اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ صِفَاتَ جَمِيعِ الأنبياء والرسل، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، مِنْ كَمَالِ الْخَلْقِ، وَحُسْنِ الصُّورَةِ، وَشَرَفِ النَّسَبِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَجَمِيعِ الْمَحَاسِنِ هِيَ هَذِهِ الصِّفَةُ، لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْكَمَالِ.
وَالْكَمَالُ وَالتَّمَامُ الْبَشَرِيُّ، وَالْفَضْلُ، الْجَمِيعُ لَهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إِذْ رُتْبَتُهُمْ أَشْرَفُ الرُّتَبِ وَدَرَجَاتُهُمْ أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ.
- وَلَكِنْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» «١»
وَقَالَ «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ» «٢»
_________________
(١) البقرة «٢٥٢» .
(٢) الدخان «٣٢» .
[ ١ / ٢٩٠ ]
وقال ﷺ «١» «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» .
ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثِ «٢» «عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» .
وَفِي حَدِيثِ «٣» أبي هريرة «٤» ﵁: رَأَيْتُ مُوسَى، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ «٥»، رَجُلٌ «٦»، أَقْنَى «٧»، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ «٨» .
وَرَأَيْتُ عِيسَى، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ «٩»، كَثِيرُ خِيلَانِ «١٠» الْوَجْهِ، أحمر كأنما خرج من ديماس «١١» .
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) واختصره المصنف لطوله.
(٣) رواه الشيخان.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) ضرب: خفيف اللحم.
(٦) رجل: شعره بين الجعودة والسبوطة.
(٧) أقنى: طويل الانف مع ارتفاع وسطه ودقة ارنبته.
(٨) شنوءة: قبيلة من اليمن
(٩) ربعة: بين الطول والقصر.
(١٠) خيلان: جمع خال، وهي نقطة سوداء تسمى شامة.
(١١) ديماس: الستر الذي لا يرى الشمس. أو الحمام.
[ ١ / ٢٩١ ]
وَفِي حَدِيثٍ «١» آخَرَ: مُبَطَّنٌ مِثْلَ السَّيْفِ.
قَالَ: «وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ» .
وَقَالَ فِي حَدِيثٍ «٢» آخَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى: «كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ» .
وَفِي حَدِيثِ «٣» أَبِي هُرَيْرَةَ «٤»: عَنْهُ ﷺ «مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ لُوطٍ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذُرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ» وَيُرْوَى «فِي ثَرْوَةِ» أَيْ كَثْرَةٍ وَمَنَعَةٍ.
وَحَكَى «٥» التِّرْمِذِيُّ «٦» عَنْ «٧» قَتَادَةَ «٨»، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «٩» مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ «١٠» عن «١١» أنس «١٢»: ما بعث الله نبيا إلا
_________________
(١) قال الدلجي: لا أعرف من رواه.
(٢) رواه البخاري.
(٣) رواه ابو يعلى وابن جرير وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس ﵄ موقوفا.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) بل روى في الشمائل.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «٤» .
(٧) أي مرسلا.
(٨) تقدمت ترجمته في ص «٦٢» رقم «٣» .
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «١» .
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(١١) أي موقوفا.
(١٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
[ ١ / ٢٩٢ ]
حَسَنَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الصَّوْتِ، وَكَانَ نَبِيُّكُمْ أَحْسَنُهُمْ صَوْتًا ﷺ.
وَفِي حَدِيثِ «١» هِرَقْلَ «٢»: وَسَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَنْسَابِ قَوْمِهَا.
وَقَالَ تَعَالَى فِي أَيُّوبَ «٣»: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا. نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» «٤» .
وقال تعالى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ» إلى قوله: «وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»
«٥» .
وقال: «أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى» إلى «الصَّالِحِينَ» «٦» .
وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ «٧»» الآيتين.
_________________
(١) رواه الشيخان.
(٢) ملك الروم انئذ.
(٣) نبي من أنبياء الله تعالى ورسله ورد ذكره في القرآن الكريم واشتهر بجلده وصبره على البلاء.
(٤) سورة ص «٥٤» .
(٥) «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا، وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا» . سورة مريم من (١٢ إلى ١٥) .
(٦) «مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» آل عمران (٣٩)
(٧) «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» سورة آل عمران من (٣٣ إلى ٣٤) .
[ ١ / ٢٩٣ ]
وَقَالَ فِي نُوحٍ: «إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا «١»» .
وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ» إلى «الصَّالِحِينَ «٢»» .
وقال: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ» إلى «ما دُمْتُ حَيًّا «٣»»
وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى «٤»» الْآيَةَ..
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «٥»: «كَانَ مُوسَى رَجُلًا حَيِيًّا سَتِيرًا مَا يُرَى مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً» الْحَدِيثُ.
وَقَالَ تَعَالَى عنه: «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا «٦»» الْآيَةَ.
وَقَالَ فِي وَصْفِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ «٧»» .
_________________
(١) الاسراء رقم (٣) « ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا»
(٢) «عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» آل عمران (٤٥)
(٣) «وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» سورة مريم من ٣٠ إلى ٣١.
(٤) «فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا» سورة الأحزاب «٦٩» .
(٥) رواه الشيخان.
(٦) «وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ»، سورة الشعراء «٢١» .
(٧) سورة الشعراء «١٠٧» .
[ ١ / ٢٩٤ ]
وَقَالَ: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ «١»» .
وقال: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٢»» .
وَقَالَ: «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، كُلًّا هَدَيْنا» إلى قوله: «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٣»» .
- فَوَصَفَهُمْ بِأَوْصَافٍ جَمَّةٍ مِنَ الصَّلَاحِ، وَالْهُدَى، وَالِاجْتِبَاءِ، والحكم، والنبوة.
وقال: «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ عَلِيمٌ «٤»» و«حَلِيمٌ «٥»» .
وَقَالَ: «وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ» إلى «أَمِينٌ «٦»» .
_________________
(١) سورة القصص «٢٦» .
(٢) سورة الأحقاف «٣٥» .
(٣) سورة الانعام ٨٤- ٩٠ «وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ، وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» .
(٤) ليس في القرآن الكريم «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» بل الذي فيه «وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ» الذاريات «٢٨» .
(٥) الصافات «١٠١» .
(٦) «أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» الدخان ١٧- ١٨.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَقَالَ: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «١»» .
وَقَالَ فِي إِسْمَاعِيلَ «٢»: «إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ «٣»» الآيتين.
وفي موسى «٤» «إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا «٥»» .
وفي سليمان «٦»: «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ «٧»» .
وقال تعالى: «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ» الى «الْأَخْيارِ «٨»» .
وفي داوود «٩»: «إِنَّهُ أَوَّابٌ «١٠»» .
ثُمَّ قَالَ: «وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ «١١»»
_________________
(١) الصافات ١٠٢.
(٢) ابن ابراهيم رسولان من رسل الله عليهم الصلاة والسلام وهو أبو العرب لأنه تزوج من قبيلة جرهم.
(٣) «وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا» سورة مريم ٥٤.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٢» .
(٥) سورة مريم ٥١.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٦٩» رقم «٨» .
(٧) سورة ص ٣٠.
(٨) «إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» سورة ص ٤٥- ٤٧.
(٩) تقدمت ترجمته في ص «١٩٧» رقم «٦» .
(١٠) سورة ص ١٧.
(١١) سورة ص ٢٠.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَقَالَ عَنْ يُوسُفَ «١»: «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «٢»» .
وَفِي مُوسَى «٣»: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا «٤»» .
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ شُعَيْبٍ «٥»: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «٦»»
وقال «ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ «٧»» .
وقال: «وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا «٨»» .
وقال: «إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ «٩»» الآية.
قَالَ سُفْيَانُ «١٠»: هُوَ الْحُزْنُ الدَّائِمُ فِي آيٍ كثيرة ذكر فيها من
_________________
(١) بن يعقوب من رسل الله عليهم الصلاة والسلام ورد ذكره وقصته في سورة سميت باسمه في القرآن الكريم.
(٢) سورة يوسف ٥٥.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٢» .
(٤) سورة الكهف ٦٩.
(٥) رسول من رسل الله تعالى بعثه الله الى أهل مدين وأصحاب الأيكة وورد ذكره في القرآن الكريم وكان كثير الصلاة.. أهلك الله قومه بالزلزلة.
(٦) سورة القصص ٢٧.
(٧) سورة هود ٨٨.
(٨) سورة الأنبياء ٧٤.
(٩) «وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ» سورة الانبياء. ٩.
(١٠) تقدمت ترجمته في ص «١٨٦» رقم «٣» .
[ ١ / ٢٩٧ ]
خِصَالِهِمْ وَمَحَاسِنِ أَخْلَاقِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِمْ. وَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرٌ.
كَقَوْلِهِ «١» ﷺ: «إِنَّمَا الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بن اسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنُ نَبِيٍّ» .
وَفِي حَدِيثِ «٢» أَنَسٍ «٣»: «وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» .
وَرُوِيَ «٤»: أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ مَعَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْمُلْكِ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ تَخَشُّعًا وَتَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ «٥» يُطْعِمُ النَّاسَ لَذَائِذَ الْأَطْعِمَةِ، ويأكل خبز الشعير.
وأوحي إِلَيْهِ: يَا رَأْسَ الْعَابِدِينَ، وَابْنَ مَحَجَّةِ الزَّاهِدِينَ.
- وَكَانَتِ الْعَجُوزُ تَعْتَرِضُهُ، وَهُوَ عَلَى الرِّيحِ فِي جنوده،
_________________
(١) رواه البخاري وابن حبان والحاكم ثم الظاهر ان قوله نبي ابن نبي الخ مدرج في كلام الراوي، أو تفسير للقاضي والحديث في البخاري بدون هذه الزيادة وبدون كلمة «أنما» ..
(٢) رواه البخاري، وأوله: تنام عيني ولا ينام قلبي.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٤) رواه الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا
(٥) رواه احمد في الزهد عن فرقد السنجي
[ ١ / ٢٩٨ ]
فَيَأْمُرُ الرِّيحَ فَتَقِفُ فَيَنْظُرُ فِي حَاجَتِهَا وَيَمْضِي.
وقيل ليوسف: مالك تَجُوعُ وَأَنْتَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ؟!.
قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَشْبَعَ، فَأَنْسَى الْجَائِعَ.
وَرَوَى «١» أَبُو هُرَيْرَةَ «٢»، عَنْهُ ﷺ: «خُفِّفَ عَلَى داوود الْقُرْآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ «٣»» .
- وَكَانَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ عَمَلًا بِيَدِهِ يُغْنِيهِ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ ﷺ: «٤» «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ داوود. وأحبّ الصيام إلى الله صيام داوود. وكان يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَكَانَ يَلْبَسُ الصُّوفَ
_________________
(١) رواه البخاري عنه.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٣) سورة سبأ ١١.
(٤) رواه الشيخان وأحمد وأبو داوود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر ﵄.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَيَفْتَرِشُ الشَّعَرَ، وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ وَالرَّمَادِ «١»، ويمزج شرابه بالدموع، ولم يرضاحكا بَعْدَ الْخَطِيئَةِ، وَلَا شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ حياء من ربه ﷿، وَلَمْ يَزَلْ بَاكِيًا حَيَاتَهُ كُلَّهَا» .
وَقِيلَ «٢»: بَكَى حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ، وَحَتَّى اتَّخَذَتِ الدُّمُوعُ فِي خَدِهِ أُخْدُودًا.
وَقِيلَ «٣»: كَانَ يَخْرُجُ متنكرا يتعرف سيرته، فيسمع الثَّنَاءَ عَلَيْهِ فَيَزْدَادُ تَوَاضُعًا.
وَقِيلَ «٤» لِعِيسَى «٥» ﵇: لَوِ اتَّخَذْتَ حِمَارًا؟
قَالَ: أَنَا أَكْرَمُ على الله تعالى مِنْ أَنْ يَشْغَلَنِي بِحِمَارٍ.
- وَكَانَ «٦» يَلْبَسُ الشَّعَرَ، وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ النَّوْمُ نَامَ. وَكَانَ أَحَبُّ الْأَسَامِي إِلَيْهِ، أن يقال له:
يا «مسكين» .
_________________
(١) كما رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه ومجاهد موقوفا: وقوله: ولا شاخصا ببصره الى السماء، رواه أحمد في الزهد.
(٢) بل روى ابن أبي حاتم عن أنس ﵁ مرفوعا وعن مجاهد وغيره مرفوعا.
(٣) كما في الكشاف وغيره.
(٤) كما رواه احمد في الزهد وابن أبي شيبة في مصنفه.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٦) رواه احمد في الزهد عن عبيد بن عمير ومجاهد والشعبي وابن عساكر في تاريخه.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وَقِيلَ «١»: إِنَّ مُوسَى «٢» ﵇ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ كَانَتْ تُرَى خُضْرَةُ الْبَقْلِ فِي بطنه، من الهزال
وقال ﷺ «٣»: «لَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى أَحَدُهُمْ بِالْفَقْرِ وَالْقَمْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَطَاءِ إِلَيْكُمْ» «٤» .
وَقَالَ عِيسَى ﵇ لِخِنْزِيرٍ لَقِيَهُ: اذْهَبْ بِسَلَامٍ.
فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانَيِ الْمَنْطِقَ بِسُوءٍ.
وَقَالَ «٥» مُجَاهِدٌ «٦»: كَانَ طَعَامُ يَحْيَى «٧» الْعُشْبُ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى اتَّخَذَ الدَّمْعُ مَجْرًى فِي خَدِّهِ.
وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَ الْوَحْشِ لِئَلَّا يخالط الناس.
_________________
(١) كما رواه أحمد أيضا في الزهد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه موقوفا.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٢» .
(٣) رواه الحاكم وصححه عن أبي سعيد مرفوعا.
(٤) ولفظ الحديث ليس كما رواه المؤلف ﵀. وهو ما قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قلت: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال الانبياء. قلت: ثم من؟ قال العلماء. قلت ثم من؟ قال: الصالحون كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله ويبتلى بالفقر حتى لا يجد الا العباء يلبسها ولأحدهم اشد فرحا بالبلاء من أحدنا بالعطاء وهو صحيح على شرط مسلم.
(٥) رواه ابن أبي حاتم وأحمد في الزهد.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٢٠٨» رقم «٣» .
[ ١ / ٣٠١ ]
وحكى الطبري «١» عن وهب «٢»: أن موسى ﵇ كان يستظل «٣» بعريش، وكان يأكل فِي نُقْرَةٍ «٤» مِنْ حَجَرٍ، وَيَكْرَعُ «٥» فِيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ، كَمَا تَكْرَعُ الدَّابَّةُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ بِمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ.
- وَأَخْبَارُهُمْ فِي هَذَا كُلِّهِ مَسْطُورَةٌ، وَصِفَاتُهُمْ فِي الْكَمَالِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَحُسْنِ الصُّوَرِ وَالشَّمَائِلِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، فَلَا نُطَوِّلُ بِهَا وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَا تَجِدُهُ فِي كُتُبِ بَعْضِ جَهَلَةِ الْمُؤَرِّخِينَ والمفسرين مما يخالف هذا..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٦٢» رقم «١» .
(٣) هو بسقوط «لا» في أصل القاضي وثبوته في أصل العراقي.
(٤) النقرة: الحفرة.
(٥) يكرع: يأخذ الماء بقيه من غير كف ولا أناء فيشربه.
[ ١ / ٣٠٢ ]