وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشئه فمها لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَلَا بَيَانِ مُشْكِلٍ، وَلَا خَفِيٍّ مِنْهُ.
فَإِنَّهُ نُخْبَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وَسُلَالَةُ قُرَيْشٍ وَصَمِيمُهَا، وَأَشْرَفُ الْعَرَبِ وَأَعَزُّهُمْ نَفَرًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، مِنْ أَكْرَمِ بِلَادِ اللَّهِ عَلَى الله، وعلى عباده.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «١» ﵁: أَنَّ رسول الله ﷺ قال:
«بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فقرنا، حتى كنت في القرن الذي كنت منه» «٢» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .
(٢) حديث صحيح انفرد البخاري بإخراجه.
[ ١ / ١٨٠ ]
وَعَنِ الْعَبَّاسِ «١» ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ: «٢»
«إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ومن خَيْرِ قَرْنِهِمْ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوتَ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ. فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا، وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا» .
وعن وائلة «٣» بن الأصقع ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ «٤»: وَهَذَا حَدِيثٌ صحيح «٥» .
_________________
(١) العباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي ﷺ، وولد قبله بسنتين وكان اليه في الجاهلية السقاية والعمارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدرا مع المشركين مكرها فافتدى نفسه وعاد الى مكة، هاجر قبل الفتح وشهده، وثبت في حنين توفي في المدينة سنة ٣٢ هـ.
(٢) كما رواه البيهقي في دلائل النبوة، والترمذي وحسنه.
(٣) وهو أبو الأصقع الليثي، أسلم قبل تبوك وشهدها، وكان من أهل الصفة، خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، ومات سنة ٨٣ هـ وعمره مائة وخمس سنين.
(٤) هو أبو عيسى بن محمد بن عيسى الترمذي، ولد سنة ٢٠٩ هـ، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة. له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وكتابه الصحيح من أحسن الكتب وأكثرها فائدة، عرضه على علماء الأقطار فرضوا به.. قال: ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم توفي ب «ترمذ» سنة ٢٧٩ هـ..
(٥) وقد أخرجه مسلم في صحيحه.
[ ١ / ١٨١ ]
وَفِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ «١» عُمَرَ ﵄: رواه الطبراني «٢» أَنَّهُ ﷺ قَالَ «٣»: «إِنَّ الله ﷿ اخْتَارَ خَلْقَهُ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي آدَمَ، فَاخْتَارَ مِنْهُمُ الْعَرَبَ، ثُمَّ اختار العرب، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي هَاشِمٍ فَاخْتَارَنِي مِنْهُمْ.
فَلَمْ أَزَلْ خِيَارًا مِنْ خِيَارٍ.
أَلَا مَنْ أَحَبَّ الْعَرَبِ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ.»
وَعَنِ ابْنِ «٤» عَبَّاسٍ «٥»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَتْ رُوحُهُ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِهِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ.
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب، بن نفيل القرشي العدوي، ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي، وهاجر وهو ابن عشر سنين، رده النبي ﷺ في بدر وأحد ثم أجازه بالخندق.. وعن السدي قال رأيت نفرا من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي ﷺ ألا ابن عمر، ومات وهو مثل أبيه في الفضل. توفي سنة ٧٣ هـ..
(٢) هو محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف المشهورة، من أهل طبرستان كان كثير الطواف والعبادة، ولد سنة ٢٢٤ هـ وتوفي سنة ٣١٠ هـ..
(٣) في معجميه الكبير والأوسط.
(٤) أعلام تقدمت ترجمتة في ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) على ما رواه ابن أبي عمر والعدني في مسنده.
[ ١ / ١٨٢ ]
فقال رسول ﷺ: «فَأَهْبَطَنِي اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُلْبِ آدَمَ، وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ، وَقَذَفَ بِي فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُنِي مِنَ الْأَصْلَابِ الكريمة، والأرحام الطاهرة، حتى أخرجني من أَبَوَيَّ لَمْ يَلْتَقِيَا عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ» .
وَيَشْهَدُ بصحة هَذَا الْخَبَرِ شِعْرُ الْعَبَّاسِ «١»، الْمَشْهُورُ فِي مَدْحِ النبي ﷺ
***
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .
[ ١ / ١٨٣ ]