وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ مِنَ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ مِنْ قَوْلِهِ: «دَنا فَتَدَلَّى «١» فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٢»»
فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّيَ مُنْقَسِمٌ مَا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَجِبْرِيلَ ﵉..
أَوْ مُخْتَصٌّ بأحدهما من الآخر..
أو من سدرة الْمُنْتَهَى.
قَالَ «٣» الرَّازِيُّ «٤» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٥» هُوَ محمد دنا فتدلى من ربه
_________________
(١) أي حيث الضمائر تعود إليه ﷺ لا إلى جبريل كما قيل.
(٢) سورة النجم (٩) .
(٣) كما رواه ابن أبي حاتم.
(٤) محمد بن عمر بن الحسن التميمي البكري ابو عبد الله فخر الدين الرازي، الامام المفسر أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الاوائل، قرشي النسب أصله من طبرستان، مولده في الري واليها نسبته توفي سنة ٦٠٦ هـ.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقيل: معنى «دنا» قرب و«تدلّى» زَادَ فِي الْقُرْبِ.
وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَيْ قَرُبَ.
وَحَكَى مَكِّيٌّ «١» وَالْمَاوَرْدِيُّ «٢» عَنِ «٣» ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» هُوَ الرَّبُّ دَنَا مِنْ مُحَمَّدٍ فَتَدَلَّى إِلَيْهِ.. أَيْ أَمَرَهُ وَحَكَمَهُ..
وَحَكَى النَّقَّاشُ «٥» عَنِ الْحَسَنِ «٦» قَالَ: «دَنَا» مِنْ عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ «فَتَدَلَّى» فَقَرُبَ مِنْهُ، فَأَرَاهُ مَا شَاءَ أَنْ يُرِيَهُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ..
قَالَ «٧» .. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٨»: هُوَ مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.. تَدَلَّى الرَّفْرَفُ «٩» لِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ فَدَنَا مِنْ رَبِّهِ..
قَالَ: «فَارَقَنِي جِبْرِيلُ، وَانْقَطَعَتْ عَنِّي الأصوات وسمعت كلام ربي ﷿» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٦١» رقم «٣» .
(٣) كما رواه ابن جرير.
(٤) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٩٠» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
(٧) الحسن او النقاش وهو الأقرب والأنسب.
(٨) تقدمت ترجمته في ص (٥٢) رقم (٦) .
(٩) الرفوف: وهو الباط مطلقا أو البساط الأخضر وقيل ما كان من الديباج.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وَعَنْ «١» أَنَسٍ «٢» فِي الصَّحِيح: «عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَيْهِ بِمَا شَاءَ.. وَأَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً «٣» ..
وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ..
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ «٤»: هُوَ مُحَمَّدٌ دَنَا مِنْ رَبِّهِ فكان قاب قَوْسَيْنِ.
وَقَالَ جَعْفَرُ «٥» بْنُ مُحَمَّدٍ: أَدْنَاهُ رَبُّهُ مِنْهُ حَتَّى كَانَ مِنْهُ كَقَابَ قَوْسَيْنِ وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَالدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ لَا حَدَّ لَهُ، وَمِنَ الْعِبَادِ بِالْحُدُودِ..
وَقَالَ أَيْضًا: انْقَطَعَتِ الْكَيْفِيَّةُ عَنِ الدُّنُوِّ.. أَلَا تَرَى كَيْفَ حَجَبَ جِبْرِيلُ عَنْ دُنُوِّهِ، وَدَنَا مُحَمَّدٌ إِلَى مَا أَوْدَعَ قَلْبَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ، فَتَدَلَّى بِسُكُونِ قَلْبِهِ إِلَى مَا أَدْنَاهُ، وَزَالَ عَنْ قلبه الشكّ والارتياب.
_________________
(١) أي مروي في صحيح البخاري على ما رواه شريك بن أبي غير.
(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) وهذا الحديث الصحيح من رواية شريك عن أنس. وقد استغرب الذهبي في الميزان هذا اللفظ. فقال بعد أن ذكر حديث الاسراء.. الى أن قال: ثم علا به فوق ذلك مما لا يعلمه الا الله. حتى جاء سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. وهذا من غرائب الصحيح.. كذا ذكره الحلبي.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٥٨» رقم «٣» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .
[ ١ / ٣٩٥ ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ إِضَافَةِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ هُنَا مِنَ اللَّهِ، أَوْ إِلَى اللَّهِ، فَلَيْسَ بِدُنُوِّ مَكَانٍ، وَلَا قُرْبِ مَدًى.. بَلْ كَمَا ذكرنا عن جعفر بن محمد الصَّادِقِ لَيْسَ بِدُنُوِّ حَدٍّ.. وَإِنَّمَا دُنُوُّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رَبِّهِ، وَقُرْبُهُ منه، إبانة «١» عظيم منزلته، وشريف رُتْبَتِهِ، وَإِشْرَاقُ أَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ، وَمُشَاهَدَةُ أَسْرَارِ غَيْبِهِ وَقُدْرَتِهِ.. وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مَبَرَّةٌ وَتَأْنِيسٌ وبسط وإكرام.
«يتأول فِيهِ مَا يُتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ «٢» . «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلى سماء الدُّنْيَا» عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ نُزُولَ إِفْضَالٍ «٣» وَإِجْمَالٍ «٤»، وَقَبُولٍ وَإِحْسَانٍ.
قَالَ الْوَاسِطِيُّ «٥»: مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ بنفسه دنا، جعل ثمّ مسافة بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا، يعني عَنْ دَرْكِ حَقِيقَتِهِ.
إِذْ لَا دُنُوَّ لِلْحَقِّ وَلَا بُعْدَ.
وَقَوْلُهُ «قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٦»» .
_________________
(١) الإبانة: بكسر الهمزة بمعنى الإظهار.
(٢) ما ورد في الكتب الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
(٣) إفضال: أي بتفضيله وإنعامه.
(٤) إجمال أي فعل جميل بهم على عادته.
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٩١» رقم «٤» .
(٦) سورة النجم ٩.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لَا إِلَى جِبْرِيلَ عَلَى هَذَا كَانَ عِبَارَةً عَنْ نِهَايَةِ الْقُرْبِ، وَلُطْفِ الْمَحَلِّ، وَإِيضَاحِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَعِبَارَةً عَنْ إِجَابَةِ الرَّغْبَةِ، وَقَضَاءِ المطالب وإظهار التحفّي..
وإنافة «١» المنزلة والرتبة مِنَ اللَّهِ لَهُ.
وَيُتَأَوَّلُ فِيهِ مَا يُتَأَوَّلُ فِي قَوْلِهِ «٢» «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ..
قُرْبٌ بِالْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ..
وَإِتْيَانٌ بِالْإِحْسَانِ وَتَعْجِيلِ الْمَأْمُولِ.
_________________
(١) إنافة: بمعنى اعلاء ورفع.
(٢) المروي في صحيح البخاري.
[ ١ / ٣٩٧ ]