كَقَوْلِهِ تَعَالَى «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «١»» الْآيَةَ قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٢»: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ «مِنْ أَنْفَسِكُمْ «٣»» بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالضَّمِّ..
قَالَ الْقَاضِي أبو الفضل: «٤» أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ، أَوِ الْعَرَبَ أَوْ أَهْلَ مَكَّةَ، أَوْ جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ الْمُوَاجَهِ بِهَذَا الْخِطَابِ، أَنَّهُ بَعَثَ فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه،
_________________
(١) التوبة ١٢٨.
(٢) أبو الليث السمرقندي نسبة الى سمرقند مدينة معروفة فيما وراء النهر، وهو الامام الجليل المعروف بامام الهدى. وهو مضربن محمد الفقيه الحنفي المشهور صاحب التصانيف الجليلة كالتفسير والنوازل وخزانة الفتاوي وتنبيه الغافلين والبستان توفي سنة ٣٧٣ هـ.
(٣) من أنفسكم: قراءة شاذة مروية عن فاطمة وعائشة ﵄ وقرأ به عكرمة وابن محيصن وفي المستدرك للحاكم عن ابن عباس أنه ﷺ قرأها كذلك وقراءة الجمهور بالضم.
(٤) وفي بعض النسخ: (قال الفقيه القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى) .
[ ١ / ٥١ ]
وَيَتَحَقَّقُونَ مَكَانَهُ، وَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَلَا يَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ وَتَرْكِ النَّصِيحَةِ لَهُمْ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ لم تكن قبيلة في العرب «١» إِلَّا وَلَهَا عَلَى «٢» رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِلَادَةٌ «٣»، أَوْ قَرَابَةٌ «٤» ..
وَهُوَ «٥» عِنْدَ ابن عباس «٦» وغيره: معنى قوله تعالى
_________________
(١) وفي نسخة (وأنه لم تكن في العرب قبيلة) .
(٢) (على) هنا للمصاحبه مثل قوله تعالى (وآتى المال على حبه) أي مع حبه.
(٣) ولادة: أي قرابة قريبة.
(٤) قرابة: أي قرابة بعيدة والمقصود منهما معا أن في كل قبيلة من العرب له ﷺ أب أو جد أو أم وقوله: لم تكن في العرب قبيلة أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ في قوله: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» .
(٥) كما رواه عنه البخاري والطبراني.
(٦) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي أبو العباس ابن عم رسول ﷺ ولد وكان بنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث، وكان يقال له حبر العرب غزا أفريقية مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين. كان أبيض طويلا مشربا صفرة جسيما وسيما صبيح الوجه له وفرة دعاه رسول الله ﷺ فمسح رأسه وتفل في فيه وقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.. ويروى أن المهاجرين قالوا لسيدنا عمر بن الخطاب ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس فقال: ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول. وعن عطاء قال: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها وأعظم خشية، وإن أصحاب الفقه والقرآن والشعر عنده كل يأخذ نصيبه توفي سنة (٦٨) هـ وعن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر أبيض لم ير على خلقته فدخل في نعشه ولم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي» .
[ ١ / ٥٢ ]
«إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» «١» وَكَوْنِهِ مَنْ أَشْرَفِهِمْ، وَأَرْفَعِهِمْ، وَأَفْضَلِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الفتح وهذه نِهَايَةُ الْمَدْحِ.
ثُمَّ وَصَفَهُ بَعْدُ بِأَوْصَافٍ حَمِيدَةٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَحَامِدَ كَثِيرَةٍ، مِنْ حِرْصِهِ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَرُشْدِهِمْ وَإِسْلَامِهِمْ. وَشِدَّةِ مَا يُعْنِتُهُمْ «٢» وَيَضُرُّ بِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَعِزَّتِهِ»
عَلَيْهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِمُؤْمِنِهِمْ «٤» .
قَالَ بَعْضُهُمْ «٥»: أَعْطَاهُ اسْمَيْنِ مِنْ أسمائه رؤوف رحيم. ومثله في الآية الأخرى «٦» «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ «٧»» الآية.
_________________
(١) الشورى ٢٣.
(٢) يعنتهم: يشق عليهم.
(٣) عزته: مشقته.
(٤) وفي نسخة بمؤمنيهم.
(٥) القائل: هو الحسين بن الفضل.
(٦) وفي نسخة (ومثله في الآية الاخرى قوله تعالى)
(٧) آل عمران ١٦٤.
[ ١ / ٥٣ ]
وقوله تعالى «١»: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ «٢»» الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ «٣»» الآية..
وروي عَنْ عَلِيٍّ «٤» عَنْهُ ﷺ «٥» في قوله تعالى من أنفسكم قَالَ: «نَسَبًا وَصِهْرًا وَحَسَبًا لَيْسَ فِي آبَائِي مِنْ لَدُنْ آدَمَ سِفَاحٌ، كُلُّهَا نِكَاحٌ «٦»» .
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ «٧»: كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خمسمائة «٨» أم فما وجدت
_________________
(١) وفي نسخة (وفي الآية الاخرى) .
(٢) الجمعة ٢.
(٣) البقرة ١٥١.
(٤) وفي نسخة (علي بن أبي طالب ﵁) . ترجمته: علي بن أبي طالب بن عبد الله بن هاشم القرشي الهاشمي أول الناس إسلاما، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي ﷺ ولم يفارقه وشهد معه المشاهد كلها الا غزوة تبوك حيث أخره النبي ﷺ وقال له: الا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى. وزوجه النبي بنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قال له: «أنت أخي» وكان أحد رجال الشورى الذين نص عليهم سيدنا عمر وقتل سنة ٤٠ هـ.
(٥) كما رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده.
(٦) وفي نسخة (كلنا) وكذا وقع في سنن الترمذي مرويا بالوجهين.
(٧) هو محمد بن السائب الكلبي أبو نصر المفسر المحدث النسابة أخرج له الترمذي ونسبته إلى كلب وهي قبيلة معروفة توفي في السنة التي مات فيها الشافعي سنة ١٨٤ هـ.
(٨) أراد التكثير وإلا فمحال أن يكون هناك خمسمئة أم إلى آدم.
[ ١ / ٥٤ ]
فيهن سفاحا ولا شيئا مما كانت عليه الجاهلية «١» .
عن ابن عباس «٢» ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» «٣» قَالَ: (من نبي إلى نبي حتى أخرجتك «٤» نَبِيًّا) «٥»
وَقَالَ جَعْفَرُ «٦» بْنُ مُحَمَّدٍ: عَلِمَ اللَّهُ تعالى عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ طَاعَتِهِ فَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ لِكَيْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ الصَّفْوَ مِنْ خِدْمَتِهِ، فأقام بينه وبينهم «٧» مَخْلُوقًا مِنْ جِنْسِهِمْ فِي الصُّورَةِ، أَلْبَسَهُ مِنْ نَعْتِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْخَلْقِ سَفِيرًا صَادِقًا، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ، وَمُوَافَقَتَهُ مُوَافَقَتَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» «٨» .
_________________
(١) وفي نسخة (مما كان) وفي نسخة (أهل الجاهلية) .
(٢) انظر ص (١٥٢ رقم (٦) .
(٣) الشعراء ١١٩.
(٤) وفي نسخة (حتى أخرجك) .
(٥) كما رواه ابن سعد والبزار وأبو نعيم في دلائله بسند صحيح عنه.
(٦) هو جعفر الصادق بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ علي بن أبي طالب ولد سنة ٨٠ هـ وثقه في روايته الشافعي وابن معين وابو حاتم والذهبي وهو من فضلاء أهل البيت وعلمائهم توفي في سنة ١٨٤ هـ ودفن بالبقيع مع أبيه وجده وعمه في قبر واحد.
(٧) وفي نسخة (فاقام بينهم وبينه) .
(٨) النساء ٨٠.
[ ١ / ٥٥ ]
وَقَالَ تَعَالَى «١»: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٢» .
قال أبو بكر محمد «٣» بْنُ طَاهِرٍ «٤»: زَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ، فَكَانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً، وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ، فَمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» فَكَانَتْ حَيَاتُهُ رَحْمَةً وَمَمَاتُهُ رَحْمَةً.
كَمَا قَالَ ﵊ «٥»: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ» .
وَكَمَا قَالَ «٦» ﵊: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رحمة بأمة «٧»
_________________
(١) وفي نسخة (وقال الله تعالى) .
(٢) الانبياء (١٠٧) .
(٣) وفي نسخة (أبو بكر بن طاهر) .
(٤) هو أبو بكر بن طاهر بن مفوّز المغافري الشاطبي عالم ورع مات قرب ستة ٣٣٠ هـ.
(٥) وفي نسخة ﷺ كما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده والبزار بإسناد صحيح.
(٦) على ما رواه مسلم.
(٧) قال الحافظ المروزي: المعروف رحمة أمة. وكذا رواه مسلم. كذا ذكره الحجازي.
[ ١ / ٥٦ ]
قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا «١» وَسَلَفًا» .
وَقَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٢»: «رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» يَعْنِي لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
وقيل: لِجَمِيعِ الْخَلْقِ. لِلْمُؤْمِنِ رَحْمَةً بِالْهِدَايَةِ وَرَحْمَةً لِلْمُنَافِقِ بِالْأَمَانِ مِنَ الْقَتْلِ وَرَحْمَةً لِلْكَافِرِ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٣» ﵄ «٤»: هُوَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ إِذْ عُوفُوا مِمَّا أَصَابَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ
وَحُكِيَ»
: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: «هَلْ أَصَابَكَ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَخْشَى الْعَاقِبَةَ فَأَمِنْتُ لِثَنَاءِ اللَّهِ ﷿ عَلَيَّ بِقَوْلِهِ «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» «٦» .
وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ «٧» بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فِي قوله تعالى: «فَسَلامٌ
_________________
(١) الفرط: هو الذي يتقدم الواردين ليهيء لهم ما يحتاجون اليه عند نزولهم في منازلهم.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥١) رقم (٢)
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦)
(٤) فيما رواه جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، والطبراني، والبيهقي في دلائله.
(٥) لم يوجد في شيء من كتب الحديث نقله كما في تخريج السيوطي وغيره.
(٦) سورة التكوير «٢١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٥٥) رقم (٦)
[ ١ / ٥٧ ]
لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ» «١»
أَيْ بِكَ إِنَّمَا وَقَعَتْ سَلَامَتُهُمْ مِنْ أَجْلِ كَرَامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ» «٢» الْآيَةَ.
قَالَ كَعْبُ «٣» الْأَحْبَارِ وَابْنُ جُبَيْرٍ «٤»: الْمُرَادُ بِالنُّورِ الثَّانِي هُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.
وقوله تعالى «مَثَلُ نُورِهِ» أَيْ نُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقال «٥» سهل بن «٦» عبد الله: المعنى:
_________________
(١) الواقعة (٩١) .
(٢) النور ٣٥.
(٣) وهو كعب بن ماتع بن هينوع أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره وأسلم في خلافة أبي بكر، وصحب عمر، وأكثر الرواية عنه وعن غيره، وروى الصحابة عنه أيضا، وكان أدرك الجاهلية على اليهودية، وسكن في اليمن، ثم في حمص بعد إسلامه، وبها توفي في بخلافة عثمان سنة ٣٢ هـ.
(٤) هو سعيد بن جبير الوالهي أبو عبد الله التابعي العابد الزاهد الثقة أحد أعلام رواة الحديث روي عن ابن عباس وغيره وروى عنه أصحاب السنن ومن لا يحصر قتله الحجاج ظلما سنة ٩٥ هـ ولم يسلط على أحد بعده بدعوته ﵁.
(٥) وفي نسخة (وقاله) وهو غير صحيح.
(٦) هو سهل بن عبد الله بن يونس التستري الصالح المشهور الذي لم يسمع الدهر بمثله علما وورعا وله كرامات مشهورة صحب ذا النون المصري بمكة ولد سنة ٢٠٠ هـ بتستر وتوفي في سنة ٢٧٣ بالبصرة.
[ ١ / ٥٨ ]
اللَّهُ هَادِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ «١» .
ثُمَّ قَالَ «٢»: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ إِذْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا فِي الأصلاب «كمشكاة «٣»» صفتها «٤» كذا
وأراد ب «المصباح» قلبه، و«الزجاجة» صَدْرَهُ أَيْ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ «٥» دُرِّيٌّ «٦» لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» أي من نور ابراهيم ﵇ «٧» .
وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِالشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ.
وَقَوْلُهُ: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ» أَيْ تَكَادُ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَبِينُ لِلنَّاسِ قَبْلَ كَلَامِهِ كَهَذَا الزَّيْتِ.
وَقَدْ قِيلَ «٨» فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا والله أعلم.
_________________
(١) وهذا المعنى هو المأثور عن ابن عباس ﵄.
(٢) أي سهل.
(٣) المشكاة: كوة غير نافذة وفيها أقوال أخر.
(٤) وفي نسخة (وصفها) .
(٥) كوكب: نجم.
(٦) دري: مضيء.
(٧) وفي نسخة (﵊.)
(٨) أي على ما ذكره المفسرون واللغويون
[ ١ / ٥٩ ]
وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ نُورًا وَسِرَاجًا مُنِيرًا، فَقَالَ تَعَالَى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ» «١»
وَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا» «٢» .
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» «٣» إلى آخر السورة «شَرَحَ» وَسَّعَ. وَالْمُرَادُ «بِالصَّدْرِ» هُنَا الْقَلْبُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٤» ﵄ «٥»: شَرَحَهُ «بِنُورِ «٦» الْإِسْلَامِ» .
وَقَالَ سَهْلٌ «٧»: «بِنُورِ الرِّسَالَةِ» .
وَقَالَ الْحَسَنُ «٨»: «ملأه حكما وعلّما» .
_________________
(١) المائدة (١٥) .
(٢) الاحزاب (٤٦) .
(٣) الانشراح (١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٥) كما رواه ابن أبي حاتم عن عكرمة، وابن مردويه، وابن المنذر في تفسيريهما عنه.
(٦) وفي نسخة (بالاسلام) وفي أخرى (بالايمان) .
(٧) تقدمت ترجمته في ص (٥٨) رقم (٦) .
(٨) هو يسار بن أبي الحسن البصري التابعي من أجل التابعين وهو في الزهد والعلم وإظهار الحق بمرتبه عالية غنية عن البيان مكث ثلاثين سنة لم يضحك ولم يخرج من محل الطاعة، لقي كثيرا من الصحابة، وتروى عنه احاديث كثيرة، وحيث اطلق المحدثون الحسن فهو المراد، وكانت أمه تخدم أم سلمة زوج النبي ﷺ فكان إذا بكى عندها في صغره وضعت ثديها في فمه فأصابته بركتها توفي بالبصرة سنة ١١٦ هـ وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
[ ١ / ٦٠ ]
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: «أَلَمْ يُطَهِّرْ قَلْبَكَ حَتَّى لَا يَقْبَلَ «١» الْوَسْوَاسَ» «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ» «٢» .
قِيلَ: «مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِكَ- يَعْنِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ» -.
وَقِيلَ: «أَرَادَ ثِقَلَ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ» .
وَقِيلَ: «أَرَادَ مَا أَثْقَلَ ظَهْرَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ حَتَّى بَلَّغَهَا» .
حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ «٣» وَالسُّلَمِيُّ «٤» .
وَقِيلَ: «عَصَمْنَاكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَثْقَلَتِ الذُّنُوبُ ظَهْرَكَ» .
حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ. «٥»:
«وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» «٦» قال يحيى «٧» بن آدم: «بالنبوة» .
_________________
(١) وفي نسخة (حتى لا يؤذيك) .
(٢) الانشراح (٣) .
(٣) هو علي بن حبيب القاضي أبو الحسن وهو صاحب التصانيف الجليلة في التفسير وفقه الشافعية والأصول والحديث كالحاوي والأحكام السلطانية توفي سنة ٤٥٠ هـ وقد بلغ ستا وثمانين سنة.
(٤) هو أبو عبد الرحمن السلمي بضم السين وفتح اللام منسوب لسليم بالتصغير، وهو صاحب الحقائق شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم ولد سنة ٣٣٠ هـ وتوفي سنة ٤١٢ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص (٥١) رقم (٢) .
(٦) الانشراح (٤) .
(٧) هو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي أبو زكريا أحد الأعلام الذين أخرج لهم أصحاب الكتب الستة وقد وثقه ابن معين وغيره توفي سنة ٢٠٣ هـ.
[ ١ / ٦١ ]
وَقِيلَ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»
فِي قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» وقيل: في الأذان «٢» .
قال القاضي الفقيه أَبُو الْفَضْلِ: هَذَا تَقْرِيرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ لَدَيْهِ، وَشَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، بِأَنْ شَرَحَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ، وَوَسَّعَهُ لِوَعْيِ الْعِلْمِ وَحَمْلِ الْحِكْمَةِ، وَرَفَعَ عَنْهُ ثِقَلَ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ، وَبَغَّضَهُ لِسِيَرِهَا وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِظُهُورِ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَحَطَّ عَنْهُ عُهْدَةَ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ لِتَبْلِيغِهِ لِلنَّاسِ مَا نَزَلَ إِلَيْهِمْ، وَتَنْوِيهِهِ بِعَظِيمِ مَكَانِهِ، وَجَلِيلِ رُتْبَتِهِ، وَرِفْعَةِ ذِكْرِهِ وَقِرَانِهِ مَعَ اسْمِهِ اسْمَهُ
قال قتادة «٣»: «رفع الله تعالى ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ إِلَّا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله» .
_________________
(١) وسيأتي أن هذا حديث مرفوع.
(٢) وفي نسخة (في الأذان والاقامة) .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي، وقتادة هو ابن دعامه أبو الخطاب السدوسي الأعمى الحافظ المفسر روى عن عبد الله بن سرجس وأنس وخلق كثير توفي سنة ١١٧ هـ.
[ ١ / ٦٢ ]
وروى أبو سعيد «١» الخدري ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «٢»: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ:
تَدْرِي «٣» كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ .. قُلْتُ «٤»: اللَّهُ وَرَسُولُهُ «٥» أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي..»
قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٦»: جَعَلْتُ تَمَامَ الْإِيمَانِ بِذِكْرِكَ مَعِي. «٧»» .
وَقَالَ «٨» أَيْضًا: «جَعَلْتُكَ ذِكْرًا مِنْ ذِكْرِي، فَمَنْ ذَكَرَكَ ذَكَرَنِي» .
وَقَالَ جَعْفَرُ «٩» بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ: لَا يَذْكُرُكَ أحد بالرسالة إلا
_________________
(١) هو سعيد بن مالك بن سنان منسوب الى خدره، صحابي رفيع القدر مشهور من فقهاء الصحابة ومن أصحاب الشجرة توفي بالمدينة ودفن بالبقيع سنة ٦٤ هـ وروي عنه أحاديث كثيرة.
(٢) كما في صحيح ابن حبان ومسند أبي يعلى.
(٣) أي أتدري كما في نسخة صحيحة.
(٤) وفي نسخة (فقلت) .
(٥) الظاهر أن (ورسوله) سهو قلم، وإن وقع في نسخة زيادة (يعني جبريل) فإنه لا يلائم المقام.
(٦) قال التلمساني هو أبو عبد الله محمد بن عطاء شيخ وقته توفي كما نقل القشيري سنة ٣٩٩ هـ.
(٧) وفي نسخة (بذكري معك) .
(٨) أي عطاء.
(٩) تقدمت ترجمته في ص (٥٥) رقم (٦) .
[ ١ / ٦٣ ]
ذَكَرَنِي بِالرُّبُوبِيَّةِ. وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ «١» فِي ذَلِكَ إِلَى مَقَامِ الشَّفَاعَةِ
وَمِنْ ذِكْرِهِ مَعَهُ تَعَالَى أَنْ قَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ وَاسْمَهُ بِاسْمِهِ.
فَقَالَ تَعَالَى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ» «٢» و«آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» «٣» فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوَاوِ الْعَطْفِ الْمُشْرِكَةِ..
وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ هَذَا الْكَلَامِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ﷺ..
عَنْ حُذَيْفَةَ «٤» ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «٥»: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ، مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ..»
قَالَ الْخَطَّابِيُّ «٦»: أَرْشَدَهُمْ ﷺ إِلَى الْأَدَبِ فِي تَقْدِيمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مشيئة من سواه، واختارها ب «ثم» الَّتِي هِيَ لِلنَّسَقِ وَالتَّرَاخِي بِخِلَافِ «الْوَاوِ» الَّتِي هي للاشتراك..
_________________
(١) كالماوردي.
(٢) آل عمران (٣٢) .
(٣) النساء (١٣٦) .
(٤) هو حذيفة بن اليمان العبسي ولد بالمدينة وأسلم وأبوه وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون وشهدا أحدا فاستشهد أبوه فيها وشهد حذيفة الخندق وما بعدها، استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات سنة ست وثلاثين.
(٥) أسنده المصنف هنا من طريق أبي داوود، ورواه أيضا النسائي في اليوم والليلة وابن أبي شيبة في المصنف.
(٦) هو أبو سليمان حمد بفتح الحاء المهملة وسكون الميم كان رأسا في سائر العلوم لا سيما الحديث والفقه والأدب، شافعي المذهب، صنف التصانيف الجليلة منها معالم السنن وغريب الحديث، وشرح أسماء الله الحسنى وغير ذلك، وله شعر حسن توفي ببست سنة ٣٠٨ هـ.
[ ١ / ٦٤ ]
وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «أَنَّ خَطِيبًا «١» خَطَبَ عِنْدَ النبي ﷺ فقال: من يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا «٢» فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ. قُمْ «٣» . أَوْ قَالَ: اذْهَبْ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ «٤»: كَرِهَ مِنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ «٥» لِمَا فِيهِ مِنَ التسوية..
وذهب غيره إلى أنه إنّما كَرِهَ لَهُ الْوُقُوفَ عَلَى «يَعْصِهِمَا» وَقَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَصَحُّ.. لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ:
«وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقُوفَ عَلَى يَعْصِهِمَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَصْحَابُ الْمَعَانِي «٦» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» «٧» هَلْ «يُصَلُّونَ» رَاجِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَلَائِكَةِ!! أم لا..
_________________
(١) قيل (هو ثابت بن قيس بن شماس) .
(٢) وفي نسخة صحيحة زيارة (فقد غوى) .
(٣) الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة، وأبو داوود في الأدب، ورواه مسلم أيضا.
(٤) أي الخطابي.
(٥) ويقصد بحرف الكناية هنا الضمير من (يعصهما) حيث كنى به عن الله ورسوله.
(٦) أي علماء البلاغة.
(٧) الأحزاب ٥٦.
[ ١ / ٦٥ ]
فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ.
وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِعِلَّةِ التَّشْرِيكِ.. وَخَصُّوا الضَّمِيرَ بِالْمَلَائِكَةِ.
وَقَدَّرُوا الْآيَةَ «إِنَّ اللَّهَ» يُصَلِّي «وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ» .
رُوِيَ «١» عَنْ عُمَرَ «٢» ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ جَعَلَ طَاعَتَكَ طَاعَتَهُ «٣»، فَقَالَ تَعَالَى: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «٤» .» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ «٥» اللَّهُ» «٦» .
وَرُوِيَ «٧» أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا»
: «إِنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أَنْ نَتَّخِذَهُ حَنَانًا «٩» كَمَا اتخذت النصارى عيسى» .. فأنزل
_________________
(١) وفي نسخة (وقد روي) .
(٢) قال الدلجي: ولم أدر من رواه.
(٣) هذا الحديث قال المخرجون: إنهم لم يجدوه في شيء من كتب الحديث وإن ورد ما هو بمعناه في صحيح البخاري.
(٤) النساء (٨٠) .
(٥) آل عمران (٣١) .
(٦) وفي نسخة (الآيتين) .
(٧) عن جماعة كابن المنذر عن مجاهد وقتادة، ورواه ابن الجوزي عن ابن عباس ﵄.
(٨) أي الكفار أو المنافقون والقائل منهم عبد الله بن أبي بن سلول نزل منزلة الجمع لعظمته عندهم.
(٩) حنانا: ربا ذا رحمة.. أو مكانا يتمسح به للبركة.
[ ١ / ٦٦ ]
الله تعالى «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ «١»» .. فَقَرَنَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ رَغْمًا لَهُمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي أُمِّ الْكِتَابِ:
«اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ «٢»» فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ «٣» وَالْحَسَنُ «٤» الْبَصْرِيُّ: «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَخِيَارُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابُهُ حَكَاهُ عَنْهُمَا «٥» أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ «٦» .
وَحَكَى مَكِّيٌّ «٧» عَنْهُمَا نَحْوَهُ «٨»، وَقَالَ: «هو رسول
_________________
(١) آل عمران ٣٢.
(٢) الفاتحة ٦، ٧.
(٣) هو رفيع بن مهران التابعي أسلم في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه وخرج له الشيخان وله تفسير توفي سنة ٩٠ هـ.
(٤) انظر ترجمة الحسن البصري ص «٦٠» رقم «٨» .
(٥) ورواه في المستدرك عن أبي العالية وصححه.
(٦) انظر ترجمته ص «٦١» رقم «٣» .
(٧) هو أبو محمد بن أبي طالب شيخ الصوفية وأهل السنة، وأصله من القيروان ولد بها ثم انتقل الى الأندلس وسكن قرطبة. كان بحرا في التفسير وغيره من العلوم وله تفسير كبير وكتابه «قوت القلوب» كتاب جليل، توفي في قرطبة. سنة ٤٣٧ هـ. ودفن فيها.
(٨) أي بالمعنى لا باللفظ، وأخرجه بلفظ مكي ابن جرير وابن أبي حاتم وأخرجه في المستدرك من رواية أبي العالية عن ابن عباس وصححه.
[ ١ / ٦٧ ]
اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄» .
وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ «١» مِثْلَهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قوله تعالى: «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ «٢»» .
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ «٣» فَقَالَ: «صَدَقَ وَاللَّهِ وَنَصَحَ» .
وحكى الماوردي «٤» ذلك في تفسير «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٥» بْنِ زَيْدٍ.
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٦» السُّلَمِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى «٧»» إِنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَقِيلَ: «الاسلام»
وقيل: «شهادة التوحيد»
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص. «٥١» رقم «٦» .
(٢) سورة الفاتحة «٧» .
(٣) أي بلغه ذلك عن عاصم.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٦» .
(٥) هو ابن أسلم المدني وهو يروي عن أبيه وابن المنكدر وروى عنه أصبع وقتيبة وهشام وضعفوه وله تفسير وترجمة في الميزان وأخرج له أصحاب السنن وتوفي سنة ١٨٢ هـ.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٤» .
(٧) البقرة ٢٥٦.
[ ١ / ٦٨ ]
وَقَالَ سَهْلٌ «١» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» «٢» قَالَ: نِعْمَتُهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَالَ تَعَالَى: «وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» «٣» الآيتين.
أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ «الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ» هو محمد ﷺ.
قال بعضهم: وهو الذي «صدّق به» .
وقرىء: «صدق به» بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ «٤»: الَّذِي «صَدَّقَ بِهِ» الْمُؤْمِنُونَ.
وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ «٥» .
وَقِيلَ: عَلِيٌّ.
وَقِيلَ غَيْرُ هذا من الأقوال.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في «٥٨» رقم «٦» .
(٢) سورة إبراهيم ٣٤.
(٣) الزمر ٣٣.
(٤) وفي نسخة «وغيره» والقائل قتادة ومقاتل.
(٥) وجمع للتعظيم بقوله «أولئك» في الآية السابقة «أولئك هم المتقون» .
[ ١ / ٦٩ ]
وَعَنْ مُجَاهِدٍ «١» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» «٢» قال: بمحمد ﷺ وأصحابه «٣» .
_________________
(١) هو أبو محمد بن جبر، من كبار التابعين، المقريء المفسر الزاهد العابد، روى عنه أصحاب السنن وغيرهم، ووثقه المحدثون كما ذكره الذهبي في ترجمته، ولد في خلافة عمر سنة ٢١ هـ وتوفي بمكة سنة ١٠٢ هـ وهو ساجد،.
(٢) الرعد ٢٨.
(٣) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
[ ١ / ٧٠ ]