وَأَمَّا خُلُقُهُ ﷺ فِي الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم:
فعن «١» عبد الله بن الْحَمْسَاءِ قَالَ «٢»: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْعٍ، قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَجِئْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: «يَا فَتَى لَقَدْ شققت عليّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» .
وعن «٣» أنس «٤» ﵁ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أتي بهدية،
_________________
(١) هذا الحديث رواه أبو داوود وهو من افراده، وأخرجه أيضا ابن منده في المعرفة، والخرائطي في مكارم الاخلاق.
(٢) العامري الصحابي وقد قيل إنه عبد الله بن أبي الجدعاء التميمي ويقال الكناني الذي ذكره البخاري في الصحابة.
(٣) كما رواه البخاري في الادب المفرد.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ٢٥٧ ]
قَالَ: اذْهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِ فُلَانَةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيقَةً لِخَدِيجَةَ، إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خَدِيجَةَ.
وعن «١» عائشة «٢» ﵂: قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَإِنْ كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها.
- وَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا «٣»، فَارْتَاحَ إِلَيْهَا «٤» .
- وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَهَشَّ لَهَا، وَأَحْسَنَ السُّؤَالَ عَنْهَا فَلَمَّا خَرَجَتْ، قَالَ: «إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ «٥»» .
وَوَصَفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: كَانَ يَصِلُ ذَوِي رَحِمِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ آلَ بني فلان ليسوا لي
_________________
(١) كما في الصحيحين.
(٢) تقدمت ترجمتها في ص (١٤٦) رقم (٥) .
(٣) وهي هالة بنت خويلد بن اسد ام ابي العاص بن الربيع، زوج زينب بنته ﷺ.
(٤) وهذا الحديث في البخاري.
(٥) رواه الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا.
[ ١ / ٢٥٨ ]
بِأَوْلِيَاءَ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» «١» .
- وقد «٢» صلى ﵊ بأمامة «٣» ابنة ابنته زينب «٤» يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قام حملها.
وعن «٥» أبي قتادة «٦»: جاء وَفْدٌ لِلنَّجَاشِيِّ «٧» فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْدِمُهُمْ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: نَكْفِيكَ.
فَقَالَ: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أُكَافِئَهُمْ» .
- وَلَمَّا جِيءَ بِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الشَّيْمَاءِ «٨» فِي سَبَايَا هَوَازِنَ، وَتَعَرَّفَتْ لَهُ، بَسَطَ لَهَا رداءه، وقال لها: «إن احببت أقمت
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) رواه الشيخان.
(٣) وهي بنت أبي العاص بن الربيع وكان ﷺ يحبها وتزوجها علي كرم الله وجهه بعد فاطمة ﵂ ثم تزوجها بعده المغيرة بن نوفل فماتت عنده.
(٤) هي أكبر بناته ﷺ تزوجها أبو العاص بن الربيع ابن خالتها أسر في بدر مع من أسر من المشركين وأطلقه رسول الله ﷺ، أسلم سنة سبع من الهجرة فرد النبي ﷺ عليه زينب بالنكاح الأول توفيت في حياة النبي ﷺ سنة ٨ هـ.
(٥) كما رواه البيهقي.
(٦) الحارث بن ربعي الصحابي الأنصاري فارس رسول الله ﷺ روى له أحمد وأصحاب السنن توفي سنة ٥٤ هـ.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٦٤» رقم «٢» .
(٨) واسمها جدامة وهي بنت حليمة السعدية وقيل أختها، أسلمت وأسلم أبوها الحارث حين قدم الى مكة المكرمة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
عندي مكرمة محبة، أَوْ مَتَّعْتُكِ وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِكِ» . فَاخْتَارَتْ قَوْمَهَا فَمَتَّعَهَا «١» .
وَقَالَ «٢» أَبُو الطُّفَيْلِ «٣»: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ «٤»، وَأَنَا غُلَامٌ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ مِنْهُ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُمُّهُ التي أرضعته.
وعن «٥» عمرو بْنِ السَّائِبِ «٦»: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا، فَأَقْبَلَ أَبُوهُ «٧» مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أقبل أخوه «٨» من الرضاعة، فقام ﷺ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
_________________
(١) الحديث رواه ابن اسحق والبيهقي.
(٢) رواه ابو داوود بسند حسن.
(٣) هو عامر بن واثلة وقد تقدمت ترجمته في ص «١٤٧» رقم «٢» .
(٤) وكان بالجعرانة يقسم لحما.
(٥) رواه أبو داوود مرسلا عنه.
(٦) من أجلة التابعين والثقات روى عن أسامة بن زيد وروى عنه جماعة وأخرج له أبو داوود.
(٧) هو الحارث بن عبد العزى، واختلف في اسلامه.
(٨) هو عبد الله بن الحارث.
[ ١ / ٢٦٠ ]
- وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَى ثُوَيْبَةَ «١»، مَوْلَاةِ أَبِي لَهَبٍ «٢» مُرْضِعَتِهِ بِصِلَةٍ وَكِسْوَةٍ، فَلَمَّا مَاتَتْ سَأَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهَا، فَقِيلَ: لَا أَحَدَ «٣»
وَفِي حَدِيثِ «٤» خَدِيجَةَ «٥» ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ له ﷺ: أبشر، فو الله لا يخزيك اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ «٦»، وتكسب المعدوم وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق.
_________________
(١) وهي جارية معتقة لأبي لهب أسلمت، وماتت بمكة بعد هجرته ﵊
(٢) ابو لهب عم النبي ﷺ واسمه عبد العزى وكنى بذلك لتوقد لونه وذكر القرآن بهذه الكنية للاشارة إلى انه جهنمي. مات بعد غزوة بدر.
(٣) الحديث رواه ابن سعد عن الواقدي عن غير واحد من أهل العلم.
(٤) كما رواه الشيخان.
(٥) الزوجة الاولى للنبي ﷺ وهي التي حملت معه الكثير من اعباء الدعوة الى الله تعالى في اول رسالته افضل نسائه ﵊ لما قاسته من الآلام وكابدته من العناء حتى ماتت ﵂ بعد حصار المسلمين في شعب بني هاشم وقبل الهجرة الى المدينة.
(٦) الكل: ثقيل الحمل، العاجز عن تحمله.
[ ١ / ٢٦١ ]