وَأَمَّا الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ.
- فَالشَّجَاعَةُ: فَضِيلَةُ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَانْقِيَادِهَا لِلْعَقْلِ.
- وَالنَّجْدَةُ: ثِقَةُ النَّفْسِ عِنْدَ اسْتِرْسَالِهَا إِلَى الْمَوْتِ، حَيْثُ يُحْمَدُ فِعْلُهَا دُونَ خَوْفٍ.
وَكَانَ ﷺ بالمكان الذي لا يجهل، وقد حَضَرَ الْمَوَاقِفَ الصَّعْبَةَ، وَفَرَّ الْكُمَاةُ «١» وَالْأَبْطَالُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَبْرَحُ، وَمُقْبِلٌ لَا يُدْبِرُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ، وَمَا شُجَاعٌ إِلَّا وَقَدْ أُحْصِيَتْ لَهُ فَرَّةٌ، وَحُفِظَتْ عَنْهُ جَوْلَةُ، سواه.
_________________
(١) الكماة: جمع كمي، وهو الشجاع المكمى في سلاحه والساتر لنفسه بدرعه.
[ ١ / ٢٣٥ ]
عن أبي إسحق «١»: سَمِعَ الْبَرَاءَ «٢» وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟!
قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ «٣» .
ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو «٤» سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا النبي لا كذب» .
وزاد غَيْرُهُ «٥» «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ» .
قِيلَ: فَمَا رؤي يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بغلته.
وذكر مسلم «٦» عن العباس «٧» ﵄ قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) أبو اسحق عمرو بن عبد الله السبعي الهمداني الكوفي تابعي جليل أحد أعلام الحديث أخذه عن عدة من الصحابة والتابعين، كان صواما قواما غازيا. أخرج له أصحاب الكتب الستة وله ترجمة في الميزان توفي سنة ١٢٧ هـ.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٤» .
(٣) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد ومسلم في المغازي والنسائي في السير.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٢٩» رقم «١» .
(٥) غير البراء.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «٢» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
[ ١ / ٢٣٦ ]
يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الْكُفَّارِ وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِهَا، أكفها إرادة أن لا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ، ثُمَّ نَادَى «يا للمسلمين» الحديث.
وَقِيلَ «١»: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَضِبَ- وَلَا يَغْضَبُ إِلَّا لِلَّهِ- لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ «٢» ابْنُ عُمَرَ «٣» ﵄: مَا رَأَيْتُ أَشْجَعَ وَلَا أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ ولا أرضى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ «٤» عَلِيٌّ «٥» ﵁: إِنَّا كُنَّا إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ- وَيُرْوَى اشْتَدَّ الْبَأْسُ- وَاحْمَرَّتِ الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا.
وقيل: كان الشجاع هو الذي يقرب مِنْهُ ﷺ إِذَا دَنَا العدو لقربه منه.
_________________
(١) كما في حديث ابن ابي هالة.
(٢) كما رواه الدارمي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .
(٤) كما رواه أحمد والنسائي والطبراني والبيهقي، وأخرج مسلم بعضه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
[ ١ / ٢٣٧ ]
وعن «١» أنس «٢» ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ.
لَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راجعا، قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الْخَبَرَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي «٣» طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
«لَنْ تُرَاعُوا» .
وَقَالَ «٤» عِمْرَانُ «٥» بْنُ حُصَيْنٍ: مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتِيبَةً إِلَّا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ.
- وَلَمَّا رَآهُ «٦» أُبَيُّ بْنُ «٧» خلف يوم أحد، وهو يقول: أين
_________________
(١) كما في حديث الشيخين.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي، كان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم، وكان يرمي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ في أحد توفي سنة ٥٠ هـ.
(٤) كما رواه أبو الشيخ في الأخلاق.
(٥) عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ويكنى أبا عبيد وكان اسلامه عام خيبر وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة. وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم توفي سنة ٥٢ هـ..
(٦) على ما رواه ابن سعد والبيهقي وعبد الرزاق مرسلا، والواقدي موصولا.
(٧) أبي بن خلف: من المؤذين للنبي ﷺ في مكة وهو الذي استثار عقبة بن أبي معيط حتى تفل في وجه النبي ﷺ فنزلت: «يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى -
[ ١ / ٢٣٨ ]
مُحَمَّدٌ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا وَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ افْتَدَى يَوْمَ بَدْرٍ: عِنْدِي فَرَسٌ أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرَقًا «١» مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: ﷺ «أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَلَمَّا رَآهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَدَّ أُبَيٌّ عَلَى فَرَسِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاعْتَرَضَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَكَذَا» أَيْ خَلُّوا طَرِيقَهُ، وَتَنَاوَلَ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ «٢» بْنِ الصِّمَّةِ، فَانْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرُوا عَنْهُ تَطَايُرَ الشُّعَرَاءِ «٣» عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ «٤» مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا وَقِيلَ: بَلْ كَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ.
فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ يَقُولُ: قتلني محمد.
_________________
(١) - يديه» الآية كما نزل فيه قوله تعالى: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ» الآية.. وهو الذي قتله النبي ﷺ كما ورد هنا فصدق فيه: «أشقى الناس من قتل نبيا أو قتله نبي» .
(٢) مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا.
(٣) الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك، يذكره ابن اسحاق في البدريين من بني عامر بن مالك بن النجار. وقد قتل ﵁ شهيدا مع من بعثهم الرسول ﷺ مع عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة يوم بئر معونة وغدر بهم عامر على رأس أربعة من أحد.
(٤) الشعراء: ذباب أحمر او أزرق يقع على الحيوان فيؤذيه.
(٥) تدأدأ: تدحرج.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وهم يقولون: لا بأس عليك.
فقال: لو كان مابي بِجَمِيعِ النَّاسِ لَقَتَلَهُمْ. أَلَيْسَ قَدْ قَالَ «أَنَا أَقْتُلُكَ» !! وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي.
فَمَاتَ بسرف «١»، في قفولهم إلى مكة.
_________________
(١) سرف: مكان على بعد ستة أميال من مكة كان فيه زواج ميمونة زوج النبي ﷺ في عمرة القضاء.
[ ١ / ٢٤٠ ]