قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)
اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي هَذَا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ ﷻ بِمُدَّةِ حَيَاةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه
_________________
(١) (قَوْله من الوصم) أي من العيب (قوله عزاه) بتشديد الزاى: أي صبره. (*)
[ ١ / ٣١ ]
وَسَلَّمَ، وَأَصْلُهُ ضَمُّ الْعَيْنِ مِنَ الْعُمُرِ وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ، وَمَعْنَاهُ: وَبَقَائُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقِيلَ وعيشك، وقيل: وحياتك، وَهَذِهِ نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَغَايَةُ الْبِّرِ وَالتَّشْرِيفِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَا خَلَقَ
اللَّهُ تَعَالَى وَمَا ذَرَأَ وَمَا بَرَأَ نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَمَا سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرَهُ، وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ: مَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ لأَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَرِيَّةِ عِنْدَهُ، وقال تعالى (يس والقرآن الحكيم) الآيَاتُ، اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى (يس) عَلَى أَقْوَالٍ، فَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ ذكر منها منها أن طَه وَيس اسْمَانِ لَهُ، وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرحمان السُّلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أنَّهُ أرَادَ يَا سَيَّدُ مُخَاطَبَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ (يس) يَا إِنْسَانُ أرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَقَالَ هُوَ قَسَمٌ وَهُوَ مِنْ أسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ الزَّجَّاجُ قِيلَ مَعْنَاهُ يَا مُحَمَّدُ وَقِيلَ يَا رَجُلُ وَقِيلَ يَا إِنْسَانُ، وَعَنِ ابْنِ الحنفية يس يَا مُحَمَّدُ وَعَنْ كَعْبٍ يس قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالأرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ لمن المرسلين،
_________________
(١) (قوله أبو الجوزاء) هو بفتح الجيم فواو ساكنة فزاى فهمزة ممدودة: أوس بن عبد الله الربعي البصري يروى عن عائشة وغيرها، وأما أبو الحوراء بالحاء المهملة والراء فراوي حديث القنوت (قوله الزجاج) هو أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ النحوي، إليه ينسب عبد الرحمن الزجاجي صاحب الجمل. (*)
[ ١ / ٣٢ ]
ثم قال (والقرآن الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين) فَإِنْ قُدِّرَ أنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ وَصَحَّ فِيهِ أنَّهُ قَسَمٌ كَانَ فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا تَقَدَّمَ وَيُؤَكِّدُ فِيهِ الْقَسَمَ عَطْفُ الْقَسَمِ الآخَرِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنى النِّدَاءِ فَقَدْ جَاءَ قَسَمٌ آخَرُ بَعْدَهُ لِتَحْقِيقِ رِسَالَتِهِ وَالشَّهَادَةِ بِهِدَايَتِهِ أقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى باسْمِهِ وَكِتَابِهِ أنَّهُ لَمِنَ المُرْسِلِينَ بِوَحْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ وَعَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مِنْ إِيمَانِهِ أَيْ طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ولا عُدُولَ عَنِ الْحَقَّ، قَالَ النَّقَّاشُ: لَمْ يُقْسِمِ اللَّهُ تَعَالَى لأَحَدٍ مِنَ أَنْبِيَائِهِ بِالرِّسَالَةِ فِي كِتَابِهِ إلَّا لَهُ.
وفِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَمْجِيدِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مِنْ قَالَ أنَّهُ يَا سَيِّدُ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ (أنَا سيد وَلَدِ آدَمَ وَلَا فخر) وَقَالَ تَعَالَى (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البلد) قِيلَ لَا أُقْسِمُ بِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْهُ حكَاهُ مَكِّيٌّ، وَقِيلَ لَا زَائِدَةٌ أَيْ أُقْسِمُ بِهِ وَأَنْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ حَلالٌ أَوْ حِلٌّ لَكَ مَا فَعَلْتَ فِيهِ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَكَّةُ، وَقَالَ الواسى أي يحلف لَكَ بِهَذَا الْبَلَدِ الَّذِي شَرَّفْتَهُ بِمَكَانِكَ فِيهِ حَيًّا وَبِبَرَكَتِكَ مَيِّتًا يَعْنِي الْمَدِينَةَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لأَنَّ السُّورَةَ مَكِيَّةٌ وَمَا بَعْدَهُ يُصَحِّحُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (حِلٌّ بِهَذَا البلد) وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَطَاءٍ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) قَالَ أَمَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَقَامِهِ فِيهَا وَكَوْنِهِ بِهَا فَإِنَّ كَوْنُهُ أَمَانٌ حَيْثُ كان
_________________
(١) (قوله قال النقاش) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن مُحَمَّدُ بن زِيَادٍ الموصلي البغدادي المقرى المفسر. (٣ - ١) (*)
[ ١ / ٣٣ ]
ثم قال تعالى (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) مَنْ قَالَ أَرَادَ آدَمَ فَهُوَ عَامٌّ وَمَنْ قَالَ هُوَ إبْرَاهِيمُ وَمَا وَلَدَ فَهِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِشَارَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَتَضَمَّنُ السُّورَةُ الْقَسَمَ بِهِ ﷺ فِي مَوْضِعَيْنِ * وَقَالَ تَعَالَى (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) قال ابن عباس هذه الحروف أقسام أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَعَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: الْأَلِفُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللامُ جبرئيل وَالْمِيمُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى سَهْلٍ وَجَعَلَ مَعْنَاهُ اللَّهُ أَنْزَلَ جِبْرِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْقُرْآنِ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَعَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ ثُمَّ
فِيهِ مِنْ فَضِيلَةِ قِرَانِ اسْمِهِ بِاسْمِهِ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ ابن عطاء في قوله تعالى (ق والقرآن المجيد) أَقْسَمَ بِقُوَّةِ قَلْبِ حَبِيبِه مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ حَمَلَ الْخِطَابَ وَالمُشَاهَدَةَ وَلَمْ يُؤْثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ لِعُلُوِّ حَالِهِ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي تَفْسِيرِ (وَالنَّجْمِ إذا هوى) أنه محمد ﷺ وَقَالَ: النَّجْمُ قَلْبُ مُحَمَّدٍ ﷺ، هَوَى انْشَرَحَ مِنَ الْأَنْوَارِ وَقَالَ انْقَطَعَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ) الْفَجْرُ مُحَمَّدٌ ﷺ لأَنَّ مِنْهُ تَفَجَّرَ الْإِيمَانُ.
[ ١ / ٣٤ ]