سادسا: انتظار رسول الله جديد
كان للنضج الذي ساعد العالم، وكثرة الصراع وتنوعه، وسهولة الاتصال، وتلاقي الأفكار قبيل مجيء الدعوة الإسلامية أن ظهرت موجة من النقد للعقائد يومذاك.
إن النقد على العموم ظاهرة تدل على عدم اكتمال الثقة في العقائد التي يتوجه النقد إليها، ومن هنا صاحب عملية النقد شعور بقرب ظهور نبي من العرب يصلح فساد هذا العالم، ويضع الحقيقة الفاصلة في مسألة العقيدة والسلوك، وكل ما يعتقده الناس في الأصنام، ويطلبونه منها.
وقد وصل هذا الشعور إلى حد الاحتمال المؤكد لدرجة أن اليهود في المدينة "يثرب" كانوا ينتظرون هذا النبي على وجه اليقين، وكثيرا ما ذكروا لجيرانهم من الأوس والخزرج أنهم سيتبعون هذا النبي ﷺ فور ظهوره ليتمكنوا به من سيادة العالم وتملك الناس، وقتل الأوس والخزرج قتل عاد وإرم، والقرآن الكريم يقص ما كان منهم في هذا الشأن بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٨٩.
[ ١٠٣ ]
فهم كانوا يعرفون مبعث النبي ﷺ، ويعلمون أن زمانه قد حان، فعن محمد بن إسحاق عن عاصم بن قتادة عن أشياخه: أن اليهود في المدينة كانت تقول للأوس والخزرج: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم١.
يقول ابن عباس: إن اليهود في المدينة كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه٢.
ورأي اليهود له قيمته عند جيرانهم قبل البعثة؛ لأنه قد اشتهر عنهم معرفتهم ببعض أسرار الوحي وعلاماته، فلقد رووا أن مشركي مكة لما بعث محمد ﷺ فيهم أرسلوا وفدا منهم يسأل اليهود عن رأيهم في هذا الرسول الذي أتاهم ودعاهم بدعوته، وكان الوفد مكونا من النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط٣، ولم تكن هذه المعرفة خاصة بيهود المدينة وحدهم، فلقد انتشر خبرها في أماكن كثيرة، وصلت إلى أقصى الشمال، لدرجة أن سلمان الفارسي حينما أراد أن يترك المجوسية، ويبحث عن الدين الحق، قال له كاهن عمورية: إنه قد أظل زمان نبي، وهو مبعوث بدين إبراهيم -﵇- يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، وبه علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة٤، وليس ذلك بكثير على علماء اليهود والنصارى؛ لأنهم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ٥.
جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية أن صفة محمد ﷺ وجدت في التوراة والإنجيل، ولم تزل صفاته موجودة يعرفها العلماء والأحبار٦ من أهل الكتاب.
_________________
(١) ١ الكشاف ج١ ص٢٩٦. ٢ تفسير ابن كثير ج١ ص٢١٣ هامش فتح البيان. ٣ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٢٠. ٤ نفس المرجع ج١ ص٢٣٧. ٥ سورة الأعراف من آية ١٥٧. ٦ تفسير ابن كثير ج٤ ص٢٤٨ هامش فتح البيان.
[ ١٠٤ ]
وكما وصل خبر ظهور نبي إلى أقصى الشمال وصل كذلك إلى أقصى الجنوب، فلقد روي الأزرقي أنه لما ذهبت القبائل العربية لتهنئة حمير أفضى سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بما علمه من كتبه، من أن نبيا سوف يظهر في العرب يضمن الزعامة لقريش إلى يوم القيامة١.
وهكذا ظهرت ملامح النبوة المحمدية في عقول الناس، وفي كثير من الأماكن، وهذه الملامح في حد ذاتها تمهد للدعوة، وتدعو إلى استماعها بشوق، خاصة وقد وقعت أحداث كثيرة، جعلت الناس يرجون التغيير على يد هذا الرسول المنتظر الذي كاد أن يلمس في طفولته؛ لوضوح صفته في الكتب السابقة، بل إن بحيرى الراهب عرفه وهو صغير، يروي ابن هشام قاصا ما حدث من بحيرى فيذكر أنه أعد طعاما لقافلة قريش، وفيها أبو طالب، ومحمد -وهو صغير- ودعاهم فحضروا جميعا إلا محمدا؛ لصغر سنه، لكن بحيرى أصر على حضوره، فلما حضر أخذ يسأله عن أشياء كثيرة، وأخيرا قال لعمه أبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده٢، ولا غرابة في تحديد بحيرى للنبي ﷺ في طفولته؛ لأنه ممن يعرف صفته الموجودة في التوراة والإنجيل.
إن عديدا من الرهبان في أديرتهم، والقسس في كنائسهم، كانوا يدركون هذه الحقيقة، ويتحدثون بها لمن يمر بهم، وفي مكة نفسها كان كعب بن لؤي بن غالب يذكر بالنبوة ويبشر بها أهل مكة ويقول لهم: "زينوا حرمكم وعظموه فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم"٣.
إن تجمع انتظار رسول الله جديد، مع موجة النقد السائدة ضد العقائد، والمذاهب على يد الحنفاء، وأتباع أريوس "والبوذية"، مع وجود الصراع والتنافس
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص٩٤، ٩٥، ٩٦. ٢ سيرة النبي ج١ ص١٩٤-١٩٦ بتصرف. ٣ بلوغ الأرب ج١ ص٢٧١.
[ ١٠٥ ]
وسرعة الحركة والاتصال، أدى فائدة عظمى للدعوة الإسلامية ساعدت على انتشارها، وما لاحظناه من معارضات للدعوة بعد ظهورها فمنشؤه التعصب، ومحاولة المحافظة على القديم الموروث، وبقايا صراعات قبلية قديمة، كما حدث من الأمويين، فإنهم تأخروا عن الدخول في الإسلام بسبب كون النبي من بني هاشم، لدرجة أن أبا سفيان الأموي حمل المعارضة للنبي في مكة بلا سبب غير التنافس بين الهاشميين والأمويين، وكانت "أم جميلة بنت حرب زوجة أبي لهب" تحمل الحطب، وتضعه أمام بيت النبي ﷺ وفي طريقه، وكانت تقول عنه ﷺ:
مذمما عصينا
وأمره أبينا
ودينه قلينا١
كانت مدفوعة بالعصبية بسبب كونها أختا لأبي سفيان الأموي٢، فدفعها التعصب إلى هذه الحملة على رسول الله ﷺ، وما المانع إذن أن يكون موقف زوجها أبي لهب عم النبي ﷺ من تأثيرها فيه؟!
وكذلك فإن أصحاب المصلحة في مكة عارضوا الدعوة حفاظا على وضعهم.
لكن..
وهل تجدي الحيل الإنسانية أمام الإرادة الإلهية التي قدرت ظهور الدعوة واختارت لها هذا الزمان الذي تميز بالصراع والنضج وانتظار الرسالة؛ لكي تنتشر الدعوة، وتظهر على الأديان كلها بقدرة الله وعلى سنن البشر؟
وهل تمحو الحيل الشيطانية من واقع الحياة وأفكار الناس ما قدره الله في كافة الشئون والأحوال والأعمال؟
إن قدر الله غالب، وقضاءه نافذ، وإرادته شاءت أن تجيء الدعوة إلى الله تعالى في هذا الزمان بما فيه من خصائص وصفات.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٣٧٩. ٢ تفسير أبي السعود ج٥ ص٢٩١.
[ ١٠٦ ]