أما وُفُورُ عَقْلِهِ، وَذَكَاءُ لُبِّهِ، وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ، وَفَصَاحَةُ لِسَانِهِ، وَاعْتِدَالُ حَرَكَاتِهِ، وَحُسْنُ شَمَائِلِهِ، فَلَا مِرْيَةَ «١» أَنَّهُ كَانَ أَعْقَلَ النَّاسِ وَأَذْكَاهُمْ.
- وَمَنْ تَأَمَّلَ تَدْبِيرَهُ أَمْرَ بَوَاطِنِ الْخَلْقِ، وَظَوَاهِرِهِمْ، وَسِيَاسَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، مَعَ عَجِيبِ شَمَائِلِهِ وَبَدِيعِ سِيَرِهِ، فَضْلًا عَمَّا أَفَاضَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَقَرَّرَهُ مِنَ الشَّرْعِ، دُونَ تَعَلُّمٍ سَبَقَ، وَلَا مُمَارَسَةٍ تَقَدَّمَتْ، وَلَا مُطَالَعَةٍ لِلْكُتُبِ مِنْهُ، لَمْ يَمْتَرِ فِي رُجْحَانِ عقله، وثقوب «٢» فهمه، لأول بديهة.
_________________
(١) مرية: شك.
(٢) ثقوب الفهم: يقال رجل ثاقب الرأي: أي نافذ الرأي ينظر فيه بدقة.
[ ١ / ١٦١ ]
- وهذا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ لِتَحَقُّقِهِ.
وَقَدْ قَالَ وَهْبُ «١» بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي أَحَدٍ وَسَبْعِينَ كِتَابًا، فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا، مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِهِ ﷺ، إِلَّا كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ «٢» مُجَاهِدٌ «٣»: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِذَا قَامَ فِي «٤» الصَّلَاةِ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ»» .
وفي الموطّأ «٦» عنه ﵊: «إنّي لأراكم من وراء ظهري» «٧» .
_________________
(١) وهب بن منبة، سيج، بفتح السين وسكون الياء، الأنباري اليماني وهو أبو عبد الله، تابعي مشهور بالمعرفة بالكتب القديمة. سمع عن بعض الصحابة، وروى عنهم واتفق على توثيقه وعبادته أخرج له أصحاب الكتب الستة توفي سنة ١١٤ هـ.
(٢) أي كما رواه عنه ابن المنذر والبيهقي مرسلا.
(٣) مجاهد: تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١» .
(٤) وفي نسخة (إلى) .
(٥) الشعراء (٢١٩) .
(٦) عن أبي هريرة ﵁.
(٧) وصدر الحديث (أترون قبلتكم هذه فو الله لا يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم)
[ ١ / ١٦٢ ]
وَنَحْوُهُ عَنْ أَنَسٍ «١» فِي الصَّحِيحَيْنِ «٢» .
وَعَنْ عَائِشَةَ «٣» مِثْلُهُ «٤» قَالَتْ: «زِيَادَةٌ زَادَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي حَجَّتِهِ»
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «٥»: «إِنِّي لَأَنْظُرُ مِنْ «٦» وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ مِنْ «٧» بَيْنِ يَدَيَّ» .
وَفِي أُخْرَى «٨»: «إِنِّي لَأُبْصِرُ مِنْ قَفَايَ كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» .
وَحَكَى بَقِيُّ «٩» بْنُ مَخْلَدٍ عن عائشة «١٠»: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ» «١١» .
- وَالْأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ الملائكة «١٢»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٢) وهو ما روياه عن أنس مرفوعا (أقيموا الركوع والسجود فو الله إني لأراكم من بعدي- وربما قال (من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم) .
(٣) مرت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٤) مثله لفظا ومعنى.
(٥) لعبد الرزاق والحاكم.
(٦) وفي نسخة (ما) والاحتمالان في (من) جائزان.
(٧) وفي نسخة (ما) والاحتمالان في (من) جائزان.
(٨) في رواية أخرى لمسلم.
(٩) بقي بن مخلد: هو الإمام أبو عبد الرّحمن القرطبي الجياني، الحافظ الزاهد العابد الثقة، وكان مجتهدا لا يقلد أحدا وكان مجاب الدعوة، يقال إنه كان يختم القرآن كل ليلة في ثلاث عشرة ركعة، حضر سبعين غزاة ولد سنة ٢٠١ هـ وتوفي سنة ٢٧٦ هـ.
(١٠) رواه ابن عدي والبيهقي وقال: إسناده ضعيف.
(١١) لعبد الرزاق والحاكم.
(١٢) كما في رواية البخاري وغيره «أنه رأى جبريل في صورته له ستمئة جناح على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق..» وقد رأى كثيرا منهم ليلة الاسراء.
[ ١ / ١٦٣ ]
والشياطين «١» .
- ورفع له النجاشي «٢» حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ «٣» .
- وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ «٤» حِينَ وَصَفَهُ لِقُرَيْشٍ.
- وَالْكَعْبَةِ حِينَ «٥» بَنَى مَسْجِدَهُ «٦»، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ «٧» ﷺ أَنَّهُ: «كَانَ يَرَى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ نَجْمًا.»
- وَهَذِهِ كلها محمولة على رؤية العين.
_________________
(١) حديث البخاري: «إن عفريتا تفلت علي البارحة في صلاة المغرب وبيده شعلة من نار ليحرق بها وجهي، فأمكنني الله منه فدفعته، ثم أردت أن أربطة بسارية من سواري المسجد، فذكرت دعوة أخي سليمان- وفي رواية- لولا دعوة أخي سليمان لأصبح يلعب به ولدان المدينة» .
(٢) النجاشي: واسمه أصحمة كتب الى الرسول ﷺ: أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا قد بايعتك وأسلمت لله رب العالمين توفي سنة ٩ هـ.
(٣) رواه الشيخان وغيرهما، وبه استدل الشافعي على جواز الصلاة على الغائب. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن حصين: «أنه ﷺ قال: «إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا وصلوا عليه، فقام ﵊ وصفوا خلفه فكبر أربعا وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه» .
(٤) كما في الصحيحين.
(٥) وفي نسخة (حتى) .
(٦) على ما رواه الزبير بن بكار في تاريخ المدينة، عن ابن شهاب ونافع بن جبير بن مطعم مرسلا، قال الدلجي: وهو غريب، والمعروف أن جبريل هو الذي أعلمه بها وأراه سمتها، لا أنها رفعت له حتى رآها، بشهادة ما في جامع العتيبة من سماع مالك قال: سمعت أن جبريل هو الذي أقام له قبلة مسجده. اه ولا يخفى أنه يمكن الجمع بينهما.
(٧) جاء ذلك في حديث ثابت من طريق العباس عمه ﵊ ذكره ابن خيثمة.
[ ١ / ١٦٤ ]
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ «١» حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ «٢» إِلَى رَدِّهَا إِلَى الْعِلْمِ.
- وَالظَّوَاهِرُ تُخَالِفُهُ، وَلَا إِحَالَةَ «٣» فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الأنبياء وخصالهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٤» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لما تجلّى الله ﷿ لِمُوسَى ﵇، كَانَ يُبْصِرُ النَّمْلَةَ عَلَى الصَّفَا، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، مَسِيرَةَ عَشَرَةِ فَرَاسِخَ» «٥» .
وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا، أَنْ يَخْتَصَّ نَبِيُّنَا ﷺ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَعْدَ الْإِسْرَاءِ وَالْحُظْوَةِ، بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى.
وَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ «٦» بِأَنَّهُ صَرَعَ رُكَانَةَ «٧»، أَشَدَّ أهل وقته
_________________
(١) أحمد بن حنبل: أبو عبد الله بن هلال بن أسعد الذهلي الشيباني، ولد في بغداد سنة ١٦٤ هـ ونشأفيها، وشغف بالسنة حتى صار إمامها في عصره، وتفقه بالشافعي وتوفي ٢٤١ هـ
(٢) كالنووي في شرح مسلم.
(٣) إحالته: استحالته.
(٤) مرت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) رواه الطبراني في الصغير بنحو هذا الاسناد وقال: لم يروه عن قتادة إلا الحسن. تفرد به هانىء.
(٦) كخبر أبي داود والترمذي.
(٧) «هو ركانة بن عبد يزيد بن هاشم القرشي، أسلم يوم الفتح، توفي بالمدينة سنة ٤٢ هـ.» .
[ ١ / ١٦٥ ]
وَكَانَ دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ «١» .
وَصَارَعَ أَبَا رُكَانَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ «٢»، وَكَانَ شَدِيدًا، وَعَاوَدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَصْرَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وقال «٣» أبو هريره»
: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْيِهِ، كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ؛ إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا، وَهُوَ غير مكترث؛ وفي صفته ﵊ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا، إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، وَإِذَا مَشَى مَشَى تَقَلُّعًا، «٥» كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ من صبب «٦» .
_________________
(١) قال الترمذي: إسناده ليس بالقائم، وقال البيهقي مرسل جيد. وروي باسناد موصولا، إلا أنه ضعيف.
(٢) قال الدلجي: هذا الخبر وخبر أنه صارع أبا جهل وصرعه لم يصحا بل لا أصل لهما. وفيه أنه في مراسيل أبي داود ويزيد بن ركانة أو ركانة بن يزيد على الشك. لكن الظاهر أن الصحيح ركانة كما قاله الحلبي وغيره لا كما قاله النووي إنه الصواب والله أعلم، نعم مصارعة أبي جهل لا تصح اتفاقا.
(٣) كما رواه الترمذي في شمائله والبيهقي في دلائله.
(٤) مرت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٥) رواه الترمذي في الشمائل، والتقلع: رفع الرجلين رفعا بائنا بدون اختيال.
(٦) الصبب: بتشديد الصاد وفتح الباء: ما انحدر من الارض.
[ ١ / ١٦٦ ]