تم بالدعوة الفردية..
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج١ ص٤٦. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص١٢٣. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص٢٩. ٤ المرجع السابق ج٣ ص٣١.
[ ٤٤٨ ]