قَالَ تَعَالَى (طه مَا أَنْزَلْنَا عليك القرآن لتشقى) قِيلَ طَهَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَا رَجُلُ وَقِيلَ يَا إِنْسَانُ وَقِيلَ هِيَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ لِمَعَانٍ، قَالَ الوَاسِطِيُّ أَرَادَ يَا طَاهِرُ يَا هَادِي وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ مِنَ الْوَطْءِ وَالْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَرْضِ أَيِ اعْتَمِدْ عَلَى الْأَرْضِ بِقَدَمَيْكَ وَلَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ بِالاعْتِمَادِ عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى) نَزَلَتِ الآيَةُ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَكَلَّفَهُ مِنَ السَّهَرِ وَالتَّعَبِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْقَاضِي أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ إِجَازَةً وَمِنْ أَصْلِهِ نَقَلْتُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الحافظ
_________________
(١) (قوله من الوطء) هو بفتح الواو وسكون المهملة وبهمزة: الاعتماد على القدم (قوله أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن) هو الفقيه القاضى ابن عبد الرحمن بن على بن سيرين أحد العلماء الصلحاء من رجال الأندلس، صحب القاضى أبا الوليد الباجى واختص به (قوله الباجى) هو الإمام صاحب التصانيف أَبُو الْوَلِيدِ سُلَيْمَانُ بن خلف بن سعد ابن أيوب، أصله من مدينة بطليوس وانتقل جده إلى مدينة باجة التى بقرب أشبيلية ونسب إليها، وقيل هو من باجة القيروان التى ينسب إليها أبو محمد الباجى الحافظ، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
[ ١ / ٤١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَمَوِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ الشَّاشِيُّ حدثنا عبد ابن حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الْأُخْرَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (طه) يَعْنِي طَإِ الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ (مَا أنزلنا عليك القرآن لتشقى) الآية، وَلَا خَفَاءَ بِمَا فِي هَذَا كُلِّهِ مِنَ الْإِكْرَامِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، وَإِنْ جَعَلْنَا طه مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ كَمَا قِيلَ أَوْ جُعِلَتْ قَسَمًا لحق الفصل بِمَا قَبْلَهُ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ نَمَطِ الشَّفَقَةِ وَالْمَبَرَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ لِذَلِكَ غَضَبًا أَوْ غَيْظًا أو جَزَعًا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى أيْضًا (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مؤمنين) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ
أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) * وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَوْلُهُ (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الآيَةَ قَالَ مَكِّيٌّ سَلَّاهُ تَعَالَى بِمَا ذَكَرَ وَهَوَّنَ عَلَيْهِ
_________________
(١) (قوله الحموى) بفتح المهملة وضم الميم المشددة وكسر الواو وياء: للنسبة إلى جده حمويه وحموبه بلسان المصامدة عبارة عن محمد. (قوله ابن خزيم) بالمعجمة المضمومة والزاى المفتوحة. (قوله عن الربيع عن أنس) هو بفتح الراء: بصرى نزل خراسان يروى عن أنس. (قوله نمط الشفقة) أي نوعها والنمط في الأصل نوع من أنواع البسط ولا يستعمل في غيره في الأكثر إلا مقيدا. (*)
[ ١ / ٤٢ ]
مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ مَنْ تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ يَحُلُّ بِهِ مَا حَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُ وَمِثِلُ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أو مجنون) عَزَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ وَمَقَالَتِهَا لأَنْبِيَائِهِمْ قَبْلَهُ وَمِحْنَتِهمْ بِهِمْ وَسلَّاهُ بِذَلِكَ عَنْ مِحْنَتِهِ بِمِثْلِهِ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ وَأَنَّهُ لَيْسَ أوَّلَ مَنْ لَقِيَ ذَلِكَ ثُمَّ طَيَّبَ نَفْسَهُ وَأَبَانَ عُذْرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَتَوَلَّ عنهم) أَيْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) أَيْ فِي أَدَاءِ مَا بَلَّغْتَ وَإِبْلاغِ مَا حُمِّلْتَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بأعيننا) أَيِ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ فَإِنَّكَ بِحَيْثُ نَرَاكَ وَنَحْفَظُكَ، سَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا فِي آيٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.