جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ.. وَاخْتُصَّ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَبِيبِ اللَّهِ..
عَنْ «١» أَبِي سَعِيدٍ «٢» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خليلا «٣» لا تخذت أَبَا بَكْرٍ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ «٤»» .
وَمِنْ «٥» طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ «٦» بْنِ مسعود: «وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلا» .
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري وغيره من طرق متعددة.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٦٣) رقم (١) .
(٣) الأحاديث تفيد أن المخاللة من الجانبين إذا كانت بمعنى المحبة لا من الخلة بمعنى، الحاجة فان الله غني عن العالمين.
(٤) كما سيأتي مصرحا من حديث ابن مسعود.
(٥) رواه مسلم والترمذي والنسائي.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (٢١٤) رقم (٢) .
[ ١ / ٤٠٧ ]
وَعَنِ «١» ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ.. قَالَ:
فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ..
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا.. إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا..
وَقَالَ آخَرُ: «مَاذَا «٣» بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى.. كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا» .
وَقَالَ آخَرُ: «فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وروحه» .
وقال آخر: «آدم اصْطَفَاهُ اللَّهُ» .
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، وَقَالَ: «قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ، وهو كذلك، وعيسى روح الله، وهو كذلك، وآدم اصطفاه اللَّهِ.. وَهُوَ كَذَلِكَ.. أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ.. وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ.. وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حلق الجنة فيفتح الله
_________________
(١) رواه الدارمي والترمذي عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٣) ماذا: يعني: ليس اتخاذ الله ابراهيم خليلا بأعجب من كلام موسى.
[ ١ / ٤٠٨ ]
لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ» ..
وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» ﵁ «مِنْ «٣» قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: إِنِّي اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا.. فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التوراة.
أسب «٤» حَبِيبُ الرَّحْمَنِ» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ «الْخِلَّةِ» وَأَصْلِ اشْتِقَاقِهَا.
فَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» الْمُنْقَطِعُ إِلَى اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ فِي انْقِطَاعِهِ إِلَيْهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ اخْتِلَالٌ.
وَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» الْمُخْتَصُّ «٥» .. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ وَاحِدٍ
وقال بعضهم: أصل «الخلّة «٦»» الاستصفاء «٧» .. وسمي
_________________
(١) من احاديث الاسراء وهو الذي رواه البيهقي وصححه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) وفي نسخة في قول الله والاصح روايته بلفظ من.
(٤) قال الشيخين: «أنه وقع هكذا في النسخ المعتمدة من الشفاء بهمزة مفتوحه وسين مهملة ساكنه وباء موحدة، وهي هكذا وفي نسخة المصنف المبيضة المروية عنه وصحفها بعضهم فكتب انت وهي لفظة عبرانية بمعنى أنت وقال الدلجي إن بعد السين تاء مثناة فوقية وفسره بأنت» .
(٥) المختص: هو الذي اختص بخدمة الله واختيار ما كلفه من فعل وترك.
(٦) الخلة: بضم الخاء.
(٧) الاستصفاء: أي كون محبته ومودته صافية أي خالصة من الكدورات.
[ ١ / ٤٠٩ ]
إِبْرَاهِيمُ «خَلِيلَ اللَّهِ» لِأَنَّهُ يُوَالِي فِيهِ وَيُعَادِي فِيهِ.. وَخَلَّةُ اللَّهِ لَهُ.
نَصْرُهُ وَجَعْلُهُ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» أَصْلُهُ الْفَقِيرُ، الْمُحْتَاجُ، الْمُنْقَطِعُ..
مَأْخُوذٌ مِنَ «الْخُلَّةِ «١»» وَهِيَ الْحَاجَةُ.. فَسُمِّيَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ قَصَرَ حَاجَتَهُ عَلَى رَبِّهِ، وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ بِهَمِّهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَبْلَ غَيْرِهِ، إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ فِي الْمَنْجَنِيقِ، لِيُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟.
قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا..
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ «٢» بْنُ فُورَكٍ «الْخِلَّةُ» صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بِتَخَلُّلِ الْأَسْرَارِ..
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُ «الْخِلَّةِ» الْمَحَبَّةُ.. وَمَعْنَاهَا الْإِسْعَافُ وَالْإِلْطَافُ، وَالتَّرْفِيعُ، وَالتَّشْفِيعُ..
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: «وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.. قُلْ: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟!. «٣»»
فأوجب للمحبوب.. أن لا يؤاخذ بذنوبه..
_________________
(١) الخلة: بفتح الخاء.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٩» رقم «٤»
(٣) سورة المائدة ١٨
[ ١ / ٤١٠ ]
قال: هذا والخلّة أقوى من البنوّة.. لأن البنوّة قد تكون فيها العداوة.
كا قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ «١»» الْآيَةَ..
وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ عَدَاوَةٌ مَعَ خِلَّةٍ.. فَإِذَا.. تَسْمِيَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدٌ ﵉- «بِالْخِلَّةِ» إِمَّا بِانْقِطَاعِهِمَا إِلَى اللَّهِ، وَوَقْفِ حَوَائِجِهِمَا عَلَيْهِ، وَالِانْقِطَاعِ عَمَّنْ دُونَهُ، وَالْإِضْرَابِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالْأَسْبَابِ.
- أَوْ لِزِيَادَةِ الِاخْتِصَاصِ مِنْهُ تَعَالَى لَهُمَا وَخُفْيِ أَلْطَافِهِ عِنْدَهُمَا، وَمَا خَالَلَ بَوَاطِنَهُمَا مِنْ أَسْرَارٍ إِلَهِيَّتِهِ، وَمَكْنُونِ غُيُوبِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
- أَوْ لِاسْتِصْفَائِهِ لَهُمَا، وَاسْتِصْفَاءِ قُلُوبِهِمَا عَمَّنْ سِوَاهُ، حَتَّى لَمْ يُخَالِلْهُمَا حُبٌّ لِغَيْرِهِ..
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: «الْخَلِيلُ» مَنْ لَا يَتَّسِعُ قَلْبُهُ لِسِوَاهُ..
وَهُوَ عِنْدَهُمْ معنى قوله ﷺ «٢»: «لو كنت متخذا خليلا
_________________
(١) «وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» سورة التغابن (١٤)
(٢) كما رواه البخاري: أن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر و
[ ١ / ٤١١ ]
لا تخذت أَبَا بَكْرٍ «١» خَلِيلًا لَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ» .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ «أَيُّهُمَا أَرْفَعُ دَرَجَةً.. الْخِلَّةُ أو درجة المحبه» ..
فجعلها بَعْضُهُمْ: «سَوَاءً فَلَا يَكُونُ الْحَبِيبُ إِلَّا خَلِيلًا وَلَا الْخَلِيلُ إِلَّا حَبِيبًا.. لَكِنَّهُ خَصَّ إِبْرَاهِيمَ بِالْخِلَّةِ وَمُحَمَّدًا بِالْمَحَبَّةِ» .
وَبَعْضُهُمْ قَالَ: «دَرَجَةُ الْخِلَّةِ أَرْفَعُ.. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ:
«لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي ﷿» فَلَمْ يَتَّخِذْهُ.. وَقَدْ أَطْلَقَ الْمَحَبَّةَ لِفَاطِمَةَ «٢» وَابْنَيْهَا وَأُسَامَةَ «٣» وَغَيْرِهِمْ..
وَأَكْثَرُهُمْ: جَعَلَ الْمَحَبَّةَ أَرْفَعَ مِنَ الْخِلَّةِ لِأَنَّ دَرَجَةَ الْحَبِيبِ نَبِيِّنَا أَرْفَعُ مِنْ دَرَجَةِ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَصْلُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إلى ما يوافق المحبّ «٤» .. ولكن هذا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٢) فاطمة بنت سيد الخلق محمد ﷺ وهي ومريم بنت عمران أفضل نساء العالمين زوجها النبي ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب وهي الوحيدة التي عاشت بعد أبيها ﵊ من أبنائه توفيت سنة ١١ هـ بعد وفاة رسول الله ﷺ بستة أشهر وقيل أقل من ذلك وكان عمرها ثلاثين سنة أو ما دون.
(٣) أسامة بن زيد بن حارثة الحب ابن الحب يكنى أبا محمد وأمه أم أيمن حاضنة النبي ﷺ ولد في الاسلام ومات النبي ﷺ وله عشرون سنة وكان قد أمره على جيش عظيم فمات قبل ان يتوجه فأنفذه أبو بكر وكان عمر يجله ويكرمه اعتزل الفتن بعد مقتل سيدنا عثمان الى ان مات في أواخر خلافة معاوية حيث نزل الى المدينة وبها توفي سنة ٥٤ هـ.
(٤) المحب: بضم الميم وفتح الحاء بمعنى المحبوب.
[ ١ / ٤١٢ ]
فِي حَقِّ مَنْ يَصِحُّ الْمَيْلُ مِنْهُ، وَالِانْتِفَاعُ بالوفق «١» وهي درجة المخلوق.. فأمّا الخالق فَمُنَزَّهٌ عَنِ الْأَغْرَاضِ.
- فَمَحَبَّتُهُ لِعَبْدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ سَعَادَتِهِ، وَعِصْمَتُهُ وَتَوْفِيقُهُ، وَتَهْيِئَةُ أَسْبَابِ الْقُرْبِ، وَإِفَاضَةُ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِ.. وَقُصْوَاهَا كَشْفُ الْحُجُبِ عَنْ قَلْبِهِ، حَتَّى يَرَاهُ بِقَلْبِهِ، وَيَنْظُرَ إِلَيْهِ بِبَصِيرَتِهِ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ «٢» .
«فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ» وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ هَذَا سِوَى التَّجَرُّدِ لِلَّهِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ. وَصَفَاءِ الْقَلْبِ لِلَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْحَرَكَاتِ لِلَّهِ.
كَمَا قالت عائشة «٣» ﵂: «كان خلقه الْقُرْآنُ..
بِرِضَاهُ يَرْضَى. وَبِسُخْطِهِ يَسْخَطُ» .
وَمِنْ هَذَا عبّر بعضهم عن الخلة بقوله:
_________________
(١) الوفق: بفتح الواو وسكون الفاء قبل القاف أي الموافق فسمي الفاعل بالمصدر او هو على أصله بمعنى الموافقة بين الشيئين وهذا الاخير خير
(٢) الحديث القدسي رواه البخاري.
(٣) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ١ / ٤١٣ ]
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلَا
فَإِذَا مَا نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي وَإِذَا مَا سَكَتُّ كُنْتَ الْغَلِيلَا «١»
فَإِذَا مَزِيَّةُ الخلّة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا محمد ﷺ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ الْمُنْتَشِرَةُ، الْمُتَلَقَّاةُ بِالْقَبُولِ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَكَفَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ «٢»» الْآيَةَ
حَكَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الْكُفَّارُ:
إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَتَّخِذَهُ حَنَانًا «٣» كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَمَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ غَيْظًا لَهُمْ، وَرَغْمًا عَلَى مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ:
«قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ «٤»» .
فَزَادَهُ شَرَفًا بِأَمْرِهِمْ بِطَاعَتِهِ، وَقَرْنِهَا بِطَاعَتِهِ ثُمَّ توعّدهم على التولّي عنه.
_________________
(١) وفي رواية الدخيلا والمراد بالغليل: بالغين المعجمة ما كان داخل القلب من قولهم تغلغل الماء وتغلل النبات إذا جرى تحته مستترا وكذا المراد بالدخيل ما هو داخل القلب والبدن لا الأجنبي.
(٢) «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» سورة آل عمران ٣٠.
(٣) حنانا: بفتحتين مخفف النون معناه الرحمة والاشفاق مأخوذ من الحنين وهو يكون مع صوت والمراد أن نعطف عليه ونجعله موضع الحنان والرحمة أي نتبرك ونتضرع به.
(٤) «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ» سورة آل عمران ٣٢.
[ ١ / ٤١٤ ]
بِقَوْلِهِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «١»» .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ «٢» بْنُ فُورَكٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَلَامًا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ المحبة والخلّة.. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهُ طَرَفًا يَهْدِي إِلَى مَا بَعْدَهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: «الْخَلِيلُ» يَصِلُ بِالْوَاسِطَةِ.. من قوله:
«وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٣»»:
«وَالْحَبِيبُ» يَصِلُ إِلَيْهِ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٤»» .
وَقِيلَ: «الْخَلِيلُ» الَّذِي تَكُونُ مَغْفِرَتُهُ فِي حَدِّ الطَّمَعِ مِنْ قَوْلِهِ:
«وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي «٥»» .
«وَالْحَبِيبُ» الَّذِي مَغْفِرَتُهُ فِي حَدِّ الْيَقِينِ مِنْ قَوْلِهِ:
«لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٦»» الآية
_________________
(١) سورة آل عمران ٣٢.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٩» رقم «٤» .
(٣) سورة الانعام ٧٥ «وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ»
(٤) سورة النجم ٩
(٥) سورة الشعراء ٨٢ «يَوْمِ الدِّينِ»
(٦) سورة الفتح ٢ «وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا»
[ ١ / ٤١٥ ]
«الخليل» قال: «وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ «١»»
«وَالْحَبِيبُ» قِيلَ لَهُ: «يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ «٢»»
فابتديء بالبشارة قبل السؤال.
«والخليل» قال يوم المحنة حسبي الله.
«والحبيب» قيل له «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ «٣»» .
«وَالْخَلِيلُ» قَالَ: «وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ «٤»»
«والحبيب» قيل له «وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «٥»»
أُعْطِي بِلَا سُؤَالٍ
«وَالْخَلِيلُ» قَالَ «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ «٦»»
«وَالْحَبِيبُ» قِيلَ لَهُ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ «٧»» .
_________________
(١) سورة الشعراء ٨٧
(٢) «وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» التحريم (٨) .
(٣) سورة الانفال ٦٤ «وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
(٤) سورة الشعراء ٨٤
(٥) سورة الانشراح ٤
(٦) سورة ابراهيم ٣٥ «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ»
(٧) سورة الاحزاب ٣٣ «وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»
[ ١ / ٤١٦ ]
وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب المقال من تفضيل المقامات والأحوال، و«كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا «١»» .
_________________
(١) سورة الإسراء ٨٤ «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ
[ ١ / ٤١٧ ]