مع بلوغ محمد ﷺ سن الأربعين١ تكاملت شخصيته في كافة جوانبها البشرية، فوصل إلى التمام في: صورته وخُلُقه وعقله وروحه، وذلك بفضل الله وعنايته.
إن النبوة تكليف إلهي، يصنع الله لها رجالا من خَلْقه، على نحو يريده ﷾، ويوحي إليهم، وبذلك توجد النبوة في النبي، وتتلاقى الرسالة والرسول في انسجام وتناغم وتوازن.
إن النبي صناعة إلهية، يقول الله عن موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٢، ويقول سبحانه على لسان عيسى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ٣، وهكذا الأنبياء جميعا في تكوينهم وتنشئتهم وحياتهم؛ حيث نلقاهم جميعا محاطين بالرعاية والعناية، تحفهم خوارق العادات التي تمثل جزءا من حياتهم ونشاطهم قبل النبوة.
ويخطئ بعض الناس حيث يقفون أمام الإرهاصات والمبشرات موقف الإنكار والدهشة؛ لأنها خوارق للعادة جرت قبل البعثة، ويسلمون بخوارق العادات بعد النبوة؛ لأنها معجزة تصدق الرسول في نبوته.
وبعض آخر من الناس ينكر هذه المبشرات لخروجها عن مألوف عقولهم، ومعارضتها لتصوراتهم للكون والحياة.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ج١٥ ص٩٩. ٢ سورة طه آية ٤١. ٣ سورة مريم آية ٣٠.
[ ٢٨١ ]
والواجب أن يدرك الجميع أن خوارق العادات تحيط بالرسول قبل بعثته، بل وقبل مولده، كما تكون معه بعد مبعثه؛ لأنها جميعا من الله، ولكل منها وظيفته ودوره.
والخارق للعادة مطلقا لا دخل للعقل فيه، فما بال فريق من الناس يؤمن بالبعض، ويكفر بالبعض الآخر.
إن العقل عاجز لا يمكنه تغيير مسار الأمور العادية القدرية؛ كحركة الأفلاك، وتكوين الجنين وغيرها، والعقل حين يعجز عليه أن يسلم بما يرى.. هذا في الأمور العادية..
وواجب أن يكون التسليم في كل قدر الله وبخاصة ما جاء خارقا للعادة مطلقا.
لقد أحاطت عناية الله محمدا ﷺ من كافة النواحي، من ناحية نسبه، وحمل أمه به، وإرضاعه، ونشاطه، ورحلاته، وقد سبق ذكر صور لهذه العناية التي أثمرت شخصية متكاملة في واحد من الناس يريد الله له أن يكون رسولا نبيا.
وقد تجلى هذا الكمال البشري في شخصية محمد ﷺ قبل مبعثه في الجوانب التالية:
١- سمو السلوك:
عاش محمد ﷺ حياته كلها في أعمال فاضلة، وسلوك سليم، ولم يُؤْثَرْ عنه ريبة قط، بل كان في كل حالاته وأحواله رجلا فاضلا وممتازا، حتى عرف في مكة بحسن العمل وسمو السلوك.
ومع خروج النبي ﷺ إلى مجتمع مكة، واختلاطه بشبابها، وتعامله مع رجالها، كانت عناية الله معه، فصار رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحبهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأكثرهم أمانة،
[ ٢٨٢ ]
وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، ما رُئي ملاحيا، ولا مماريا أحدا، حتى عرفه قومه بالأمين الصادق؛ لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.
صرف الله عنه كل ما يسيء ويشين، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهيمون به من الغناء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة، ونحن في رعاية غنم أهلنا: هيا بنا نسمر كما يسمر الشباب، وقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان.
فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفا، وغرابيل، ومزامير.
قلت: ما هذا؟
قيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله علي أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس.
فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟
فقلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت.
ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس.
فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟
فقلت: لا شيء، ثم أخبرته بالذي رأيت.
فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" ١.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن كثير ج١ ص٢٥١.
[ ٢٨٣ ]
وعن أم أيمن ﵂ قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش يوما في السنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك معه، فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه وقلن: يا محمد، ما تريد أن تحضر لقومك عيدا، ولا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب ما شاء الله، ثم رجع مرعوبا فزعا.
فقالت عماته: ما دهاك؟
قال: "إني أخشى أن يكون بي لمم".
فقلن: ما كان الله يبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟
قال: "إني كلما دعوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه".
قالت: فما عاد إلى عيد لهم١.
وعن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: هل عبدت وثنا قط؟
قال: "لا".
قالوا: فهل شربت خمرا قط؟
قال: "لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان" ٢.
يقول ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺفيما ذكر لي- يحدث عما كان يحفظه الله به في صغره، وأمر جاهليته، أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره
_________________
(١) ١ الخصائص الكبرى ج١ ص٢٢١. ٢ دلائل النبوة لأبي نعيم ص١٤٦.
[ ٢٨٤ ]
فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر؛ إذ لكمني لاكم لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك.
فأخذته وشددته عليَّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليَّ من بين أصحابي".
يقول السهيلي: ورد مثل هذا الحديث الصحيح في بنيان الكعبة، وفيه أن رسول الله ﷺ كان ينقل الحجارة مع قومه، وكانوا يحملون أزرهم على عواتقهم لتقيهم قسوة الحجارة، وكان رسول الله ﷺ يحملها على عاتقه، وإزاره مشدود عليه، فقال له العباس ﵁: يابن أخي، لو جعلت إزارك على عاتقك، ففعل فسقط مغشيا عليه، ثم قال: "إزاري، إزاري"، فشد عليه إزاره، وقام يحمل الحجارة١.
ولا مانع من تكرار هذا التوجيه القدري ليبقى محمد ﷺ في طهارته وسموه.
يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ كان يتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام لما عرف عنه من العقل والحكمة؛ ولذلك لما بعث ناداهم، وسألهم عن خُلُقه وصدقه، فأقروا له بما عملوا منه.
يروي البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢، خرج رسول الله ﷺ حتى صَعِدَ الصفا فهتف: "يا صباحاه".
فقالوا: مَن هذا؟ فاجتمعوا إليه.
فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ ".
قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا قط.
قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
قال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟! ٣.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٨٣. ٢ سورة الشعراء آية ٢١٤. ٣ صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب التفسير - باب تبت يدا ج٨ ص١٣٧.
[ ٢٨٥ ]
ولقد اشتهر رسول الله ﷺ قبل مبعثه بالأخلاق الكريمة، تمتع بالصفات الفاضلة، وجاء قول الله تعالى في وصف خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١، لتصف أخلاقه بالعظمة التي اتصف بها بصورة شاملة قبل المبعث، حتى سماه قومه بالأمين، ووصفته السيدة خديجة بما كان فيه يوم أن جاءها مرتعشا خائفا، قالت له: والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق٢.
وصدقت السيدة خديجة ﵂ في شهادتها، ونطقت بالحق، وكانت تعبيرا ناطقا عن المستقبل؛ إذ أكرم الله محمدا ﷺ، واختاره رسولا للعالم كله.
٢- جمال الخِلْقَة:
أضفى الله تعالى بفضله وكرمه على رسوله محمد ﷺ الحسن والجمال، الذي تميز به قبل النبوة.. وحين نورد شيئا من جمال خلقته ﷺ، فليس أمامنا إلا مصادر السيرة والحديث ننقل عنها.
يروي البخاري بسنده عن أبي هريرة أنه قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس وجها، حتى قال أنس ﵁: لم أرَ بعده ولا قبله مثله"٣.
ولما سئل البراء ﵁: أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر، وكان مستديرا. وورد أنه كان ﷺ مليح الوجه٤.
وكان عظيم الفم، طويل شق العين٥.
_________________
(١) ١ سورة القلم آية ٤. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب. ٣ البخاري ٧/ ٥٨ - كتاب اللباس - باب الجعد، ومسلم ٤/ ٨١٩ - كتاب الفضائل - باب في صفة النبي ﷺ وأنه كان أحسن الناس وجها. ٤ صحيح البخاري - كتاب الفضائل - باب كان النبي ﷺ أبيض مليح الوجه ج٦ ص٢٨. ٥ صحيح البخاري - كتاب الفضائل - باب صفة فم النبي ﷺ وعينيه وعقبيه ج٦ ص٢٨.
[ ٢٨٦ ]
أما شعره فليس بالجعد القطط، ولا بالسَّبِط، بل كان رَجلا١.
كان له جمة عظيمة تصل إلى شحمة أذنيه، وأحيانا تضرب منكبيه، وأحيانا ثالثة تكون بين أذنيه وعاتقه، كما كان ﷺ كثير شعر اللحية٢.
وإذا كان البياض في شعره قد شمل العنفقة والصدغين، وفي الرأس نبذ، فلم يكن ذلك البياض كله يبلغ عشرين شعرة٣.
أما الحمرة في بعض شعره، فكانت من آثار الطيب٤.
وكان أبيض اللون، ولكنه لم يكن بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، وإنما كان أزهر اللون٥.
ولم يكن ﷺ بالطويل البائن، ولا بالقصير، بل كان مربوعا، وكان مقصدا٦.
وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين، وكان ضخم اليدين والقدمين، وبسط الكفين، وكان لين الكف، حتى قال أنس: ما مسست خزة ولا حريرة ألين
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج٩ ص١٩١، ومسلم ج١٥ ص٩٢ - كتاب الفضائل - باب في صفة النبي ﷺ ومبعثه وسنه، ومعنى "رجل" أي: لم يكن شديد الجعودة، ولا البسوطة، بل بينهما "النهاية ج٢ ص٢٠٣". ٢ صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج٩ ص١٩١ رواية البراء، وابن عمر، وأنس ﵃، وصحيح مسلم ج١٥ ص٩٢ - كتاب الفضائل. ٣ صحيح مسلم ج١٥ ص٩٥، ٩٦ - باب شيبة ﷺ، صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب صفة النبي ﷺ ج٦ ص٢٦، ط. الأوقاف، العنفقة: هي ما تحت الشفة السفلى. ٤ صحيح البخاري ج٦ ص٢٧، ط. الأوقاف. ٥ صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج٩ ص١٩٠. ٦ المرجع السابق ص١٩٠، ١٩١، قال في النهاية: كان أبيض مقصدا، هو الذي ليس بطويل، ولا قصير، ولا جسيم، كأنه خَلْقَه نُحِيَ به القصد من الأمور، والمعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط "النهاية في غريب الحديث والأثر ج٤ ص٦٧".
[ ٢٨٧ ]
من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم١، وكان منهوس العقبين٢.
يروي الترمذي بسنده عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا، عن حلية رسول الله ﷺ فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخما٣، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب٤، عظيم الهامة٥، رجل الشعر٦، إذا انفرقت عقيقته فرقها وإلا فلا٧، يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره٨، أزهر اللون٩، وساع الجبين١٠، أزج الحواجب١١، سوابغ في غير قرن١٢، بينهما عرق يدره الغضب١٣، أقنى العرنين١٤، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم١٥.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج٩ ص١٩٢. ٢ مسلم ج٤ ص١٨٢٠، وقد فسر أحد رواة الحديث "منهوس العقبين" فقال: قليل لحم العقب. ٣ أي: عظيما في نفسه، معظما في الصدور والعيون عند كل من رآه ﷺ. ٤ الربعة والمربوع: هو الوسط، بين القصير والطويل على حد سواء، والمشذب: هو الطويل البائن الطول، والمراد: أنه ﷺ أطول من المربوع عن إمعان النظر، وأما في بادئ النظر يرى ربعة. ٥ الهامة: بتخفيف الميم هي الرأس، وعظم الرأس المتناسب مع الجسم دليل قوة العقل والمدارك. ٦ أي: في شعره ﷺ شيء من الجعودة. ٧ المراد بالعقيقة هنا: شعر الرأس، والمعنى: أن شعر رأسه الشريف ﷺ إن قبل أن يفرق بسهولة فرقه، أي: جعل شعره نصفا عن اليمين، ونصفا عن اليسار، وإلا بأن لم ينفرق فلا، أي: فلا يفرق شعره بل يتركه على حاله. ٨ أي: إذا جعل شعره وافرا وأعفاه من الفرق ﷺ. ٩ أي: هو ﷺ أبيض اللون بياضا نيرا مشربا بحمرة. ١٠ أي: واضح الجبين وممتده طولا وعرضا، وهو معنى رواية: صلت الجبين، وعظيم الجبهة. ١١ الزجج: تقوس في الحاجب مع طول طرفه، ويلزم من ذلك دقة الحاجبين وسبوغهما. ١٢ القرن -بالتحريك- هو اقتران الحاجبين، والتقاء أطرافهما، وهو من البلج، والمعنى: أن حاجبيه ﷺ لم يتصلا ببعضهما، فهو أبلج، وأما ما ورد في حديث أم معبد: "كان أزج أقرن" فالمراد كان كذلك فيما يبدو للناظر من بعيد ومن غير تأمل، وأما القريب المتأمل، فيرى أنه ﷺ أبلج في الواقع. ١٣ أي: بين حاجبيه ﷺ عرق إذا غضب تحرك وظهر جليا. ١٤ قال العلامة المناوي في شرح الشمائل: أقنى: من القنا، وهو ارتفاع أعلى الأنف واحدداب الوسط. ١٥ أي: للعرنين -وهو ما صلب من عظم الأنف- نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم: من الشمم، وهو ارتفاع قصبة الأنف، مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة.
[ ٢٨٨ ]
كث اللحية١، سهل الخدين٢، ضليع الفم٣، مفلج الأسنان٤، دقيق المسربة٥، كأن عنقة جيد دمية في صفاء الفضة٦، معتدل الخلق٧، بادن، متماسك٨، سواء البطن والصدر٩، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس١٠.
أنور المتجرد١١، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط١٢، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك١٣، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر١٤ طويل الزندين، رحب الراحة١٥، شئن الكفين والقدمين١٦، سائل الأطراف، أو قال: شائل الأطراف١٧.
_________________
(١) ١ أي: عظيم اللحية ﷺ. ٢ أي: غير مرتفع الخدين، وهو أكمل وأجمل. ٣ أي: عظيم الفم، وليس بضيق الفم، فإن سعة الفم تعطي فصاحة في الكلام، وبيانا لمخارج الألفاظ، ولا شك أن جميع ذلك على تناسب كامل بين أعضاء جسمه الشريف كلها ﷺ. ٤ يعني: أن أسنانه الشريفة ﷺ منتظمة ومنفرجة، وليست متراصة ومتضايقة فوق بعضها. ٥ المسربة: هي الشعر بين الصدر والسرة، والمعنى: أن تلك المسربة دقيقة. ٦ الجيد: هو العنق، والمراد: كأن عنقه ﷺ في استوائه واعتداله وحسن هيئته وجماله، كأنه عنق صورة، ولكن من حيث اللون هو في صفاء الفضة وبياضها البهيج اللامع. ٧ يعني: أن جميع أعضاء جسمه الشريفة ﷺ خلقها الله تعالى كاملة متناسقة مع بعضها غير متنافرة. ٨ والمعنى: أنه ﷺ ممتلئ الجسم، ليس بالنحيل ولا بالهزيل، وأن أعضاءه الشريفة متماسكة بقواها، وليست متراخية. ٩ والمعنى: أنه بطنه وصدره الشريفين مستويان، لا ينتأ أحدهما عن الآخر. ١٠ الكراديس: جمع كردوس، وهو رأس العظام ومجمعها، كالركبة والمنكب ونحوهما، والمعنى: أنه ﷺ كان عظيم رءوس العظام ومجامعها وقويها، ويدل ذلك على كمال قواه ﷺ. ١١ يعني: أنه ﷺ أنور العضو لا متجرد عن الثوب وشديد بياضه. ١٢ اللبة: هي البقرة فوق الصدر، والسرة ما بقي بعد القطع، وأما الذي يقطع عند الولادة فهو السر. ١٣ أي: خالي الثديين والبطن من الشعر. ١٤ أي: كثير شعر هذه المواضع الثلاثة. ١٥ أي: واسع الكف. ١٦ أي: ضخم الكفين والقدمين، كما جاء في رواية، والمعنى: أنه ﷺ ممتلئ الكفين والقدمين، وليس بالضعيف النحيل. ١٧ الشك من الراوي، والمعنى: أنه ﷺ كان مرتفع الأطراف بلا احدداب ولا انقباض.
[ ٢٨٩ ]
خمصان الأخمصين١، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء٢، إذ زال قلعا٣.
يخطو تكفيا٤، ويمشي هونا٥، ذريع المشية٦، إذا مشى كأنما ينحط من صبب٧، وإذا التفت التفت جميعا٨.
خافض الطرف٩، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء١٠، جل نظره الملاحظة١١.
يسوق أصحابه١٢، ويبدر من لقي بالسلام١٣.
_________________
(١) ١ تثنية أخمص، وأخمص القدم هو الموضع الذي لا يمس الأرض عند وطئها من وسط القدم، ومعنى خمصان الأخمصين: أنه ﷺ شديد تجافي الأخمصين عن الأرض، لكن على وجه لا يخرجه عن حد الاعتدال والجمال. ٢ أي: أملس القدمين ومستويهما بلا تكسر؛ ولذلك ينبو عنهما الماء: أي يتباعد عنهما الماء، يعني: أنه ﷺ إذا صب عليهما الماء مر سريعا؛ لأنهما مستويتان. ٣ يعني: أنه ﷺ إذا مشى رفع رجليه بقوة، كأنه يقلع شيئا، ولا يجرهما على الأرض، لا يمشي مشية المختال الذي يقارب خطاه تبخترا. ٤ يمشي مائلا إلى سنن المشي، وهو ما بين يديه. ٥ الهون: الرفق واللين، والمعنى: أنه ﷺ كان يمشي يرفع رجليه عن الأرض بقوة، كما دل عليه قول ابن أبي هالة: إذا زال زال قلعا، وإذا وضعهما على الأرض وضعهما برفق وتؤدة، وهذا معنى: يمشي هونا، فهو يشير إلى كيفية وضع رجليه على الأرض، وأنه ﷺ يمشي بسكينة ووقار، وحلم وأناة، دون أن يضرب برجله الأرض، أو أن يخفق بنعله، وقد أثنى الله تعالى على الذين يمشون هذه المشية، ويسلكون هذه الخطة، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ . ٦ أي: واسع الخطوة خلقة بلا تكلف. ٧ أي: كأنما ينزل في موضع منحدر. ٨ أي: لا يسارق النظر، ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة، كما يفعل ذلك الطائش الخفيف. ٩ المراد بالطرف هنا: العين، والمعنى: أنه ﷺ إذا لم ينظر إلى شيء يخفض بصره، وهذا شأن المتأمل المفكر. ١٠ والمعنى: أن نظره ﷺ إلى الأرض حال السكوت وعدم التحدث أطول من نظره إلى السماء، وأما في حال التحدث فإنه يكثر النظر إلى السماء، وكما ورد في سنن أبي داود أنه ﷺ كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء. ١١ قال العلامة المناوي في شرحه: والمراد أن أكثر نظره ﷺ في غير أوان الخطاب الملاحظة، والملاحظة: هي النظر بلحاظ العين، وهو شق العين مما يلي الصدغ، وأما الذي يلي الأنف فالموق والماق. ١٢ والمعنى: أنه ﷺ يقدم أصحابه بين يديه ويمشي خلفهم ليرعاهم ويختبر حالهم، ويعين ضعفاءهم، وليترك ظهره للملائكة خلفه، كما روى الدارمي بإسناد صحيح أنه ﷺ قال: "خلو ظهري للملائكة"، وأحرج الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: كان أصحاب النبي ﷺ يمشون أمامه ويدعون ظهره للملائكة كذا في جمع الوسائل. قال الإمام النووي: وإنما تقدمهم -أي تقدم أصحابه في قصة جابر يوم الخندق- لأنه ﷺ دعاهم إليه، فجاءوا تبعا له، كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم. ١٣ وفي رواية: ويبدأ، والمعنى: أنه ﷺ يبادره ويسبق من لقيه من أمته بتسليم التحية.
[ ٢٩٠ ]
٣- عظمة الْخُلُق:
كما اتصف ﷺ بجمال الخِلْقَة اتصف بعظمة الخُلُق، يصفه أنس بن مالك ﵁ فيقول: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي: أفٍّ قط!! ولا: لِمَ صنعت كذا؟ ولا: ألا صنعت كذا١.
وهذه الخدمة والملازمة من أنس للنبي ﷺ لم تكن في الحضر وحده، أو في السفر وحده، وإنما كانت -كما يقول أنس- في الحضر والسفر٢.
ولم يكن هذا الخلق الحسن قصرا على خدمه، وإنما كان هذا ديدنه مع كل من كان يأتي إليه، ويتعامل معه، فكان مثالا للصبر والحلم والرفق وتعليم الجاهل، وهذه نماذج منها:
عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء!! ٣
وجاء أعرابي، ورسول الله ﷺ وأصحابه في المسجد، فقام يبول في المسجد، فزجره الصحابة "مه مه" فنهاهم عن ذلك، وقال: "لا تزرموه، دعوه" فتركوه حتى بال.
ثم دعا النبي ﷺ، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القرآن"، ثم دعا بدلو من ماء فشنه عليه٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن الخلق والسخاء ج١٥ ص٦٩. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن خلقه ﷺ ج١٥ ص٧٠. ٣ صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ج٥ ص٢٣٤. ٤ صحيح مسلم - كتاب الطهارة - باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد ج٣ ص١٩٠، ومه: اسم فعل بمعنى انته، لا تزرموه: أي لا تقطعوه، وشنه: أي صبه.
[ ٢٩١ ]
وجاء في إحدى روايات البخاري في آخرها: "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ١.
وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ، فخرجت من طريق حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك.
فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك؟
قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله٢.
وهذا الصبر والرفق يزينه التواضع في خلقه، والمزاح -أحيانا- مع أصحابه، فالأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ، فتنطلق به حيث شاءت٣، والقاصد إليه في بيته لا يجد على بابه بوابين٤.
أما مزاحه ﷺ، فكان تسرية لأصحابه عند همومهم أحيانا، ومداعبة لأطفالهم أحيانا أخرى، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة في هذا المزاح، ونذكر -كمثال على ذلك- موقفه مع علي ﵁ حينما غاضب زوجته فاطمة ﵂، فخرج علي ﵁ فاضطجع إلى جدار المسجد، فتبعه النبي ﷺ، فإذا هو مضطجع، وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره، ويقول: "اجلس يا أبا تراب" ٥.
ويقول أنس ﵁: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ صغير
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الوضوء - باب صب الماء على البول في المسجد ج١ ص١٦٤. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن خلقه ﷺ ج١٥ ص٧٠، ٧١. ٣ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب الكبر ج٩ ص٢٤٣. ٤ صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب. ٥ البخاري - كتاب الأدب - باب التكني بأبي تراب، وإن كانت له كنية أخرى ج١٠ ص٣٨.
[ ٢٩٢ ]
لي إذا رآه: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟! "١.
وإلى جانب صفاته في الرفق والتواضع والمزاح، فهو موصوف بالشجاعة في السلم والحرب، وشجاعته ﷺ في الحرب معروفة، أما في السلم فنذكر منها قصة الفزع الذي أصاب أهل المدينة ذات ليلة، فخرجوا نحو الصوت فإذا رسول الله ﷺ قد سبقهم إليه، وتلقاهم راجعا، وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يهدئ ثائرتهم ويقول: "لم تراعوا، لم تراعوا، ما رأينا من شيء" ٢.
وكان من خلقه ﷺ حسن التعامل، وحسن القضاء، فقد استقرض من رجل سنا من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: "أعطوه"، فطلبوا سنه، فلم يجدوا له إلا سنا فوقها، فقال: "أعطوه"، حتى قال الرجل: أوفيتني أوفى الله بك، ثم قال ﷺ: "إن خياركم أحسنكم قضاء" ٣.
وفي رواية: إن ذلك لرجل أغلظ للنبي ﷺ القول، فهَمَّ به أصحابه فقال لهم: "إن لصحاب الحق مقالا"، ثم قال لهم: "اشتروا له سنا، فأعطوه إياه"، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا هو خير من سنه، قال: "اشتروه وأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء" ٤.
ومن صفاته: الجود والكرم، فهو أجود الناس٥، وما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال لا٦؛ ولهذا غضب الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك الرجل الذي طلب من النبي ﷺ أن يكسوه البردة التي أهدتها إليه امرأة
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب الانبساط إلى الناس - وباب الكنية للصبي، وقبل أن يولد للرجل ج١٠ ص٩، والنغير: تصغير نغر، وهو طائر صغير كالعصفور. ٢ صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق ج٥ ص٩٩. ٣ صحيح البخاري - كتاب الوكالة - باب وكالة الشاهد والغائب جائزة ج٤ ص١٤٠. ٤ صحيح البخاري - كتاب الاستقراض - باب لصاحب الحق مقال ج٤ ص٢٠٠. ٥ صحيح البخاري - كتاب الوحي - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ج١ ص١١. ٦ صحيح البخاري ج٤ ص٢٩.
[ ٢٩٣ ]
وكانت قد نسجتها بيدها، وكان ﷺ محتاجا إليها، ومع ذلك طواها وأرسل بها إليه، فقال له الصحابة: ما أحسنت، سألتها إياه، وقد علمت أنه لا يرد سائلا١.
وهذا الجود والكرم منه ﷺ كان سببا في دخول أقوام في دين الله، ومن ذلك قصته مع الرجل الذي جاءه يسأله، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر٢.
ولهذا قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها!! ٣
بل لقد كان هذا الجود منه ﷺ مثار عجب، وسبب مودة، حتى لأعدائه، يقول صفوان بن أمية بعد أن أعطاه النبي ﷺ مائة من النعم، ثم مائة من غنائم حنين: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني، حتى إنه لأحب الناس إليَّ!! ٤
ولفرط جوده ﷺ ومعرفة الناس به علقت الأعراب -منصرفة من حنين- يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف وقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا" ٥.
وقال عمر ﵁: قسم رسول الله ﷺ قسما، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، فلست بباخل" ٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ذكر النساء ج٤ ص٢٩. ٢ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب في سخائه ﷺ ج١٥ ص٧٢. ٣ صحيح مسلم - كتاب الفضائل ج١٥ ص٧٢. ٤ صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب سخائه ﷺ ج١٥ ص٧٣. ٥ صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ما كان يعطي المؤلفة ج٥ ص٢٣٤. ٦ صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة ج٧ ص١٤٦.
[ ٢٩٤ ]
ولم يقتصر ذلك الجود على المؤلفة قلوبهم، ومن يطمع في إسلامهم، بل شمل جوده وكرمه صحابته المؤمنين، فعبد الله بن عمر ﵄ كان مع النبي ﷺ في سفر، وكان على بكر صعب لأبيه "عمر"، كان هذا البكر يغلب عبد الله، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: "بعنيه"، فقال: هو لك يا رسول الله "أي هبة"، قال رسول الله ﷺ: "بعنيه"، فباعه من رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: "هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به ما شئت"!! ١.
وجابر بن عبد الله ﵁ يكون مع النبي ﷺ في غزاة ومعه جمل ثقال قد أعيا به، وخلفه في أخريات القوم، حتى زجره النبي ﷺ، فأسرع به، فطلب منه بيعه عليه فقال: هو لك يا رسول الله، قال: "بعنيه" فاشتراه منه، وقال: "لك ظهره إلى المدينة"، فلما قدم المدينة أوصى بلالا أن يقضيه، ويزيد له عن ثمنه، ثم رد عليه جمله والثمن!! ٢.
وفوق ما تقدم من كريم خلقه ﷺ، فلم يكن بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح٣.
ولم يكن ﷺ سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا٤، وهو القائل لعائشة ﵂: "يا عائشة، متى عهدتيني فحاشا؟! " ٥.
وهو الموصوف بالتوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيها النبي إنا إرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ج٤ ص٤١، ٤٢. ٢ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب شراء الدواب والحمير ج٤ ص٣٢، ٣٣. ٣ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب كراهة السخب في السوق ج٤ ص٤٦. ٤ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا ج٩ ص٢٢٨. ٥ صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب لم يكن فاحشا ج٩ ص٢٢٨.
[ ٢٩٥ ]
ليس بفظ ولا غليظ "١.
وكان الصدق في الحديث خلقا من أخلاقه ﷺ، عرفه بذلك العدو والصديق، فأمية بن خلف حينما قال له سعد بن معاذ: سمعت محمدا يزعم أنه قاتلك.
قال: إياي؟
قال: نعم.
قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث.
وكذا زوجة أمية لما أعلمها بالخبر قالت: فوالله ما يكذب محمد!! ٢.
وأبو سفيان لما سأله هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه قائلا: لا، وعندها رد هرقل، لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله٣.
ومشركو قريش كانوا يعرفون هذا الخلق للنبي ﷺ، فحينما صَعِدَ الصفا، واجتمع إليه الملأ من بطون قريش قال لهم: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقا٤. وفي رواية: قالوا: ما جربنا عليك كذبا٥.
ولم يكن من خلقه ﷺ الغدر والخيانة، بل كان من خلقه الأمانة والوفاء بالعهد، وهذه أيضا اعترف بها أبو سفيان للنبي ﷺ أمام هرقل٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب السخب في السوق ج٤ ص٤٦. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام ج٦ ص٦٦. ٣ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص١١. ٤ صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ج٧ ص٣٦٠. ٥ صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب تبت يدا ج٨ ص٩٣. ٦ صحيح البخاري - باب بدء الوحي ج١ ص١١.
[ ٢٩٦ ]
والتزام النبي ﷺ بهذا الخلق جعله يرد أبا بصير وأبا جندل عام الحديبية -مع كرهه والمسلمين لذلك- لأنه عاهد قريشا على رد مَن يأتي إليه منهم١.
٤- حلاوة المنطق:
تميز ﷺ بحسن اللفظ، وجمال المنطق، وحلاوة الحديث، يقول أبو هالة: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان٢، دائم الفكر، ليست له راحة٣، طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة٤، يفتتح الكلام ويختتمه باسم الله تعالى٥، ويتكلم بجوامع الكلم٦، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير٧، ليس بالجافي ولا المهين٨، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا، غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه٩، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعدي الحق١٠ لم يقم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب الصلح - باب الصلح مع المشركين ج٤ ص٤٠١. ٢ لم يكن حزنه ﷺ من أجل أمور الدنيا، وإنما كانت تتوارد الأحزان لأسباب متعددة، ترجع إلى دين الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى؛ ولذا كانت الآيات تنزل في تسليته ﷺ وتخفيف شدة الأسى عنه. ٣ والمعنى: أنه ﷺ كان دائم التفكر في أمور الأمة ولا يصلح شئونهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، ومن ثَمَّ ليست له راحة. ٤ يعني: أنه ﷺ كان طويل الصمت، لا يتكلم إلا في حاجة دينية أو دنيوية، فيتحرز عن الكلام الذي لا فائدة منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ . ٥ والمعنى: أن كلامه ﷺ كان محفوا بذكر الله تعالى بدءا وانتهاء. ٦ أي: بكلمات قليلة الحروف، جامعة لمعانٍ كثيرة. ٧ يعني: أن كلامه ﷺ فاصل بين الحق والباطل، ومفصل لا يتداخل في بعضه، بحيث يتلقاه السامع بوضوح دون التباس، لا يكثر فيمل، ولا يقصر فيخل. ٨ أي: ليس هو ﷺ بالجافي الغليظ الطبع، السيئ الخلق، ولا بالمهين لخلق الله تعالى، ولا بالمهين: أي المبتذل الذليل، بل هو الفخم، المفخم، الموقر، المعظم ﷺ. ٩ فهو ﷺ يعظم نعم الله تعالى الكبيرة والصغيرة، الظاهرة والباطنة، ولا يذم منها شيئا، كما وأنه ﷺ لا يذم ذواقا -أي مذوقا- من المأكولات أو المشروبات التي أباحها الله تعالى؛ لأن في الذم كفران النعمة، وهو شأن المترفين المتكبرين، كما وأنه ﷺ لا يمدح ذواقا؛ لأن ذلك شأن ذوي الشره والنهمة المذمومة. ١٠ أي: فإذا تعدى أحد الحق وجاوزه إلى الباطل غضب ﷺ غضبا لا يقاومه شيء، ولا يدفع غضبه شيء حتى ينتصر للحق بالحق.
[ ٢٩٧ ]
لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها١، وإذ تحدث اتصل بها وضرب براحته اليمنى بظن إبهامه اليسرى٢.
وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه٣، جل ضحكه التبسم يفتر عن مثل حب الغمام٤.
٥- كمال العقل: لما بلغ النبي ﷺ سن الأربعين تميز بكمال العقل، وحسن تقدير الأمور، واتخاذ القرار السديد، ولعل فيما حباه الله به من عمل وترحال، وأحداث وأحمال، أثرا في تكامل عقله ﷺ.
ومما يدل على هذا الكمال قراره يوم بناء الكعبة؛ إذ حكم بين الذين اختلفوا فيمن يرفع الحجر الأسود ويضعه في موضعه حُكْما أرضاهم جميعا مع بساطته ويسره.
ومع رجاحة عقله ﷺ أنه تمكن من التعامل مع كافة طبقات الناس، وأنواعهم، وأجناسهم، في البيئات المختلفة، فأقروا له جميعا بكمال عقله، وسمو خلقه.
_________________
(١) ١ والمعنى: أنه ﷺ كان إذا أشار إلى شيء: إنسان أو غيره، أشار بكفه كلها، ولا يقتصر على الإشارة ببعض الأصابع؛ لأنه شأن المتكبرين والمحتقرين لغيرهم، وإذا تعجب ﷺ من أمر قلب كفه، كما هو شأن كل متعجب. ٢ يعني: أنه ﷺ إذا تحدث اتصل بحديثه بكفه اليمنى، وذلك لتأكيد الكلام وتقويته في النفوس، وزيادة إيضاحه بإشارات الكف، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى؛ اعتناء بذلك الحديث، ودفعا لما يعرض لنفس السامع مع الفتور أو الغفلة عن الحديث. ٣ أي: إذا غضب من أحد أعرض عنه، فلا يقابله بما يقتضيه الغضب؛ امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ . وأشاح: أي بالغ في الإعراض وعدل عنه بوجهه ﷺ، وإذا فرح ﷺ من شيء غض طرفه، ولا ينظر إليه نظر شره وحرص. ٤ أي: معظم ضحكه ﷺ إنما هو التبسم، ويفتر: أي يضحك ضحكا حسنا كاشفا عن سن مثل حب الغمام في البياض والصفاء، وحب الغمام هو البَرَد -بفتحتين- الذي يشبه اللؤلؤ، فكان ﷺ إذا تبسم بدت أسنانه الشريفة كاللؤلؤ اللامع.
[ ٢٩٨ ]
وكان ﷺ صاحب دين ومبدأ، لم يفعل شيئا نهى الله عنه فيما بعد أبدا، ولم يترك شيئا أمر به.
ولو تأملنا سائر أعماله ﷺ قبل النبوة وبعدها، نرى كل واحدة منها تشهد بكمال العقل، وحسن التقدير.
وباتصاف محمد ﷺ بهذه الصفات التي أكرمه الله بها، صار مؤهلا ليكون رسولا للناس أجمعين..
[ ٢٩٩ ]