وَأَمَّا الْخِصَالُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَالْآدَابِ الشَّرِيفَةِ، الَّتِي اتَّفَقَ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ عَلَى تَفْضِيلِ صَاحِبِهَا، وَتَعْظِيمِ الْمُتَّصِفِ بِالْخُلُقِ الْوَاحِدِ مِنْهَا فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهُ، وَأَثْنَى الشَّرْعُ عَلَى جَمِيعِهَا وَأَمَرَ بِهَا، وَوَعَدَ السَّعَادَةَ الدَّائِمَةَ لِلْمُتَخَلِّقِ بِهَا، وَوَصَفَ بَعْضَهَا بِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ. وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ.
- وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي قُوَى النَّفْسِ، وَأَوْصَافِهَا وَالتَّوَسُّطُ فِيهَا، دُونَ الْمَيْلِ إِلَى مُنْحَرِفِ أَطْرَافِهَا.
- فَجَمِيعُهَا قَدْ كَانَتْ خُلُقَ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى الِانْتِهَاءِ فِي كَمَالِهَا، وَالِاعْتِدَالِ إِلَى غَايَتِهَا، حتى أثنى الله عليه بذلك.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فقال تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» «١» .
قالت عائشة «٢» ﵂: «كان «٣» خلقه الْقُرْآنَ، يَرْضَى بِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ بِسُخْطِهِ.
وَقَالَ ﷺ «٤»: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» .
قَالَ «٥» أَنَسٌ «٦»: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنُ النَّاسِ خُلُقًا» .
وَعَنْ عَلِيِّ «٧» بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِثْلُهُ «٨» .
وَكَانَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مَجْبُولًا عَلَيْهَا فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ، وَأَوَّلِ فِطْرَتِهِ، لَمْ تَحْصُلْ لَهُ بِاكْتِسَابٍ وَلَا رِيَاضَةٍ، إِلَّا بِجُودٍ إِلَهِيٍّ، وَخُصُوصِيَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ، وَهَكَذَا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثِهِمْ حَقَّقَ ذَلِكَ كَمَا عرف من
_________________
(١) سورة القلم رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) وقد سألها سعيد بن هشام. وهذا الحديث رواه بتمامه البيهقي في دلائل النبوة.
(٤) على ما رواه أحمد والبزار. ورواه مالك في الموطأ بلفظ يختلف قليلا وكذلك البغوي في شرح السنة.
(٥) على ما رواه الشيخان.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .
(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .
(٨) كما رواه أبو عبيد في الغر؟؟؟.
[ ١ / ٢٠٧ ]
حَالِ عِيسَى «١»، وَمُوسَى «٢»، وَيَحْيَى «٣»، وَسُلَيْمَانَ «٤»، وَغَيْرِهِمْ ﵈، بَلْ غُرِزَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ فِي الْجِبِلَّةِ، وَأُودِعُوا الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ فِي الْفِطْرَةِ.
قَالَ الله تعالى: «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»» .
قال المفسرون: أعطى الله يحيى «٦» ﵇ الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ صِبَاهُ.
وقال معمر «٧»: كان ابْنَ سَنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ «٨»، فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ لم لا تلعب؟! فقال: أللعب خلقت؟!
وقيل في قوله تعالى: «مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» «٩» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٢) رسول الله إلى بني اسرائيل ذكر في كتاب الله تعالى في مواضع عديدة وخاصة ما جرى له مع فرعون.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٩٦» رقم «٨» .
(٥) سورة مريم رقم «١٢» .
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٧) معمر بن راشد أبو عروة لأزوي المهلبي مولاهم، عالم اليمن، روى عن الزهري وغيره عنه وروى عنه كثير وأخرج له الأئمة الستة، له ترجمة في الميزان وتوفي سنة ١٥٣ هـ باليمن.
(٨) على ما رواه عنه أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم في تفسيره، والديلمي عن معاذ ولم يسنده، والحاكم في تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بسندواه.
(٩) سورة آل عمران «٣» .
[ ١ / ٢٠٨ ]
صدّق يحيى «١» بعيسى «٢»، ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ، فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَرُوحُهُ.
وَقِيلَ «٣»: صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى «٤» تَقُولُ لِمَرْيَمَ «٥»: إِنِّي أَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ تَحِيَّةً لَهُ.
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كَلَامِ عِيسَى «٦» لِأُمِّهِ، عِنْدَ وِلَادَتِهَا.
إِيَّاهُ، بقوله لها: «لا تحزني» «٧» عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ «٨» «مِنْ تَحْتِهَا» «٩»، وَعَلَى قول من قال «١٠»: إنّ المنادي عيسى «١١» ﵇.
وَنَصَّ عَلَى كَلَامِهِ فِي مَهْدِهِ، فَقَالَ: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» «١٢» .
وقال تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا «١٣»» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٣) كما في تفسير محمد بن جرير الطبري.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٤» .
(٥) مريم: امرأة صالحة من بني اسرائيل، أم سيدنا عيسى ﵊ عبدها النصارى وولدها من دون الله لغرابة ولادته من دون أب، وما دروا أن آدم ﵇ أشد غرابة في ذلك ولفتا للنظر ومع ذلك فإنه لم يعبد من دون الله.
(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(٧) سورة مريم «٢٤» .
(٨) كما قرأ به ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر.
(٩) سورة مريم «٢٤» .
(١٠) كأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد.
(١١) تقدمت ترجمته في ص «١٩٢» رقم «٥» .
(١٢) سورة مريم «٣٠» .
(١٣) سورة الأنبياء «٧٩» .
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ صَبِيٌّ يَلْعَبُ فِي قَضِيَّةِ الْمَرْجُومَةِ «١»، وَفِي قِصَّةِ الصَّبِيِّ «٢» ما اقتدى به داوود «٣» أبوه.
وقال الطبري «٤»: إن عمره حين أوتي الملك إثني عشر عاما.
_________________
(١) التي كان يراد رجمها. وهي ما رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى ابن عباس ﵄. والقصة كما حكاها التلمساني هي أن امرأة كانت بارعة الجمال وهي من أهل الدين رفعت قضية إلى أحد قضاة بني اسرائيل، فلما رآها افتتن بها. وراودها عن نفسها، فامتنعت ثم ذهبت لثان وثالث ورابع فكل راودها عن نفسها، فأتت لنبي الله داوود ﵊ فحجبت عنه فأجمع الأربعة أن يقولوا لداوود: إن لها كلبا تمكنه من نفسها، ويزني بها، ففعلوا فأمر برجمها فرجمت فبينما داوود ﵊ يوما في علية له مشرفا على صبيان يلعبون مع سليمان وفيهم صبي جميل فجعلوا سليمان قاضيا والصبي كامرأة زانية وأربعة منهم قضاة وفعلوا مثل تلك القصة بعينها، المراودة والتهمة كما في قصة المرجومة فعرفهم سليمان وقال لأحدهم ما لونه، فذكر لونا ودعا كلا بانفراده فذكر كل لونا مخالفا للآخر، فأمر الصبيان فضربوهم، فقال داوود لعل القضية هكذا فبعث للقضاة وسألهم عن لون الكلب على انفراد فأمر بهم فقتلوا» . والمراد بالمرجومة التي أريد رجمها لأن داوود هم برجمها ثم درأ عنها الحد وقال التيجاني: الله أعلم بصحته وقد ورد في الاسرائيليات على غير رواية ابن عساكر.
(٢) وهذه القضية رواها الشيخان عن أبي هريرة والقصة هي أنه «بينما امرأتان معهما ابنان لهما وأخذ ذئب أحدهما فتحا كما إلى داوود ﵊ فقضى به للكبرى فدعاهما سليمان ﵊ فقال: هاتوا سكينا أشقه بينهما فقالت الصغرى: رحمك الله هو ابنها لا تشقه فقضى به لها لشفقتها عليه وأرضى الأخرى ليتشار كافي المصيبة» وقال التيجاني: وهذا مما لا شبهة في صحته.
(٣) مرت ترجمته في ص «١٩٧» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
[ ١ / ٢١٠ ]
- وَكَذَلِكَ قِصَّةُ مُوسَى «١» مَعَ فِرْعَوْنَ «٢»، وَأَخْذِهِ بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْلٌ.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ» «٣»: أي هديناه صغيرا.
قال مُجَاهِدٌ «٤»، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٥»: اصْطَفَاهُ قَبْلَ خَلْقِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ «٦»: لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ «٧» ﵊ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا، يَأْمُرُهُ عَنِ اللَّهِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَلْبِهِ، وَيَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ. فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَفْعَلُ، فَذَلِكَ رُشْدُهُ.
_________________
(١) موسى: نبي من أنبياء الله تعالى من بني اسرائيل أرسله الى فرعون وقومه بآيات بينات ومعجزات ذكرها القرآن الكريم مفصلة في مواطن عديدة.
(٢) فرعون: لقب لكل ملك من ملوك القبط فإن أطلق فهو فرعون موسى لشهرته ولكثرة وروده في القرآن الكريم بهذا الاسم. واسمه كما يذكر المؤرخون وصعب بن الوليد بن ريان وكان من القبط العمالقة عمر أكثر من أربعمائة سنة والله تعالى أعلم.
(٣) سورة الأنبياء (٥١) .
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٧٠» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٦» .
(٦) كالكواشي وغيره.
(٧) هو أبو الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وذلك لكثرة الأنبياء من نسله ومنهم سيدنا محمد ﷺ وذلك من قوله «أنا دعوة أبي إبراهيم» .
[ ١ / ٢١١ ]
- وَقِيلَ: إِنَّ إِلْقَاءَ إِبْرَاهِيمَ «١» ﵇، فِي النَّارِ وَمِحْنَتَهُ كَانَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سنة.
- وإن ابتلاء إسحق «٢» بِالذَّبْحِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ «٣» .
- وَإِنَّ استدلال إبراهيم»
، بالكواكب وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، كَانَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةَ عَشَرَ شهرا.
وقيل: أوحى الله تعالى إِلَى يُوسُفَ «٥»، وَهُوَ صَبِيٌّ، عِنْدَمَا هَمَّ إِخْوَتُهُ بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» «٦» .
إلى غير ذلك مما ذكر مِنْ أَخْبَارِهِمْ.
وَقَدْ حَكَى أَهْلُ السِّيَرِ: أَنَّ آمنة بنت وهب، أخبرت أن
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢١١» رقم «٧» .
(٢) وهو ابن سيدنا ابراهيم عليهما الصلاة والسلام من زوجته السيدة سارة أما سيدنا اسماعيل فمن السيدة هاجر.
(٣) على خلاف في الذبيح وتوقف فيه الشيخ السيوطي في رسالة مستقلة بعد ذكره من الطرفين بعض الأدلة. لكن المشهور بل الصحيح أنه اسماعيل.
(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢١١» رقم «٧» .
(٥) ابن سيدنا يعقوب عليهما الصلاة والسلام صبر على السجن ثلاث عشرة سنة وصبر قبلها على كيد إخونة ثم أكرمه الله تعالى بالحكم والملك، توفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
(٦) سورة يوسف (١٥) .
[ ١ / ٢١٢ ]
نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ وُلِدَ حِينَ وُلِدَ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ «١» .
وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ «٢»: «لَمَّا نَشَأْتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ، وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ، وَلَمْ أَهُمَّ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ، فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ لَمْ أَعُدْ» .
- ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الأمر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عَلَيْهِمْ، وَتُشْرِقُ أَنْوَارُ الْمَعَارِفِ فِي قُلُوبِهِمْ، حَتَّى يصلوا إلى الْغَايَةَ، وَيَبْلُغُوا بِاصْطِفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْخِصَالِ الشَّرِيفَةِ النِّهَايَةَ، دُونَ مُمَارَسَةٍ، وَلَا رِيَاضَةٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا» «٣» .
- وَقَدْ نَجِدُ غَيْرَهُمْ يُطْبَعُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ دُونَ جَمِيعِهَا، وَيُولَدُ عَلَيْهَا، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ اكْتِسَابُ تَمَامِهَا، عِنَايَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
- كَمَا نُشَاهِدُ مِنْ خَلْقِهِ بَعْضَ الصِّبْيَانِ عَلَى حُسْنِ السمت،
_________________
(١) رواه ابن الجوزي في الوفاء عن أبي الحسين بن أسيد مرسلا.
(٢) رواه أبو نعيم في الدلائل عن شداد بن أوس ﵁.
(٣) القصص «١٤» .
[ ١ / ٢١٣ ]
أَوِ الشَّهَامَةِ، أَوْ صِدْقِ اللِّسَانِ أَوِ السَّمَاحَةِ، وَكَمَا نَجِدُ بَعْضَهُمْ عَلَى ضِدِّهَا.
فَبِالِاكْتِسَابِ يَكْمُلُ نَاقِصُهَا، وَبِالرِّيَاضَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ يُسْتَجْلَبُ مَعْدُومُهَا، وَيَعْتَدِلُ مُنْحَرِفُهَا، وباختلاف هذين الحالين يتفادى النَّاسُ فِيهَا، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
- ولهذا قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا، هَلْ هَذَا الْخُلُقُ جِبِلَّةٌ أَوْ مُكْتَسَبَةٌ؟
وَحَكَى الطَّبَرِيُّ «١» عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ جِبِلَّةٌ وَغَرِيزَةٌ فِي الْعَبْدِ.
وَحَكَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «٢» بْنِ مَسْعُودٍ والحسن «٣»، وبه قال هو.
- والصحيح ما أصّلناه.
_________________
(١) ابن جرير تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٢) عبد الله بن مسعود بن غافل أسلم قديما وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، ولازم النبي ﷺ، وكان صاحب نعليه وهو من الصحابة العبادلة. وهو أول من جهر بالقرآن بمكة. وقال النبي ﷺ فيه: من سره أن يقرأ القرآن غضا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» . توفي سنة ٣٢ هـ.
(٣) الحسن البصري تقدمت ترجمته في ص «٦٠» رقم «٨» .
[ ١ / ٢١٤ ]
وَقَدْ رَوَى سَعْدٌ «١» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ «٢»: «كُلُّ الْخِلَالِ يُطْبَعُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «٣» ﵁: فِي حَدِيثِهِ «٤»: وَالْجُرْأَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهُمَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ.
- وَهَذِهِ الأخلاق المحموده والخصال الجميلة الشريفة كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّنَا نَذْكُرُ أُصُولَهَا، وَنُشِيرُ إِلَى جَمِيعِهَا، وَنُحَقِّقُ وَصْفَهُ ﷺ بِهَا- إن شاء الله-.
_________________
(١) سعد بن أبي وقاص: وهو سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف، أحد العشرة وآخرهم موتا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة أهل الشورى مات بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلي عليه في المسجد وذلك سنة ٥٥ هـ.
(٢) كما في مقدمة كامل بن عدي، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي امامة. وهو حديث صحيح رواه أحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الايمان، ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت عن سعد مرفوعا وموقوفا. وقال الدارقطني: في العلل الموقوف أشبه.
(٣) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .
(٤) الذي رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وسعيد بن منصور عنه موقوفا.
[ ١ / ٢١٥ ]