وَأَمَّا مَا تَدْعُو ضَرُورَةُ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ، مِمَّا فصلناه فعلى ثلاثة أضرب:
- ضَرْبُ الْفَضْلِ فِي قِلَّتِهِ.
- وَضَرْبُ الْفَضْلِ فِي كثرته.
- وضرب تختلف الأحوال فيه
أ- فَأَمَّا مَا التَّمَدُّحُ وَالْكَمَالُ بِقِلَّتِهِ، اتِّفَاقًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، عَادَةً وَشَرِيعَةً، كَالْغِذَاءِ، وَالنَّوْمِ
وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ وَالْحُكَمَاءُ تَتَمَادَحُ بِقِلَّتِهِمَا، وَتَذُمُّ بِكَثْرَتِهِمَا لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دَلِيلٌ عَلَى النَّهَمِ وَالْحِرْصِ. وَالشَّرَهِ وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ مُسَبِّبٌ لِمَضَارِّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، جَالِبٌ لِأَدْوَاءِ الْجَسَدِ،
[ ١ / ١٨٤ ]
وَخَثَارَةِ «١» النَّفْسِ، وَامْتِلَاءِ الدِّمَاغِ. وَقِلَّتُهُ، دَلِيلٌ عَلَى الْقَنَاعَةِ وَمِلْكُ النَّفْسِ.
وَقَمْعُ الشَّهْوَةِ مُسَبِّبٌ لِلصِّحَّةِ، وَصَفَاءِ الْخَاطِرِ، وَحِدَّةِ الذِّهْنِ.
كَمَا أَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ دَلِيلٌ عَلَى الْفُسُولَةِ «٢» وَالضَّعْفِ، وَعَدَمِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ مُسَبِّبٌ لِلْكَسَلِ، وَعَادَةِ الْعَجْزِ، وَتَضْيِيعِ الْعُمْرِ فِي غَيْرِ نَفْعٍ، وَقَسَاوَةِ الْقَلْبِ، وَغَفْلَتِهِ وَمَوْتِهِ.
وَالشَّاهِدُ عَلَى هَذَا: مَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً، وَيُوجَدُ مُشَاهَدَةً، وَيُنْقَلُ مُتَوَاتِرًا، مِنْ كَلَامِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، والحكماء السالفين، وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَأَخْبَارِهَا وَصَحِيحِ الْحَدِيثِ، وَآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَخَلَفَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِشْهَادِ عليه، وإنما تركنا ذكره هنا. اخْتِصَارًا، وَاقْتِصَارًا عَلَى اشْتِهَارِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخَذَ مِنْ هَذَيْنِ الْفَنَّيْنِ بِالْأَقَلِّ هَذَا مَا لَا يُدْفَعُ مِنْ سِيرَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَحَضَّ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا بِارْتِبَاطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
_________________
(١) خثارة النفس: ثقلها وعدم نشاطها.
(٢) الفسولة: كل مسترذل رديء وكسل النفس.
[ ١ / ١٨٥ ]
عن المقدام بن «١» معدي كرب ﵁: أَنَّ»
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ. حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
وَلِأَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ «٣»: بِقِلَّةِ الطَّعَامِ يُمْلَكُ سَهَرُ اللَّيْلِ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تَأْكُلُوا كَثِيرًا، فَتَشْرَبُوا كَثِيرًا، فَتَرْقُدُوا كَثِيرًا، فَتَخْسَرُوا كَثِيرًا.
وَقَدْ رُوِيَ «٤» عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ: «كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى ضفف» أي كثرة الأيدي.
_________________
(١) المقدام بن معدي كرب الكندي، صحابي، نزل حمص، وأخرج له أصحاب السنن، وأحمد توفي سنة ٨٧ هـ.
(٢) رواه الترمذي والنسائي وابن حبان، وأخرجه المصنف- رحمه الله تعالى- عن الطبراني، ولم يروه عن الترمذي لأن سنده لمعجم الطبراني أعلى من غيره. والحديث صحيح.
(٣) سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله. الكوفي عالم عصره الزاهد المحدث أخرج له الأئمة الستة توفي سنة ١٦١ هـ.
(٤) ورواه جمع كأبي يعلى وغيره عن أنس وجابر ﵄ بسند جيد.
[ ١ / ١٨٦ ]
وعن عائشة «١» ﵂: لم «٢» يمتليء جَوْفُ النَّبِيِّ ﷺ شِبَعًا قَطُّ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ لَا يَسْأَلُهُمْ طَعَامًا وَلَا يَتَشَهَّاهُ، إِنْ أَطْعَمُوهُ أَكَلَ، وَمَا أَطْعَمُوهُ قَبِلَ، وَمَا سَقَوْهُ شَرِبَ
- وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ «٣» وَقَوْلِهِ «٤»:
«أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ «٥» فِيهَا لَحْمٌ» .
- إِذْ لَعَلَّ سَبَبَ سُؤَالِهِ ظَنُّهُ ﷺ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ، فَأَرَادَ بَيَانَ سُنَّتِهِ، إِذْ رَآهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوهُ إِلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْثِرُونَ عَلَيْهِ بِهِ، فَصَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّهُ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِهِ بِقَوْلِهِ:
«هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» .
وَفِي حِكْمَةِ لقمان «٦» ﵇: يا بني إذا امتلأت المعدة
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٢) قال الدلجي: لم أعرف من رواه. ويوجد شبهه في الجملة في حديث مسلم.
(٣) بريرة بنت صفوان، مولاة عائشة واختلف في أنها قبطية أو حبشية، وهي التي كان يجلس إليها عبد الملك بن مروان فتقول: يا عبد الملك إني أرى فيك خصالا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر فإن وليته فاحذر الدماء الخ
(٤) فيما رواه الشيخان.
(٥) البرمة: القدر.
(٦) لقمان بن عنقاء، قيل: إنه ابن أخت داود وعنه أخذ الحكمة، اختلف في أنه نبي أو ولي. والأكثرون على أنه ولي لحديث روي عن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكير، حسن اليقين أحب الله تعالى فأحبه، فمن عليه بالحكمة.. الحديث.. قيل: إنه عاش ألف سنة..
[ ١ / ١٨٧ ]
نَامَتِ الْفِكْرَةُ، وَخَرِسَتِ الْحِكْمَةُ، وَقَعَدَتِ الْأَعْضَاءُ عَنِ الْعِبَادَةِ.
وَقَالَ سَحْنُونُ «١»: لَا يَصْلُحُ الْعِلْمُ لِمَنْ يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ.
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ «٢» قَوْلُهُ ﷺ: «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا»
«وَالِاتِّكَاءُ»: هُوَ التَّمَكُّنُ لِلْأَكْلِ، وَالتَّقَعْدُدُ «٣» فِي الْجُلُوسِ لَهُ كَالْمُتَرَبِّعِ، وَشِبْهِهِ مِنْ تَمَكُّنِ الْجَلْسَاتِ، الَّتِي يَعْتَمِدُ فِيهَا الْجَالِسُ عَلَى مَا تَحْتَهُ وَالْجَالِسُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَسْتَدْعِي الْأَكْلَ وَيَسْتَكْثِرُ مِنْهُ.
- وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ جُلُوسُهُ لِلْأَكْلِ جُلُوسَ الْمُسْتَوْفِزِ مُقْعِيًا «٤» وَيَقُولُ «٥»: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» .
وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الِاتِّكَاءِ الْمَيْلُ عَلَى شِقٍّ عِنْدَ المحققين.
_________________
(١) هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، الفقيه المالكي، قاضي إفريقية، أدرك مالكا ولم يأخذ عنه، وألف المدونة في فقه مالك، وحصل له ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك توفي سنة ٢٤٠.
(٢) كما رواه البخاري.
(٣) والتقعدد تفعلل من القعود ومعناه التثبت والتمكن من القعود.
(٤) حديث «إنه كان يأكل مقعيا» أخرجه مسلم.
(٥) كما رواه البزار عن ابن عمر بسند ضعيف. وأبو بكر الشافعي في فوائده من حديث البزار إلى قوله كما يأكل العبد. وبقية الحديث من رواية ابن سعد وأبو يعلى بسند حسن عن عائشة ﵂ مرفوعا. وزاد الديلمي وابن أبي شيبة وابن عدي، «وأشرب كما يشرب العبد» .
[ ١ / ١٨٨ ]
- وَكَذَلِكَ نَوْمُهُ ﷺ كَانَ قَلِيلًا. شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ.
وَمَعَ ذَلِكَ فقد قَالَ ﷺ:
«إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» «١» .
- وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ اسْتِظْهَارًا عَلَى قِلَّةِ النَّوْمِ، لِأَنَّهُ على الجانب الأيسر أهنأ لهدوء القلب، وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة حِينَئِذٍ لِمَيْلِهَا إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ الِاسْتِثْقَالَ فِيهِ وَالطُّولَ. وَإِذَا نَامَ النَّائِمُ عَلَى الْأَيْمَنِ تَعَلَّقَ الْقَلْبُ وَقَلِقَ، فَأَسْرَعَ الْإِفَاقَةَ، وَلَمْ يغمره الاستغراق.
_________________
(١) كما رواه الشيخان.
[ ١ / ١٨٩ ]