لم تغب ذكريات الماضي عن فكر محمد ﷺ، بل كان يختزنها في باطنه، ويغفل عنها لانشغاله بأعماله وأسفاره، فما تزوج خديجة ﵂، ورفع الله تعالى عن كاهله عناء الفقر، ومسئوليات المعاش، بدأ يعيش حياة الراحة الهادئة، والطمأنينة السعيدة، ويستعد للمسئوليات الجسام.
ومن خصائص النفس أنها تكون مشغولة مع صاحبها دائما، فهي معه في مسئولياته وقضاياه فإن استراح وسكن، وخلا من المهام، شغلته هي بما يحركها ويشغلها.
إن النفس البشرية قادرة على التذكر والتخيل والتفكير، وهي في حركتها لا تعرف حدود الزمان والمكان، ولا توقفها حواجز السلطة والطبقات، ويساعدها في حركتها الدائمة السريعة ما يأتيها من عالم الشعور وعالم اللاشعور.
وعلماء التربية يرشدون إلى ضرورة إشغال النفس بالحق وتوجيهها نحو النافع المفيد، وذلك بإيجاد حيز من الدوافع التي تدفع النفس نحو فكر معين مقصود.
لقد بدأ الماضي يعاود محمدا بعد زواجه من خديجة، وأخذت الذكريات تتحرك أمامه، وتشغل فكره، وتدعوه إلى التأمل فيها، وفيما وراءها.
لقد عاش في ديار بني سعد، وشق صدره، ورعى الغنم، وعاشر الرعاة، وعاش الخلاء، وسمع كلام الأحبار والرهبان والكهان، وسافر للمدينة وللشام، وباع واشترى.
وقابل أشتاتا من الناس، وسمع ألوانا عديدة من الأفكار والمذاهب والأديان.
[ ٣٠٠ ]
ورأى في مكة بعض الحنفاء ينكرون على العرب ما هم فيه من بعد عن دين إبراهيم ﵇، لقد عاش ﷺ حياة عملية ممتلئة بالحوادث والاتجاهات، وقد عادت نفسه لذلك كله، وتذكره عقله ﷺ في تحليل نظري وتأمل فكري؛ للوصول إلى شيء من أسرار ذلك كله.
والخلوة والبعد عن الناس من الأمور غير المحببة في حياة البشر؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، يحب الأنس، ويعشق ملاقات الآخرين، ويجب التعامل والسمر معهم، وما سمي الإنسان إنسانا إلا لوجود هذا الطبع فيه.
والخلاء مع هذا عامل تربوي، يُعلم الصمت والسكون، ويدفع إلى التأمل والتفكير، ويساعد على الطهارة والسمو؛ ولذلك كانت العبادة في جوف الليل من عظائم الأمور، وكان قرآن الفجر مشهودا، وذلك لمن جعل خلوته لخدمة القيم والخلق.
وقد حبب الله لمحمد الخلاء، فكان يخرج من مكة بعيدا عن الصخب والضجيج، ويمكث وحيدا في غار حراء، ومعه زاده وعدته، مدة تضم الليالي ذوات العدد، حيث يقضي شهر رمضان في خلوته وانقطاعه عن الناس.
يقول الخطابي: والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدعاوى الشغل الفطري، والبشر لا ينفك عن طباعه، ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى بنبيه محمد ﷺ في بداية أمره فحبب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف عن عاداتهم، ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه في مقام التعبد بين يديه؛ ليخشع قلبه، وتلين عريكته، فيجد الوحي منه حين وروده مرادا سهلا، ولا يصادفه حزنا وعرا.
فجعلت هذه الأسباب مقدمات لما أرصد له من هذا الشأن ليرتاض بها، ويستعد لما ندب إليه، ثم جاءه التوفيق والتبشير، وأخذته
[ ٣٠١ ]
القوة الإلهية، فجبرت منه النقائض البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية١.
وقد كان من عادة مفكري أهل مكة أن ينقطعوا عن الناس مدة كلما جد لهم أمر، يلجئون خلالها إلى آلهتهم، وإلى عقلهم؛ بحثا عن حل لهذا الأمر الذي يشغلهم.
ووجد محمد ﷺ في هذا المسلك طريقا يعيشه في خلوته، يلتمس أثناءها إشباع ما يتمنى الوصول إليه، ووجد في جبل حراء شمال مكة غارا يأتيه المكيون فأحبه، وأخذ ينقطع فيه وحيدا، يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فكان إذا جاء رمضان يحمل طعامه وشرابه ويمكث فيه، بعيدا عن الصخب والضوضاء، يلتمس الحق..
وحراء جبل بأعلى مكة، على بعد ثلاثة أميال منها، على يسار المار إلى منى؛ ولهذا الجبل قمة مشرفة على الكعبة، وفي قمة الجبل غار عرف بـ"غار حراء"، وهو على هيئة حجرة ضيقة، مستطيلة منحوتة داخل قمة الجبل، أرضها مسطحة، وسقفها مقوس، والغار مفتوح من جهتيه الشمالية والجنوبية، ويمكن للجالس فيه أن يرى الكعبة، وبخاصة قبل وجود البنايات الحديثة العالية.
إن الخلوة في غار حراء تؤدي إلى القرب من الله، والنظر إلى الكعبة؛ ولذلك كان أهل مكة يعظمون هذا الغار، ويقصدونه بين الحين والحين، ويربطون بينه وبين الكعبة، وكان صلى الله عليه سلم يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى الخلاء، وكان أول ما يبدأ به إذا انصرف من خلوته أن يطوف بالبيت قبل أن يدخل بيته٢.
إن حياة التأمل والتفكير تعرف الإنسان بنفسه، وترقق مشاعره، وتبعده عن شواغل المادة، وتجعله يلتمس القوة في غير سائر المخلوقات؛ لأن كل مخلوق ضعيف ومحتاج.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٢ ص٣١٩. ٢ لم تنازع قريش محمدا في خلوته بغار حراء؛ لأن عبد المطلب أول من كان يخلو فيه، وكان لعبد المطلب منزلة فيهم، فلما خلا محمد بالغار جعلوه مكان جده.
[ ٣٠٢ ]
إن تحبيب النبي ﷺ في الخلاء تدريب على تخليه عن الناس، واتصاله بالملأ الأعلى، وهو يتلقى وحي الله تعالى، والذي سوف يتكرر كثيرا، ويدوم طويلا.
والخلاء يُعلم الإنسان التجرد عن الماديات والشهوات المتصلة بها، وتشعره بقيمة المعنويات والروحانيات الغائبة عن الحواس.
تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: " ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك"١ وجاء تعبير الحديث بلفظ "حُبب" المبني للمجهول إشارة إلى أن حب محمد للخلاء لم يكن من بواعثه البشرية، وإنما كان من الوحي والإلهام٢.
يقول ابن هشام: كان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذاك، كان أول ما يبدأ به، إذا انصرف من جواره الذهاب إلى الكعبة، قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته٣.
وكان ﷺ يطيل النظر في الكون المحيط به في السماء ونجومها، وقمرها وشمسها، وأفلاكها ومجراتها، وصورتها في الليل وفي النهار.
ويتأمل الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع؛ إذ تكسوها أشعة القمر، أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندي.
وينظر في أهل مكة والحياة تشغلهم، ويتأمل في الآتين لمكة، وهم يطوفون بالبيت، والأصنام أمامهم!!..
كان ﷺ يتأمل في كل ذلك وفي غيره يلتمس معرفة هذا الوجود، وما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٢١. ٢ فتح الباري على صحيح البخاري ج١ ص٢٢. ٣ السيرة النبوية ج١ ص٢٣٦.
[ ٣٠٣ ]
وراءه من سبب وغاية!!!..
في هذا الكون المتحرك كان يلتمس الحقيقة العليا، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون، وليخترق الْحُجُب وصولا إلى مكنون سره.
ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشره قومه من شئون الحياة، وما يتقربون به إلى آلهتهم ليس حقا.
فما هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن أحد غائلة شر تصيبه؟!..
وما هبل، واللات، والعزى؟!!..
وكيف تكون آلهة، وهي مصنوعة بأيديهم؟!!
وما كان هذه الأنصاب والأصنام القائمة في جوف الكعبة أو حولها، إنها لم تخلق يوما ذبابة، ولا جادت مكة بخير!
ولكن!
أين الحق إذن؟
أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسماواته ونجومه؟
أهو في هذه الكواكب المضيئة التي تبعث إلى الناس النور والدفء، ومن عندها ينحدر ماء المطر، وتأتي للناس، ولأهل الأرض كافة من خلائق، أسباب الحياة من الماء والهواء والنور والدفء؟
كلا! فما هذه الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء.
أهو فيما يتصوره وراء هذه الأفلاك من أثير لا حد له، ولا نهاية له؟
ولكن ما الأثير؟
وما هذه الحياة التي تحيا اليوم فتنقضي غدا؟ ما أصلها؟! وما مصدرها؟!
أمصادفة تلك التي أوجدت الأرض؟! وأوجدتنا عليها؟
لكن للأرض وللحياة سننا ثابتة لا تبديل لها، ولا يمكن أن تكون المصادفة أساسها.
[ ٣٠٤ ]
وما يأتي الناس من خير أو شر، أفيأتونه طواعية واختيارا، أم هو بعض سليقتهم، فلا سلطان لاختيارهم عليه؟!!
لقد رأى محمد ﷺ بثاقب فكره أن عناصر الكون خاضعة لقوة مجهولة هي أقوى من أن تقهر، وأسمى من أن تعرف، وأعلى من أن تتصور، واحدة هي بالضرورة لا تتعدد، عالمية، شاملة.. لأن الوجود كله واحد.
إن عناصر الكون تشغل فكره، وديمومتها المستمرة تدفعه إلى النظر والتدبير فيسائل نفسه، ويعاود النظر، هنا تارة، وهناك تارة أخرى.
ها هي الشمس، ترسل أول أشعتها على الحصى المنثور هنا وهناك، فتصيره جواهر تتلألأ، وأضواء تبرق، وجمالا ينساب بين الكائنات، فينشغل بها!!
ثم ها هي الشمس في كبد السماء، جبارة طاغية، ترسل بأثواب الضوء البراقة لتنشرها على الأرض في حسن وشمول، فيأخذه بهاؤها!!
وها هي ذي الأرض هامدة ساكنة، مستسلمة، كجثة لا حياة فيها.. ثم ماذا؟!..
وها هي أمواج الذهب ترسلها الشمس على الكون عند غروبها، في سخاء وهدوء، وتنسحب كأنها تريد أن توحي إليه بالأسف لمغيبها بلا استئذان.. وتنتهي!!
ثم ها هو ذا طوق القمر الباهر، يشبه طوق الحمامة، تنسجم فيه ألوان الطيف السبعة، ويتألق في وسطه القمر الذي يزهو بما يصدر عنه من شرر، يتحول إلى الآلاف المؤلفة من النجوم والكواكب، ليخلف القمر حتى الصباح!!
وها هي تلك الأعمدة المختالة تتلهى بها الرمال، عند هدوء الجو، بإقامتها ثابتة تحت القبة الزرقاء، حتى إذا ما ثارت الأعاصير، وبعثت بالأتربة من بطون الوديان قاذفة بها في هجوم عنيف، على الغيوم السوداء المفعمة بالبرق، هكذا بعد الهدوء!!
[ ٣٠٥ ]
وها هي ذي قوافل الغيم، تشبه الخراف البيض، تطاردها الرياح حتى تبعدها عن قمم الجبال، فتضطر إلى الهجرة قبل أن تسيل عبراتها على مسقط رأسها، بلا خيار، ولا قصد، ولا معرفة!!..
وها هي تلك العواصف الممطرة تنفجر شآبيبها الهطالة، فتصب على الجبال العريانة أنهارا من المياه، عنيفة جارفة، لها دوي، ولها زئير.
أمام هذه العناصر الكونية الهائلة، العاتية، التي لم تجرؤ قط، رغم جبروتها على عدم الخضوع، ولو شروى نقير، للقوانين التي تسيرها والتي فرضتها عليها القوة السامية العليا.. إن كل عنصر في فلكه يسبح، وكل عنصر لا يملك إلا الاستسلام والخضوع.. وهكذا رأى الكون في جملته قويا شديدا، وفي نفس الوقت وجده خاشعا ذليلا.
لشد ما بدا لمحمد من ضعف الإنسانية وهوانها!!..
ولكم بدا له غرورة العقل وضلاله!!..
ولكم رأى خداع الحس بالمحسوس، وخيبة الاستدلال بالماديات!!..
أجل، وكم من سخرية في أن تثق الإنسانية بالمحسوسات، مع أنها ترى السراب صورة براقة من موجات الأثير الفائر ليشهدها بذلك على غرورها المطلق!
في مثل هذه الأمور النفسية وغيرها كان محمد ﷺ يفكر أثناء انقطاعه وتعبده بغار حراء؛ إذ ليس أمامه إلا هذا التدبير.
وكان يتمنى رؤية الحق فيها، وفي الحياة جميعا، وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده، ويشغله لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها، فإذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة، وبه من أثر التفكير ما يجعلها تسائله، تريد أن تطمئن إلى أنه بخير وعافية.
ولكن..
بأي نسك كان محمد يتعبد أثناء تحنثه ذاك؟ وعلى أن شرع بذاته كان يعمل؟
[ ٣٠٦ ]
هذا أمر اختلف العلماء فيه، وقد روى ابن كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبد عليه.
فقيل: كان ﷺ يتعبد بشرع نوح ﵇.
وقيل: كان يتعبد بشرع إبراهيم ﵇.
وقيل: كان يتعبد بشرع موسى ﵇.
وقيل: كان يتعبد بشرع عيسى ﵇.
وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به.
ولعل هذا القول الأخير أقوم من غيره، فهو الذي يتفق وما شغف محمد به من التأمل، ومن التفكير، وما عرف عن غياب الشرائع يومذاك، حتى أن كثيرا من الحنفاء لم يصلوا إلى شيء رغم ما بذلوا من جهد للوصول إلى دين حقيقي.
واستمر محمد على عادته تلك في حب الخلاء، والانقطاع له، ومداومة البحث عن الحقيقة؛ حتى هداه الله إليه بنزول الوحي، وبدء الرسالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ١.
يذهب المفسرون في بيان المعنى المراد من الضلال إلى معانٍ كثيرة:
- فهو بمعنى: الغفلة عما يراد بك من أمر النبوة.
- وبمعنى: عدم معرفة دين وشرع ما، فهداك الله للإسلام وشريعته.
- وبمعنى: في وسط ضلال قومك وكفرهم فهداهم الله بك.
- وبمعنى: الحيرة فيما ترى، فعرفك بالصواب والحق٢.
وهذه المعاني تلتقي في معنى عام واحد، وهو أن الرسول ﷺ كان يبحث عن طريق الحق والهدى، وسط قومه الغافلين، ولم يكن يتصور أن النبوة ستأتيه،
_________________
(١) ١ سورة الضحى آية ٧. ٢ انظر: تفسير القرطبي ج٢٠ ص٩٦، ٩٧.
[ ٣٠٧ ]
وكثيرا ما أضنته الحيرة والقلق حتى جاءه جبريل ﵇ فأرشده إلى صراط الله المستقيم.
والمعاني تدور مع أحوال محمد ﷺ قبل المبعث، ومع بحثه الدءوب عن الحقيقة التي هداه الله إليها، وعرفه بها، فكانت الرسالة والبعثة.
[ ٣٠٨ ]