وَأَمَّا الْجُودُ والكرم والسخاء والسماحة، ومعانيها مُتَقَارِبَةٌ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهَا بِفُرُوقٍ، فَجَعَلُوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فِيمَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ وَنَفْعُهُ، وَسَمَّوْهُ أَيْضًا جُرْأَةً، وَهُوَ ضِدُّ النَّذَالَةِ.
- وَالسَّمَاحَةُ: التَّجَافِي عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْمَرْءُ عِنْدَ غَيْرِهِ بِطِيبِ نَفْسٍ، وَهُوَ ضِدُّ الشَّكَاسَةِ «١» .
- وَالسَّخَاءُ: سُهُولَةُ الْإِنْفَاقِ، وَتَجَنُّبُ اكْتِسَابِ مَا لا يحمد، وهو ضد التقتير.
فكان ﷺ لَا يُوَازَى فِي هذه الأخلاق الكريمة. ولا يبارى «٢» .
_________________
(١) الشكاسه: سوء الخلق.
(٢) فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم.
[ ١ / ٢٣٠ ]
بهذا وصفه كل من عرفه.
عن ابن المنكدر «١» قال: سَمِعْتُ جَابِرَ «٢» بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «٣»:
«مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَا» .
وَعَنْ أَنَسٍ «٤» وَسَهْلِ «٥» بن سعد ﵄ مثله.
وقال «٦» ابن عباس «٧» ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ مَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الريح المرسلة.
_________________
(١) انفرد بابن المنكدر مسلم، ورواه البخاري عن جابر وابي المنكدر: محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي الحافظ عن أبيه وعن عائشة وابي هريرة رضي الله تعالى عنهما وأخرج له أصحاب الكتب الستة.
(٢) مرت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .
(٣) رواه البخاري في الأدب ومسلم في فضائله ﷺ. والترمذي في شمائله.
(٤) مرت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» وأخرج حديث أنس مسلم.
(٥) هو سهيل بن سعد الساعدي من مشاهير الصحابة يقال: كان اسمه «حزنا» فغيره النبي ﷺ. قال الزهري: مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة وذلك سنة ٩١ هـ.. وأخرج حديث سهل الدارمي والطيالسي.
(٦) كما روى عنه الشيخان.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ١ / ٢٣١ ]
وعن «١» أنس «٢» ﵁: أَنَّ رَجُلًا «٣» سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فرجع إلى قومه، وَقَالَ: أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يخشى فاقة.
- وأعطى غير واحد «٤» مئة من الإبل.
- وأعطى «٥» صفوان مئة ثم مئة.
وَهَذِهِ كَانَتْ خُلُقُهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ «٦» بْنُ نَوْفَلٍ: إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ «٧»، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ.
_________________
(١) كما رواه مسلم.
(٢) تقدمت ترجمته ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) هو صفوان بن أمية الجمحي القرشي.
(٤) كأبي سفيان، وابنه معاوية، ويزيد، ومع مئة كل واحد أوقية.. وكحكيم بن حزام، والحارث بن هشام.
(٥) كما رواه مسلم. وصفوان بن أمية الجمحي القرشي، كنيته أبو وهب اسلم يوم الفتح شهد حنينا والطائف وهو مشرك فلما أعطاه النبي ﷺ ما أعطاه قال: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم، روى له أصحاب الكتب الستة توفي في خلافة سيدنا معاوية بمكة سنة ٤٢ هـ.
(٦) هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى من أعقل أهل زمانه وأعلمهم، شاعر بليغ، تهود ثم تنصر وكان مترهبا، وآمن بنبوته ﷺ ولكنه لم يدرك زمن الرسالة ولذا فإن الاكثر على أنه صحابي. رآه النبي ﷺ في منامه في الجنة.
(٧) هذا بعض حديث صحيح رواه الشيخان. لكن قال السيوطي ﵀ في تخريجه: القائل له ﷺ هذا، إنما هو خديجة ﵂، والذي في صحيح البخاري وغيره أنه من قول خديجة.
[ ١ / ٢٣٢ ]
- ورد على هوازن «١» سباياها، وكانت سِتَّةَ آلَافٍ.
- وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ «٢» مِنَ الذَّهَبِ مَا لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ «٣» .
- وَحُمِلَ «٤» إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فقسمها، فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا.
- وَجَاءَهُ «٥» رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ، فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ قَضَيْنَاهُ» .
فَقَالَ له عمر «٦» ﵁: مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ «٧» مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا،
فتبسم ﷺ، وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وجهه «٨»، وقال: «بهذا أمرت»
_________________
(١) قبيلة تسكن منطقة حنين
(٢) مرت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
(٣) كما رواه البخاري عن أنس تعليقا.
(٤) على ما رواه أبو الحسن ابن الضحاك في شمائله عن الحسن مرسلا.
(٥) كما رواه الترمذي في شمائله، وقال الحلبي: هذا الرجل لا أعرفه.
(٦) مرت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٧) هو بلال، ولكنه من المهاجرين، وقد يجمع بأنهما قالا له
(٨) تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
[ ١ / ٢٣٣ ]
ذَكَرَهُ «١» التِّرْمِذِيُّ «٢» وَذُكِرَ «٣» عَنْ مُعَوِّذِ «٤» بْنِ عَفْرَاءَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ- يُرِيدُ طَبَقًا-، وَأُجْرِ زُغْبٍ «٥» - يُرِيدُ قِثَّاءً- فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا وَذَهَبًا.
قال «٦» أنس «٧» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ.
- والخبر بجوده ﷺ وكرمه كثير.
وعن «٨» أبي هريرة ﵁: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَاسْتَلَفَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نصف وسق، فجاء يَتَقَاضَاهُ فَأَعْطَاهُ وَسْقًا، وَقَالَ: «نِصْفُهُ قَضَاءٌ وَنِصْفُهُ نائل» .
_________________
(١) في كتاب الشمائل.
(٢) مرت ترجمته في ص «١٨١» رقم «٤» .
(٣) ذكره الترمذي في شمائله أيضا، وأخرجه الطبراني وأحمد عن الربيع بنت معوذ، وسنده حسن.
(٤) هو معوذ بن الحرث الأنصاري، تعاون مع أخيه في قتل عدو الله أبي جهل واستشهد في غزوة بدر نفسها.
(٥) زغب: صغار الريش.
(٦) فيما رواه الترمذي.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٨) هذا الحديث لا يعرف من رواه. وأبو هريرة تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
[ ١ / ٢٣٤ ]