إذَا تَقَرَّرَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ ثُبُوتُ نُبُوَّتِهِ وَصِحَّةُ رِسالَتِهِ وَجَبَ الإيمانُ بِهِ وَتَصْديقُهُ فِيمَا أَتَى بِهِ * قَالَ اللَّه تَعَالَى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أنزلنا)، وَقَالَ: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وَقَالَ (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ) الآيَةَ، فالايمانُ بالنبيّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَاجِبٌ مُتَعَيّنٌ لَا يَتِمّ إيمَانٌ إلَّا بِهِ وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامٌ إلَّا مَعَهُ قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا
[ ٢ / ٢ ]
للكافرين سعيرا) * حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُشَنِيُّ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا إِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَمْرَوَيْهِ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يشهدوا أن لا إلا إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) * قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّه، وَالْإِيمَان بِهِ ﷺ هُوَ تَصْدِيقُ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَةِ اللَّه لَهُ وَتَصْدِيقُهُ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَمَا قَالَهُ وَمُطَابَقَةُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِذَلِكَ شَهَادَة اللّسَانِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَإِذَا اجْتَمَعَ التَّصْدِيقُ بِهِ بالْقَلْبِ وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ بِذَلِكَ بِاللّسَانِ تم الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ لَهُ كَمَا وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نفسِهِ من رِوايَةِ عَبْد اللَّه بن عُمَرَ ﵄ (أُمِرْتُ) أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أن لا إله إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه) وَقَدْ زَادَهُ وُضُوحًا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِذْ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَام فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ (أنْ تَشْهَدَ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه) وَذَكَرَ أَرْكَانَ الْإِسْلَام ثُمَّ سَألَهُ عَنِ الْإِيمَان فَقَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) الْحَدِيثَ، فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْإِيمَان بِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَقْدِ بِالْجِنَانِ وَالْإِسْلَام بِهِ مُضْطَرٌ إِلَى النُّطْقِ باللسان
_________________
(١) (قوله ابن بسطام) بكسر الموحدة وفتحها. (*)
[ ٢ / ٣ ]
وَهَذِهِ الْحَالَةُ الْمَحْمُودَةُ التامة، وأما الحال الْمَذْمُومَةُ فالشَّهَادَةُ بِاللَّسَانِ دُونَ تَصْدِيق الْقَلْبِ وَهَذَا هُوَ النّفَاقُ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لكاذبون) أَيْ كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ وَتَصْدِيِقهِمْ وَهُمْ لَا يَعْتَقدُونَهُ فَلَمّا لَمْ تُصَدّقْ ذَلِكَ ضَمَائِرُهُمْ لَمْ يَنْفَعْهُمْ أنْ يَقُولُوا بِألْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فَخَرَجُوا عَنِ اسْمِ الْإِيمَان وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ حُكْمُهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إيمَانٌ وَلَحِقُوا بِالْكَافِرينَ فِي الدّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَبَقِيَ عَلَيْهِم حُكْمُ الْإِسْلَام بإظْهَارِ شَهَادَةِ اللّسَانِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا الْمُتَعَلّقَةِ بِالْأَئِمَّةِ وَحُكَّامِ المسلمن الَّذِينَ أَحْكَامُهُمْ عَلَى الظَّوَاهِرِ بِمَا أظْهَرُوهُ من عَلَامَةِ الْإِسْلَام إِذْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْبَشَر سَبِيلٌ إلى السَّرَائِرِ وَلَا أُمِرُوا بِالْبَحْثِ عَنْهَا بَلْ نَهى النَّبِيّ ﷺ عَنِ التَّحَكُّمِ عَلَيْهَا وَذَمَّ ذَلِكَ وَقَالَ (هلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَقْدِ مَا جُعلَ فِي حَدِيث جِبْرِيلَ: الشّهَادَةُ مِنَ الْإِسْلَام وَالتّصْدِيقُ مِنَ الْإِيمَان، وَبَقِيَتْ حَالَتَان أُخْرَيَانِ بَيْنَ هذَيْنِ إحْدَاهُمَا: أنْ يُصَدّقَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يُخْتَرَمَ قَبْلَ اتسّاع وَقْتٍ للشهادة بلسانه فاحتلف فِيهِ فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ من تَمَامِ الْإِيمَان الْقَوْلَ وَالشَّهَادَةَ بِهِ وَرَآهُ بَعْضُهُمْ مُؤْمِنًا مُسْتَوجِبًا لِلْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ (يَخْرُجُ مِن النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرّةِ مِنْ إِيمَانٍ فَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى مَا فِي الْقَلْبِ وهذا مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ غَيْرُ عَاصٍ وَلَا مَفَرّطٍ بِتَرْكِ غَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ في هذا الوجه.
الثانية
_________________
(١) (قوله ثم يخترم) بضم أوله وسكون المعجمة مبنى للمفعول. (*)
[ ٢ / ٤ ]
أنْ يُصَدّقَ بِقَلْبِهِ وَيُطَوّلَ مَهَلَهُ، وَعَلِمَ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا
جُمْلَةً وَلَا اسْتَشْهَدَ فِي عُمُرِهِ وَلَا مَرَّة، فَهَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ أيْضًا فَقِيلَ هُوَ مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُ مُصَدّقٌ وَالشَّهَادَةُ من جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فَهُوَ عَاصٍ بِتَرْكهَا غَيْرُ مُخَلَّدٍ، وَقِيلَ لَيْسَ بِمُؤْمِن حَتَّى يقارن عقده شاهدة اللّسَانِ، إِذِ الشَّهَادَةُ إنْشَاءُ عَقْدٍ وَالتِزَامُ إيمانٍ وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ مَعَ العَقْدِ وَلَا يَتِم التَّصْدِيقُ مَعَ المُهْلَةِ إلَّا بِهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا نَبْذٌ يُفْضِي إِلَى مُتّسَعٍ مِنَ الْكَلَام فِي الْإِسْلَام والإيمان أبوابهما وَفِي الزّيَادَةِ فِيهِمَا وَالنُّقْصَانِ، وَهَل التَّجَزّي مُمْتَنعٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ لَا يَصِحُّ فِيهِ جُمْلَةً وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى مَا زَادَ عَلَيْهِ من عَمِل، أَوْ قَدْ يُعْرَضُ فِيهِ لاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ وَتَبَايُنِ حَالاتَهِ من قُوَّةِ يَقِينٍ وَتَصْمِيمِ اعْتِقَادٍ وَوُضُوحِ مَعْرفَةٍ وَدَوَامِ حَالَةٍ وَحُضُورِ قَلْبٍ؟ وَفِي بَسْطِ هَذَا خُرُوجٌ عَنْ غَرَضِ التَّأْلِيفِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا غُنيَةٌ فيما قَصَدْنَا إنْ شَاءَ الله تعالى
_________________
(١) (قوله مهله) المهل بفتح الميم والهاء النؤدة (قوله مع المهلة) بضم الميم وإسكان الهاء هي الاسم من أمهله إذا أنظره (قوله وهذا نبذ) بفتح النون وسكون الموحدة بعدها ذال معجمة أي شئ يسير وفى بعض النسخ وهذه نبذ بضم النون وفتح الموحدة جمع نبذة وهى القطعة (قوله أَوْ قَدْ يُعْرَضُ فيه) في الصحاح عرض له أمر كذا يعرض أي ظهر وعرض العود على الإناء والسيف على فخذه يعرضه ويعرضه أيضا فهذه وحدها بالضم وعرضت له القول وعرضت أيضا بالكسر يقال مرنى فلان فما عرضت وما عرضت ولا يعرض له ولا يعرض له لغتان جيدتان (*)
[ ٢ / ٥ ]