وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.. تَفْجِيرُ الْمَاءِ بِبَرَكَتِهِ وَابْتِعَاثُهُ بِمَسِّهِ وَدَعْوَتِهِ.
فِيمَا رَوَى مَالِكٌ «١» فِي الْمُوَطَّإِ «٢» عَنْ «٣» مُعَاذِ «٤» بْنِ جَبَلٍ فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَأَنَّهُمْ وَرَدُوا الْعَيْنَ وَهِيَ تبضّ «٥» بشيء من ماء مثل
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤١» رقم «٣» .
(٢) الموطأ: كتاب ألفه الامام مالك جمع فيه أحاديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. مع أقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وسمي موطأ من التوطئة وهو التليين والتمهيد. وقد قال أبو جعفر المنصور للامام عند حجه.. أنه لم يبق من العلماء سواي وسواك.. أما أنا فاشتغلت بالسياسة عن التأليف، وأما أنت فاجعل للناس كتابا في الحديث يرجعون إليه. وتجنب فيه رخص ابن عباس وتشديدات ابن عمر ووطئه للناس توطئة.
(٣) ورواه مسلم. ولكن المؤلف أورده من الموطأ دونه لأن روايته له أعلى سندا عنده أو لترجيح روايته.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٣٧٩) رقم (٣) .
(٥) تبض: تقطر. مضارع بض بزنة رد بموحدة وضاد معجمة مشددة بض الماء إذا سال سيلانا قليلا.
[ ١ / ٥٥٥ ]
الشِّرَاكِ «١» .. فَغَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ «٢» ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَأَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتْ بِمَاءٍ كَثِيرٍ.. فَاسْتَقَى النَّاسُ..
قَالَ في حديث «٣» ابن إسحق «٤»: «فانخرق «٥» من الماء ماله حِسٌّ كَحِسِّ الصَّوَاعِقِ ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى ما هاهنا قد مليء جنانا..»
وفي حديث البراء «٦» .. وسلمة «٧» بْنِ الْأَكْوَعِ.. وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ: وهم أربع عشرة مئة.. وَبِئْرُهَا لَا تَرْوِي خَمْسِينَ شَاةً.. فَنَزَحْنَاهَا «٨» فَلَمْ نترك فيها قطرة.. فقعد رسول
_________________
(١) الشراك: بكسر الشين المعجمة وفتح الراء المهملة وألف وكاف وهو سير النعل الذي يكون على وجهه وشبهه به لقلته وضعف جريانه وليس بمعنى أخدود في الأرض.
(٢) أي في شيء من الأواني التي كانت معهم وليس فيه قلب وإن الأصل غرفوا في شيء حتى اجتمع ماء كثير.
(٣) فيما يرويه أهل المغازي عنه.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٧٣) رقم (٧) .
(٥) اتخزق: بنون وخاء معجمة وراء مهملة وقاف أي انفجر انفجارا شديدا.
(٦) تقدمت ترجمته في ص (١٤٦) رقم (٤) .
(٧) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي صحابي من الذين بايعوا تحت الشجرة غزا مع النبي ﷺ سبع غزوات منها الحديبية وخيبر وحنين وكان شجاعا بطلا راميا عداء، وهو ممن غزا أفريقية في أيام عثمان له (٧٧) حديثا وتوفي في المدينة.
(٨) نزحناها: أي أخرجنا جميع ما فيها من الماء بطينة.
[ ١ / ٥٥٦ ]
اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَاهَا «١» قال البراء- وأوتي بِدَلْوٍ مِنْهَا فَبَصَقَ..
فَدَعَا وَقَالَ سَلَمَةُ- فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا.. فَجَاشَتْ «٢» ..
فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وركابهم.. وفي غير هاتين الرِّوَايَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ «٣» فِي الْحُدَيْبِيَةِ: فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَوَضَعَهُ فِي قَعْرِ قَلِيبٍ «٤» لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ.. فَرُوِيَ النَّاسُ حَتَّى ضَرَبُوا بِعَطَنٍ «٥» وَعَنْ «٦» أَبِي قَتَادَةَ «٧» وَذَكَرَ: أَنَّ النَّاسَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ.. فَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ»
فَجَعَلَهَا فِي ضَبْنِهِ «٩» ثُمَّ الْتَقَمَ فَمَهَا.. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.. نَفَثَ فِيهَا أم لا..
فشرب الناس حتى رووا وملؤوا كل إناء معهم.. فخيّل إلي أنها
_________________
(١) جباها: بفتح الجيم والباء الموحدة مقصور وهو فم البئر وما حولها وبالكسر ما جمع فيها من الماء.
(٢) جاشت: أي فار ماؤها حتى ارتفع لفمها من جاشت القدر إذا غلت.
(٣) تقدمت ترجمته في ص (٢٥١) رقم (٤) .
(٤) قليب: بئر محفورة من غير بناء فإن بنيت فهي طوى ويذكر ويؤنث.
(٥) العطن: هو بفتح العين والطاء المهملنين موضع الإبل حول الماء لتبرك فيه إذا شربت لتعاد إلى الشرب مرة أخرى وهو ضرب مثل للاتساع والاستغناء. والمعنى حتى رووا
(٦) رواه البيهقي عنه.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢٥٩» رقم «٦» .
(٨) الميضأة: بكسر الميم وياء منقلبة عن واو لأنها آلة الوضوء وهي مقصورة وزنها مفعلة وقد تمد فوزنها مفعالة ودعا بمعنى طلب مطهرة ماء الوضوء فأتى بها.
(٩) ضبنه: بكسر الصاد المعجمة وسكون الباء الموحدة والنون وهو ما تحت الإبط قريب من الحضن.
[ ١ / ٥٥٧ ]
كَمَا أَخَذَهَا مِنِّي. وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ رَجُلًا.. وَرَوَى مِثْلَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «١» ..
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ «٢» حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ:
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِهِمْ مُمِدًّا «٣» لِأَهْلِ مُؤْتَةَ «٤» عِنْدَمَا بَلَغَهُ قَتْلُ الْأُمَرَاءِ- وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ مُعْجِزَاتٌ وَآيَاتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ- وَفِيهِ إِعْلَامُهُمْ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ الْمَاءَ فِي غَدٍ- وذكر حديث الميضأة- قال- والقوم زهاء ثلاث مئة» .
وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ «٥» . أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: «احْفَظْ عَلَيَّ مِيضَأَتَكَ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ- وَذَكَرَ نَحْوَهُ..» وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ «٦» عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَطَشٌ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِمْ فَوَجَّهَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَعْلَمَهُمَا أَنَّهُمَا يَجِدَانِ امْرَأَةً بِمَكَانِ كَذَا مَعَهَا بَعِيرٌ عَلَيْهِ مَزَادَتَانِ «٧» الْحَدِيثَ فَوَجَدَاهَا وَأَتَيَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.. فَجَعَلَ فِي إِنَاءٍ مِنْ مَزَادَتَيْهَا وقال: فيه: ما شاء الله
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٨» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٣) ممدا: مقويا ومعينا.
(٤) مؤتة: بضم الميم وسكون الواو وهي أرض من البلقاء وقرية بين تبوك وحوران من الشام.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «٢» .
(٦) كما في الصحيحين.
(٧) مزادتان: المزادة بفتح الميم ظرف من جلد يحمل فيه الماء كالقربة وهو من الزيادة لأنه زيد فيه جلد مع جلد لا من الزاد.
[ ١ / ٥٥٨ ]
أَنْ يَقُولَ.. ثُمَّ أَعَادَ الْمَاءَ فِي الْمَزَادَتَيْنِ.. ثم فتحت عزاليهما «١» .
وأمر الناس فماؤا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلّا ماؤوه.. قال عمران: ويخيل إِلَيَّ أَنَّهُمَا لَمْ تَزْدَادَا إِلَّا امْتِلَاءً.. ثُمَّ أمر فجمع المرأة مِنَ الْأَزْوَادِ حَتَّى مَلَأَ ثَوْبَهَا.. وَقَالَ: اذْهَبِي فَإِنَّا لَمْ نَأْخُذْ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا.. وَلَكِنَّ اللَّهَ سَقَانَا.. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ..
وَعَنْ سَلَمَةَ «٢» بْنِ الْأَكْوَعِ.. قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مِنْ وُضُوءٍ؟. فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ «٣» فِيهَا نُطْفَةٌ «٤» فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ..
فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا ندغفقه «٥» دغفقة أربع عشرة مئة.
وَفِي حَدِيثِ «٦» عُمَرَ «٧» فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ «٨» .. وَذَكَرَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْعَطَشِ: حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ ليخر يعيره فيعصر فرثه «٩» فيشربه..
_________________
(١) العزال: بكسر اللام جمع عزلاء وهو القربه كما تقدم.
(٢) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة غزا مع النبي ﷺ سبع غزوات، كان شجاعا بطلا راميا عداء توفي في المدينة سنة ٧٤ هـ.
(٣) الاداوة: بكسر الهمزة ودال مهملة أي إناء صغير من جلد يتخذ للماء.
(٤) نطفة: قليل من الماء.
(٥) ندغفقه: بضم النون وفتح الدال المهملة وسكون الغين المعجمة ثم فاء مسكورة وقاف أي بصبه صبا كثيرا.
(٦) رواه ابن خزيمة في صحيحه. والبيهقي والبزار عنه بسند صحيح.
(٧) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٨) وهي غزوة تبوك سنة ٩ للهجرة.
(٩) فرثه: ما في كرشه.
[ ١ / ٥٥٩ ]
فَرَغِبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الدُّعَاءِ.. فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتِ «١» السَّمَاءُ فانسكبت «٢» .. فملؤوا مَا مَعَهُمْ مِنْ آنِيَةٍ.. وَلَمْ تُجَاوِزِ الْعَسْكَرَ.
وعن عمر «٣» بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ «٤» قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَدِيفُهُ بِذِي الْمَجَازِ «٥»: عَطِشْتُ وَلَيْسَ عِنْدِي مَاءٌ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَرَبَ بِقَدَمِهِ الْأَرْضَ فَخَرَجَ الْمَاءُ فَقَالَ اشْرَبْ، وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ.. وَمِنْهُ الْإِجَابَةُ بِدُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ وَمَا جاء به..
_________________
(١) قالت السماء: أي غيمت وظهر فيها سحاب.
(٢) انسكبت: أي انسكب ماؤها.
(٣) عمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي الصحابي المشهور في الاحتجاج بعمر وهذا اختلاف وأقوال والأكثر على الاحتجاج وهو يروي عن أبيه وغيره وأخرج له أربعة من اصحاب السنن وهذا الحديث ليس فيها وتوفي سنة ثمان عشرة ومائة ودفن بالطائف.
(٤) وهو عم النبي ﷺ كان النصير والوالد للرسول الأعظم ولكنه كان على غير الايمان توفي سنة ١٠ للهجرة.
(٥) ذو المجاز: سوق عند عرفة وهو من أسواق الجاهلية.
[ ١ / ٥٦٠ ]