المبحث الأول: النسب الشريف
رسول الله ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
وأم رسول الله ﷺ هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فنسب أبيه وأمه ﷺ يلتقيان في كلاب.
وكلاب هو ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مضر بن عدنان.
ونسبه ﷺ من جهة أبيه ومن جهة أمه مجمع عليه إلى عدنان، وما فوق ذلك فمختلَف فيه، والكل يجمع على أنه ﷺ من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵈.
ونسبه ﷺ كريم، جامع لسائر أسباب الفضل والرفعة.
فأبوه "عبد الله" أصغر أبناء عبد المطلب وأقربهم إلى قلبه، يُكْنَى بأبي القثم وأبي محمد وأبي أحمد، ويلقب بالذبيح.
وسبب هذا اللقب أن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والد المطعم قال له: يا عبد المطلب، أتستطيل علينا وأنت فذ ولا ولد لك؟
فقال عبد المطلب: أبا لقلة تعيرني؟ فوالله لئن أتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة١.
فلما توافى بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: أوفِ بنذرك، وافعل ما شئت.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ج١ ص٥٣.
[ ١١٢ ]
قال لهم: ليأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني ففعلوا.
فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، فخرج السهم على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وحد الشفرة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، فذهبوا إلى عرافة خيبر فقالت لهم: كم الدية فيكم؟
قالوا: عشرة من الإبل.
قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى بكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم، ففعلوا ذلك حتى بلغت الإبل مائة.
فقالت قريش: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب.
فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله فخرج القدح في كلتيهما على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع١.
يروي ابن كثير بسنده أن أعرابيا قال للنبي ﷺ: يابن الذبيحين، فتبسم رسول الله، ولم ينكر عليه فقيل لمعاوية: مَن الذبيحان؟
قال: إسماعيل وعبد الله٢.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٥٥. ٢ قصص الأنبياء لابن كثير ج١ ص٢١٧.
[ ١١٣ ]
تميز عبد الله بالعفة والطهر وحسن الخلق، رووا أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية، مر بها عبد المطلب، ومعه ابنه عبد الله أن يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب، فرأت نور النبوة في وجد عبد الله، فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مائة من الإبل، فعصمه الله تعالى من إجابتها، وقال لها:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه يحمي الكريم عرضه ودينه
فلما تزوجت آمنة عبد الله، وحملت برسول الله ﷺ، مر عبد الله على الكاهنة مرة أخرى، وقال لها: هل لك فيما طلبت؟!
فنظرت إليه، ولم ترَ ذلك النور في وجهه فقالت له: قد كان ذلك أول مرة، أما اليوم لا، ماذا صنعت؟
فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية.
فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول:
الآن قد ضيعت ما كان ظاهرا عليك وفارقت الضياء المباركا
غدوت علي خاليا فبذلته لغيري هنيئا فالحقن بنسائكا
ولا تحسبن اليوم أمس وليتني رزقت غلاما منك في مثل حالكا
وداخلها الأسف على ما فاتها، والحسرة على ما تولى عنها١.
وكان عبد الله بارا بأبيه، مطيعا له، يروي ابن إسحاق أن عبد الله حين انصرافه مع أبيه بعد الذبح مر على امرأة من بني أسد، وهي أخت ورقة بن نوفل، فنظرت إلى وجهه وقالت له: أين تذهب يا عبد الله؟
قال لها: معي أبي.
قالت له: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي نكاحا الآن.
_________________
(١) ١ أعلام النبوة للماوردي ص١٤٦.
[ ١١٤ ]
قال لها: أنا معي أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه١.
فأخذه أبوه عبد المطلب، وذهب به إلى وهب بن عبد مناف وزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل نساء قريش نسبا وموضعا.
ورسول الله هو الابن الوحيد لعبد الله وآمنة، وقد مات أبوه قبل مولده، وماتت أمه وهو ابن ست سنوات.
وعبد المطلب: والد عبد الله اسمه شيبة الحمد، واشتهر بعبد المطلب؛ لأن عمه المطلب أحضره من المدينة، حيث نشأ عند أخواله، فلما ساله أهل مكة: مَن هذا؟ قال لهم: هذا عبدي، فثبت معه اسمه هذا، وترك شيبة.
وكان عبد المطلب شديد الوفاء بوعده، وقد رأينا ما فعل مع نذره بذبح أحد أبنائه إذا بلغوا عشرا.
ومن وفائه أنه أجار يهوديا يُدعى "أذينة" فتأمر حرب بن أمية على قتله وقتله، فلم يزل عبد المطلب يسعى في دمه حتى أخذ ديته، وسلمها لأهله٢.
وهو شيخ مكة، وزعيمها يوم قدوم أبرهة..
وكان عبد المطلب جسيما أبيض، وسيما، طوالا، فصيحا، ما رآه أحد قط إلا قدره، وقد صارت إليه السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه، وكان يعرف فيه قوة الحق وهيبة الملك.
ومكارمه أكثر من أن تُحصى، فإنه كان سيد قريش غير مدافع نفسا، وأبا، وبيتا، وجمالا، وبهاء، وفعالا.
وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية، وأول من جعل دية القتيل مائة من الإبل بعد فداء عبد الله..
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣١٠.
[ ١١٥ ]
وقد أقام لأهل مكة ما كان يقيمه آباؤه لهم، فشرف فيها شرفا لم يبلغه أحد قبله، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم.
ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان:
الأول: حفر بئر زمزم بعدما أمر به في المنام، ووصف له موضعها، وبعدها كانت السقاية معه، ولما حاولت قريش منازعته في زمزم والسقاية، أراهم الله ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بـ"زمزم"١.
الثاني: لما قدم أبرهة بجيشه يريد هدم الكعبة خافت قريش، وتفرقت في الشعاب، وتركت إبلها وغنمها، فاستولى عليها أبرهة، فذهب إليه عبد المطلب واستقبله أبرهة وسأله: ماذا جاء بك؟
قال عبد المطلب: جئت أسألك الإبل والغنم.
فقال أبرهة له: أكبرتك حين رأيتك، وزهدتني فيك حين كلمتني، تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك؟!
فقال عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه.
وقد كان حيث هلك أبرهة وجيشه بالطير الأبابيل، واسترد عبد المطلب الإبل والغنم٢.
وهو أول من طلى الكعبة بالذهب، وسُمي الفياض لجوده، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ونهى عن قتل الموءودة ونكاح المحارم، وأمر ألا يطوف بالبيت عريان٣.
و"هاشم" واسمه عمرو العلاء والد عبد المطلب.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص١٤٣ بتصرف. ٢ منتقى النقول ص٢٠، ٢١. ٣ منتقى النقول ص٢١.
[ ١١٦ ]
ولقب هاشما لأنه هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمهم، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة، فرحل هاشم إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقا كثيرا وكعكعا، وقدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا وجعلها ثريدا عم به أهل مكة، ولا زال يفعل معهم حتى استكفوا.
وهو أول من سن الرحلتين: ورحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام١.
ومن قبله كان تجار مكة لا يغادرون بلدهم، فركب هاشم إلى الشام، ونزل بقيصر، فلما علم به ملك الروم سأل عنه، وكلمه، وأعجب به، وجعل يرسل إليه ويدخله عليه.
فلما رأى هاشم مكانه منه قال له: أيها الملك، إن لي قوما وهم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتبا تؤمنهم، وتؤمن تجارتهم، فيقدمون عليك بما يستظرف من أدم الحجاز وثيابه؛ ليتمكنوا من بيعه عندكم، فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم، فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافا.
والإيلاف أن يأمنوا وهم عندهم، وفي طريقهم، وفي أرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بين مكة والشام، حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب، فكان ذلك أعظم بركة، ثم خرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم، ويوفيهم إيلافهم، الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام٢.
واشتهر هاشم بالدقة، والحكمة، ومكارم الأخلاق، ومن وصاياه الحكيمة لقومه وهو يخطب فيهم:
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣١٦. ٢ المرجع السابق ج١ ص٣١٦.
[ ١١٧ ]
أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم.
يا بني، أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أو حش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي.
أيها الناس، الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنيئة، فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، ألا وإن نهنهة الجاهل أهون من حزيرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به١.
وكان من أجمل الناس، وأحسنهم صورة، يتلألأ النور في وجهه كالهلال يتوقد، لم يره أحد إلا أحبه، وأقبل عليه.
و"عبد مناف" والد هاشم اشتهر بأفعال الخير، وأماجد الأعمال، وسمي بالمغيرة لقوته، وإغارته على الأعداء، وسمي بالقمر لحسنه وجماله.
وقد ساد في حياة أبيه، وبرز بآرائه في دار الندوة، وسُر به والده "قصي" وهو الذي سماه "عبد مناف" واستبدله بـ"عبد مناة" كما سمته أمه.
قام بعد أبيه قصي بالسقاية والرفادة، واشتهر بالحكمة وحسن السياسة،
_________________
(١) ١ أعلام النبوة للماوردي ص١٣٩.
[ ١١٨ ]
أحاطت قريش عبد مناف بالتفضيل والتكريم، ومن أشعارهم:
كانت قريش بيضة فتفلقت فالمح خالصة لعبد مناف
والمح: صفرة البيض، يشيرون بذلك إلى أن قريشا إذا انقسمت كالبيضة، فعبد مناف صفرتها، وهي أصل البيضة، وأكثرها منفعة.
يروي البلاذري أن النبي ﷺ سمع جارية تنشد هذا البيت وتقول:
فالمح خالصة لعبد الدار
فقال الرسول ﷺ لأبي بكر ﵁:
كذا قال الشاعر؟
قال أبو بكر: لا، إنما قال: لعبد مناف.
فقال النبي ﷺ: "كذاك" ١.
وهذا تأكيد لمنزلة عبد مناف، وقدرته في قومه.
و"قصي" والد عبد مناف اسم مصغر من "قصى" أي بعد؛ لأنه بعد عن قومه في بلاد "قضاعة" مع أمه حين تزوجت بعد أبيه في بني عزرة.. وقد عاد قصي إلى مكة بعد أن عير بغربته.. وعمل بعد أن شب على أن يكون أمر مكة لأهلها، فأبت خزاعة وبنو بكر، فقاتلهم قصي ومن معه.. حتى تصالحوا بعد ذلك على أن يكون الأمر لقصي وبنيه؛ لأنهم الأحق والأولى.
فلما جمع قصي قريشا قال لهم: هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم "أي أنتم وبيوتكم" في الحرم حول البيت؟ فو الله لا يستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه، وتسكنونه فتسودوا العرب أبدا.
فقالوا: أنت سيدنا، ورأينا تبع لرأيك، فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول الكعبة٢، وبنوا بيوتهم مجاورة للكعبة، وكانوا من قبل يبنونها بعيدا عن الشعاب.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣٢١. ٢ المرجع السابق ج١ ص٣٢٤.
[ ١١٩ ]
وأمرهم قصي أن يجعلوا أبواب بيوتهم جهة الكعبة، على أن يتركوا بين كل بيتين طريقًا يؤدي إلى الكعبة، وفي نهاية هذه الطرق تأسست أبواب الحرم بعد ذلك.
وقد جمع "قصي" لنفسه أمر الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، وبذلك حاز الشرف في مكة كلها.
وبنى دارًا سماها "دار الندوة"، وجعلها مكانًا للاجتماع، والتشاور في كافة أمورهم الشخصية، والاجتماعية، والسياسة، وغيرها.
وقد فرض قصي على قريش مالًا يدفعونه إليه، وهو الذي يعرف بالرفادة، يصرفه على حجاج بيت الله تعالى، قال لهم: "يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل البيت، وأصحاب الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما، وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا".
يقول ابن هشام: فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا، فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومنا هذا، فهو الطعام الذي يصنعه الولاة كل عام، ويقدمونه للحجيج بمنى حتى ينقضي الحج١.
وقد قسم قصي المهام الرئيسية في أولاده.. فأعطى عبد مناف السقاية والندوة، وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء، وأعطى عبد العزى الرفادة والضيافة أيام منى.. وهكذا.
ومن أقوال قصي الحكيمة التي علمها أولاده:
"من عظم لئيما شركه في لؤمه".
"ومن استحسن مستقبحا كان معه".
"ومن لم تصلحه كرامتكم فداووه بهوانه، فذاك دواء يحسم الداء".
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص١٣٠.
[ ١٢٠ ]
"العي عيان: عي إفحام، وعي المنطق بغير سداد".
"من سأل فوق قدره استحق الحرمان".
و"كلاب" والد قصي جمع كلب، وهو مجمع نسب عبد الله وآمنة -أبوي النبي ﷺ- سمي بذلك من المكالبة، وهو المسارعة في التجمع على الكسب، أو جريا على عادة العرب في تسمية أبنائهم بأسماء موحشة كذئب، وأسد، وضبع
قيل لأعرابي: لِمَ تسمون أبناءكم بأشر الأسماء كـ"كلب" و"ذئب"، وتسمون عبيدكم بأحسن الأسماء كـ"رباح" و"مرزوق"؟
فقال: إنا نسمي أبناءنا لأعدائنا، ونسمي عبيدنا لأنفسنا.. يريد أن الأبناء هم عدة مواجهة الأعداء، والسهام المصوبة إليهم.
وقيل: سمي بذلك لدفع السوء والحسد عنه١.
ومن أسماء "كلاب" الحكيم، والمهذب، وعروة، ويكنى بـ"أبي زهرة" وزهرة هو جد النبي ﷺ من قبل أمه.
و"مرة" والد كلاب اسم منقول من وصف الحنظلة والعلقمة، وقيل: منقول من وصف الرجل بالمرارة.
وقيل: مأخوذ من القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: قوة، وكنيته أبو يقظة٢.
وهذه المعاني تفيد ما كان له من قوة في الحق، وشدة وقسوة على أهل الباطل.
و"كعب" والد مرة ومعناه العلو في الشرف والسؤدد والثبات والمنزلة، وكنيته أبو هصيص.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص٨. ٢ سبل الهدى والرشاد ج١ ص٣٢٩.
[ ١٢١ ]
وهو أول ما جمع الناس، وخطبهم في يوم معين، هو يوم "العروبة"، وهو اليوم المسمى في الإسلام بيوم الجمعة، ومن خطبه في قومه:
أما بعد، فاسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عنها صفحا، الآخرون كالأولين، والذكر كالأنثى، والزوج والفرد إلى بلى، فصلوا أرحامكم، وأوفوا بعهودكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروءتكم، فهل رأيتم من هالك رجع، أو ميت نشر، الدار أمامكم، واليقين غير ما تظنون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، بذلك جاء موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم، والله لو كنا ذا سمع وبصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولأرقلت فيها إرقال الفحل١.
و"لؤي" يكنى باسم ابنه كعب، اشتهر بالحكمة والحلم منذ صغره، وكان مطاعا محبوبا في قومه.
و"غالب" من الغلبة والفوز، وكنيته أو تيم.
و"فهر" كان رئيس أهل مكة، وقيل أنه سمي بـ"قريش" يقول ابن شهبة: من جاوز فهرا فليس من قريش٢.
و"مالك" يكنى باسم ولده "فهر" ولم ينجب سواه، تميز بالحكمة وحسن الخلق.
و"النضر" ابن كنانة، وكنيته "أبو يحلد".
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج١ ص٣٢٩، ٣٣٠. ٢ المرجع السابق ج١ ص٣٣٤.
[ ١٢٢ ]
و"كنانة" هي ستر السيف، سمي بذلك لأنه كان سترا على قومه، ويكنى بأبي النضر، يقول عامر العدواني لابنه في وصيته: يا بني، أدركت كنانة بن خزيمة وكان شيخا مسنا عظيم القدر، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله، ومن أقواله لهم: إنه قد آن خروج نبي من مكة يُدعى أحمد، يدعو إلى الله، وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق، فاتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم.
قال أبو الربيع رحمه الله تعالى: إن كنانة رُئي وهو نائم في الحجر فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر، فقال: كل يا رب فصار هذا كله في قريش١.
و"خزيمة" يكني بأبي أسد، يروي ابن عباس أن خزيمة مات على دين إبراهيم ﵇، وهو أول من أهدى البدن للبيت.
و"مدركة" اسمه عمرو على الصحيح، وكنيته أبو هذيل، وأبو خزيمة.
و"إلياس" كان عاقلا، أريبا، يقول ابن الزبير: لما أدرك إلياس وبلغ أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم، وجمعهم رأيه، ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة.
وهو وصي أبيه، تميز بجمال الخُلُق والخِلْقة، ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا" ٢.
ويذكر أنه كان يبشر بنبي من صلبه، يصلح الله به شئون الناس.
و"مضر" اسمه عمرو، وكنيته أبو إلياس، كان على دين إبراهيم ﵇، اشتهر بالحكمة، وسداد الرأي، ومن أقواله:
_________________
(١) ١ سبل الهدى ج١ ص٣٣٨. ٢ الروض الأنف ج١ ص١٠.
[ ١٢٣ ]
"خير الخير أعجله".
"احملوا أنفسكم على مكروهها فيما يصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق"١.
و"نزار" سماه أبوه بهذا الاسم لما نظر في وجهه ورأى نور النبوة الذي كان يتنقل في الأصلاب، لما رأى ذلك فرح ونحر وأطعم، وقال: هذا نذر يسير، فسمي بـ"نزار" وكنيته "أبو إياد".
و"معد" يضرب به المثل في الخُلُق، يقول عمر بن الخطاب ﵁: "اخشوشنوا وتعددوا" أي: كونوا على خلق معد.
و"عدنان" أول من كسا الكعبة، وكان الناس يعرفون أن نبيا سيخرج من صلبه، ويكنى بأبي معد.
وقد سبق الإشارة إلى إجماع النسابين على معرفة نسب النبي ﷺ إلى عدنان، وأن عدنان من نسل إسماعيل ﵇، إلا أنهم يختلفون في عدد آباء عدنان إلى إسماعيل ﵇؛ ولذلك أكتفي هنا بذكر نسبه ﷺ إلى عدنان مع تأكيد أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇، فلقد روى ابن سعد أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه عدنان، ثم يمسك، ثم يقول: "كذب النسابون" ٢، ويرى السهيلي أن هذا الحديث من قول ابن مسعود، ويقول عمر بن الخطاب ﵁: إنما ننتسب إلى عدنان، وما فوق ذلك لا ندري ما هو٣.
ومن هذا الإيجاز نرى شرف النسب، وعلو المحتد، فجميعهم كرام، ذوو شأن؛ حيث نلمح في سيرتهم كل خير، فهم حماة البيت، والمقربون من الله، والمؤسسون لأهل مكة "دار الندوة"، وقد نظموا للقبائل سائر المهام، وعرفوا الناس
_________________
(١) ١ سبل الهدى ج١ ص٣٤٤، والفواق: المدة بين حلبتين للناقة. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص٥٦. ٣ المرجع السابق ج١ ص٥٨.
[ ١٢٤ ]
بيوم العروبة، وجمعوهم فيه كل أسبوع لسماع الخطب وتداول الأمور.
وفي أسمائهم نلمح صفاتهم، ففي كعب العلو والثبات، وفي لؤي الهدوء والأناة، وفي غالب القوة القاهرة للأعداء١، وفي فهر الطول والعون، سمي قريشا لأنه كان يقرش -أن يفتش- عن حاجة المحتاج ليعينه بماله ونفسه٢، وفي مالك السيادة وملك العرب٣، وفي النضر الحسن والجمال٤، وفي كنانة ستر قومه، ومرجعهم لعمله وفضله٥، وفي خزيمة إصلاح قومه، وأخذهم على الحق٦، وهكذا إلى عدنان الذي عاش زمن موسى عليه السلام٧.
هذا نسبه ﷺ من جهة أبيه..
وأما نسبه من جهة أمه فهو إلى كلاب، وعند كلاب يلتقي نسبها مع أبيه فنسبه من جهة أمه عال هو الآخر، يصفه ابن هشام ويقول: "إن آباء آمنة من فضلاء قريش وسادة بني زهرة"٨.
ولم يكن للنبي ﷺ أخ ولا أخت من أمه وأبيه، يقول الماوردي: "لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده بها آية، فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل به"٩.
_________________
(١) ١ مدارج الصعود ص٦، ٧. ٢ نور الظلام ص٣٠. ٣ المرجع السابق ص٣٠. ٤ فيض القدير ج٣ ص٣٧. ٥ المرجع السابق ج٣ ص٣٧. ٦ سيرة ابن كثير ج١ ص١٨٨. ٧ الروض الأنف ج١ ص١١. ٨ سيرة ابن هشام ج١ ص١٦٩. ٩ أعلام النبوة ص١٤٧.
[ ١٢٥ ]
ولقد تميز آباؤه بعديد من المزايا العامة التي اشتركوا فيها جميعا، واستمرت معهم تكريما لرسول الله ﷺ.
وسأبين أهم هذه المزايا لما لها من مردود إيجابي على شخصية النبي ﷺ، وتهيئة النفوس للاستماع له، والإجابة لدعوته، وبخاصة أن الناس جبلوا على الطاعة السريعة لمن علا نسبه، وسمت أخلاقه، وكان لهم به صلة وقربى.
وسأوضح -بإذن الله تعالى- أهم هذه المزايا في عدد من المسائل لتتضمن كل مسألة مزية، وهي كما يلي:
المسألة الأولى: أصالة النسب.
المسألة الثانية: بعدهم عن عبادة الأصنام.
المسألة الثالثة: صلتهم بسائر بطون العرب.
وسوف أفصل هذه المسائل فيما يأتي
[ ١٢٦ ]