قَالَ الْقَاضِي إذَا كَانَتْ خِصَالُ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَرَأَيْنَا الْوَاحِدَ مِنَّا يَتَشَرَّفُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا أَوِ اثْنَتَيْنِ إِنِ اتَّفَقَتْ لَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ إِمَّا مِنْ نَسَبٍ أَوْ جَمَالٍ أَوْ قُوَّةٍ أوْ عِلْمِ أَوْ حِلْمٍ أو شجاعة
_________________
(١) (قوله جماعها) في الصحاح جماع الشئ بالكسر جمعه يقال جماع الخبا الأخبية (قوله في الغريزة) بفتح الغين المعجمة وكسر الراء بعدها مثناة تحتية فزاى: أي الطبيعة (قوله شعبة) بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة: أي فرقة وقطعة. (*)
[ ١ / ٥٥ ]
أَوْ سَمَاحَةٍ حَتَّى يَعْظُمَ قَدْرُهُ وَيُضْرَبَ بِاسْمِهِ الْأَمثَالُ وَيَتَقَرَّرَ لَهُ بِالْوَصْفِ بِذَلِكَ فِي الْقُلُوبِ أَثَرَةٌ وَعَظَمَةٌ وَهُوَ مُنْذُ عُصُورٍ خَوَالٍ رِمَمٌ بَوَالٍ فَمَا ظَنُّكَ بِعَظِيمِ قَدْرِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ كُلُّ هَذِهِ الْخِصَالِ إِلَى مَا لَا يَأَخُذُهُ عَدٌّ وَلَا يُعَبَّرُ عَنْهُ مَقَالٌ وَلَا يُنَالُ بِكَسْبٍ وَلَا حِيلَةٍ إِلَّا بِتَخْصِيصِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ مِنْ فَضِيلَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْخُلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالاصْطِفَاءِ وَالْإِسْرَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالْوَحْيِ وَالشَّفَاعَةِ وَالْوَسِيلَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَالْبُرَاقِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْبَعْثِ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَالصَّلَاةِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالشَّهَادَةِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ وَسِيَادَةِ وَلَدِ آدَمَ وَلِوَاءِ الْحَمْدِ وَالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ وَالطَّاعَةِ ثُمَّ وَالْأَمَانَةِ وَالْهِدَايَةِ وَرَحْمةٍ للْعَالَمِينَ وَإعْطَاءِ الرِّضَى والسُّؤْلِ وَالْكَوْثَرِ وَسَمَاعِ الْقَوْلِ وَإِتمَامِ النِّعْمَةِ وَالْعَفْوِ عَمَّا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَرْحِ الصَّدْرِ وَوَضْعِ الإِصْرِ وَرَفْعِ الذِّكْرِ وَعِزَّةِ النَّصْرِ وَنُزُولِ السَّكِينَةِ وَالتَّأْيِيدِ بِالْمَلَائِكَةِ وإيناء الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ والسَّبْعِ
_________________
(١) (قوله رمم) الرمم: جمع رمة وهى العظام البالية (قوله والوسيلة) هي في الأصل ما يُتَوصّل بِه إلى الشئ، قيل هي هنا الشفاعة وقيل منزلة من منازل الجنة (قوله والمقام المحمود) قيل الشفاعة العظمى في إراحة النَّاسِ مِنَ الْمَوْقِفِ إلى الحساب، وقيل إعطاؤه لواء الحمد، وقيل إخراجه طائفة مِن النَّار، وَقِيل أن يكون أقرب من جبريل (قوله ووضع الإصر) في الصحاح: الإصر: العهد والذنب والثقل، والأغلال أي المواثيق اللازمة لزوم الغل للعنق (قوله ونزول السكينة هي فعيلة من السكون قِيلَ فِي قَوْلِهِ ﵇ ونزلت عليهم السكينة وهى الرحمة وقيل الطمأنينة والوقار وقيل ما يسكن به = (*)
[ ١ / ٥٦ ]
الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَتَزْكِيَهِ الْأُمَّةِ والدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ وَصَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَلَائِكَةِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ وَوَضْع الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ عَنْهُمْ وَالْقَسَمِ بِاسْمِهِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَتَكْلِيمِ الجَمَادَاتِ وَالْعُجْمِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِسْمَاعِ الصُّمِّ وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَتَكْثِيرِ الْقَلِيلِ وَانْشِقَاقِ
الْقَمَرِ وَرَدِّ الشَّمْسِ وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ وَالنَّصْرِ بِالرُّعْبِ وَالاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ وَظِلِّ الْغَمَامِ وَتَسْبِيحِ الْحَصَى وَإبْرَاءِ الآلامِ وَالعِصْمَةِ مِنَ النَّاسِ إلى مالا بحويه مُحْتَفِلٌ وَلَا يُحِيطُ بعلمه إلا ما نحه ذَلِكَ وَمُفُضِّلُهُ بِهِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِلَى مَا أَعَدَّ لَهُ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ مِنْ مَنَازِلِ الْكَرَامَةِ وَدَرَجَاتِ الْقُدْسِ وَمَرَاتِبِ السَّعَادَةِ وَالْحُسْنَى وَالزّيادَةِ التي تَقِفُ دُونَهَا الْعُقُولُ وَيَحَارُ دُونَ إدْراكِهَا الْوَهْمُ.
(فَصْلٌ)
إِنْ قُلْتَ أَكْرَمَكَ اللَّهُ لَا خَفَاءَ عَلَى القَطْعِ بِالْجُمْلَةِ أنَّهُ ﷺ أَعْلَى النَّاسِ قَدْرًا وَأَعْظَمُهُمْ مَحَلًّا وَأَكْمَلُهُمْ محاسن
_________________
(١) = الإنسان، وفى أنوار التنزيل في قوله تعالى (فيه سكينة من ربكم) أي ما تسكنون إليه وهو التوراة وقيل صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان بأن تنزف الياقوت أي تسرع نحو العدو وهم يتبعونه فإذا ثبت ثبتوا وحصل النصر وقيل صور الأنبياء من آدم إلى محمد ﵇، وقيل التابوت القلب والسكينة ما فيه من العلوم والإخلاص، وإيتائه مصر قلبهم مقر العلم بعد إن لَم يَكُن، وفى الكشاف وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ كان لها وجه كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة (قوله الجمادات) جمع جماد وهو ما ليس بحيوان، واعجم بضم العين المهملة جمع أعجم وهو من لَا يَقْدِرُ عَلَى الكلام أصلا. (*)
[ ١ / ٥٧ ]
وَفَضْلًا وَقَدْ ذَهَبْتَ فِي تَفَاصِيلِ خِصَالِ الْكَمَالِ مَذْهَبًا جَميلًا شَوَّقَنِي إِلَى أنْ أَقِفَ عَلَيْهَا مِنْ أَوْصَافِهِ ﷺ تَفْصِيلًا * فَاعْلَمْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبِي وَقَلْبَكَ وَضَاعَفَ فِي هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ حُبِّي وَحُبَّكَ أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى خِصَالِ الْكَمَالِ الَّتي هِيَ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ وَفِي جِبِلَّةِ الخِلْقَةِ وَجَدْتَهُ ﷺ حَائِزًا لِجَمِيعِهَا مُحِيطًا بِشَتَاتِ مَحَاسِنِهَا دُونَ خِلافٍ بَيْنَ نَقَلَةِ الْأَخبَارِ لِذَلِكَ بَلْ قَدْ بَلَغَ بَعْضُهَا مَبْلَغَ الْقَطْعِ، أمَّا الصُّورَةُ وجمالها تناسب أَعْضَائِهِ فِي حُسْنِهَا فَقَدْ جَاءَتِ الْآثارُ الصَّحِيحَةُ
وَالْمَشْهُورَةُ الْكَثِيرَةُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنينَ وَابْنِ أَبِي هَالَةَ
_________________
(١) (قوله وأبى هريرة) اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح وفى اسمه نحو من ثلاثين قولا، فإن قيل هريرة في أبى هريرة العلم غير منصرف وليس فيه إلا التأنيث وهو مشروط بكون مدخوله علما وهريرة ليس بعلم وإنما العلم أبو هريرة: أجيب بأن الجزء الأخير من العلم الإضافى ينزل منزلة كلمة ويجرى عليه أحكام الأعلام فهريرة في أبى هريرة العلم غير منصرف وإن كان في غيره منصرفا (قوله وَابْنِ أَبِي هَالَةَ) هو هند ولد أم المؤمنين خديجة، قال السهيلي: كانت خديجة قبل رسول الله ﷺ عند أبى هالة وهو هند بن زرارة وكانت قبل أبى هالة عند عتيق بن عائد ولدت له عبد مناف بن عتيق كذا قال ابن أبي خيثمة وقال الزبير ولدت لعتيق جارية اسمها هند، وولدت لأبى هالة ابنا اسمه هند أيضا مات بالطاعون - طاعون البصرة - وقد مات في ذلك اليوم نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ ألفا فشغل الناس جنائزهم عن جنازته فلم يوجد من يحملها فصاحت نادبته واهند بن هنداه واربيب رسول الله فلم يبق جنازة إلا تركت وحملت جنازته على أطراف الأصابع، ذكره الدولابى. ولخديجة من أبى هالة ابنان آخران أحدهما الطاهر والآخر هالة. (*)
[ ١ / ٥٨ ]
وَأَبِي جُحَيْفَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأُمِّ مَعْبَدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَرِّضِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ وَأَبِي الطُّفَيْلِ وَالْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ وَخُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَغَيْرِهِمْ ﵃ مِنْ أنَّهُ ﷺ كَانَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ أدعج أبحل أشْكَلَ أهْدَبَ الْأَشْفَارِ أَبْلَجَ أَزَجَّ أَقْنَى أَفْلَجَ مُدَوَّرَ الْوَجْهِ واسع
_________________
(١) (قوله وأبى جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة (قوله وأم معبد) اسمها عاتكة وهى التى نزل عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ حين هاجر إلى المدينة (قوله وَمُعَرِّضِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ) معرض بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالضاد المعجمة، ومعيقيب بباء موحدة في آخره كذا بخط الذهبي (قوله وأبى الطفيل) اسمه عامر بن واثلة آخر من مات من الصحابة في الدنيا (قوله والعداء) بفتح العين وتشديد الدال المهملتين وبالمد (قوله وخريم بن فاتك) خريم بضم المعجمة ثم براء مفتوحة ثم مثناة تحتية ساكنة، وفانك بالفاء والمثناة الفوقية المكسورة والكاف (قوله وحكيم بن حزام) حكيم بفتح المهملة وكسر الكاف وحزام بكسر المهملة وبالزاى، ولدا في الكعبة على الأشهر، وفى مستدرك الحاكم أن على بن أبى طالب ولد أيضا في داخل الكعبة (قوله أزهر اللون) قيل نيره وقيل حسنه ومنه (زهرة الحياة الدنيا) وهو زينتها وهذا كما جاء في الحديث الآخر ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم والأمهق: الناصع البياض، والآدم الأسمر (قوله أدعج) الدعج شدة سواد الحدقة (قوله أنجل) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم أي ذو نجل بفتحتين وهو سعة شق العين (قوله أشكل) بفتح الهمزة وسكون المعجمة من الشكلة بضم المعجمة وسكون الكاف وهى حمرة في بياض العين كالشهلة في سوادها (قوله أهدب الأشفار) في الصحاح الأهدب الرجل الكبير أشفار العين وهى حروف الأجفان التى ينبت عليها الشعر وهو الهدب (قوله أبلج) بالهمزة المفتوحة والموحدة الساكنة واللام المفتوحة والجيم أي مشرق وفى الصحاح عن أبى عبيدة في حديث أم سعيد أبلج الوجه أي مشرقه ولم ترد بلج الحاجب لأنها وصفته بالقرن (قوله أزج) أي مقوس الحاجب مع طول وامتداد (قوله أقى) أي محدوب الأنف (قوله أفلج) من الفلج بفتحتين وهو تباعد ما بين الثنايا. (*)
[ ١ / ٥٩ ]
الْجَبِينِ كَثَّ اللِّحْيَةِ تَمْلَأُ صَدْرَهُ سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ وَاسِعَ الصَّدْرِ عَظِيمَ الْمِنْكَبَيْنِ ضَخْمَ الْعِظَامِ عَبْلَ العَضُدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْأَسَافِلِ رَحْبَ الكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَائِلَ الْأَطْرَافِ أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ رَبْعَةَ الْقَدِّ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ
يُمَاشِيهِ أحَدٌ يُنْسَبُ إلى الطُّولِ إِلَّا طاله ﷺ رَجِلَ الشَّعْرِ إِذَا افْتَرَّ ضَاحِكًا افْتَرَّ عَنْ مِثْلِ سَنَا الْبَرْقِ وَعَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ، إذا تكلم رئ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ ثَنَايَاهُ، أَحْسَنَ النَّاسِ عُنُقًا لَيْسَ بِمُطَهَّمٍ وَلَا مُكَلْثَمٍ مُتَمَاسِكَ الْبَدَنِ ضَرْبَ اللَّحْمِ، قَالَ البَرَاءُ مَا رأيت
_________________
(١) (قوله سواء البطن) السواء بفتح المهملة والمد: المستوى (قوله عبل العضدين) العبل بفتح المهملة وسكون الموحدة: الضخم (قوله والأسافل) أي الفخذين والساقين (قوله رحب الكفين) بفتح الراء وسكون المهملة أي واسعها (قوله سائل الْأَطْرَافِ) أَيْ طَوِيلُ الأصابع (قوله أنور المتجرد) بالجيم والراء المشددة المتفوحتين أي ما تجرد عند الثياب من البدن (قوله المسربة) بفتح الميم وسكون المهملة وضم الراء وفتح الموحدة: خَيْطُ الشَّعَرِ الَّذِي بَيْنَ الصَّدْرِ وَالسُّرَّةِ (قوله رجل الشعر) بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها، في الصحاح شعر رجل إذَا لَم يَكُن شديد الجعود ولا سبطا (قوله إِذَا افْتَرَّ ضَاحِكًا) أي إذا بدا أسنانه حالة أنه ضاحك (قوله حب الغمام) هو البرد (قوله ليس بمطهم) هو بضم الميم وبالظاء المهملة والهاء المشددة المفتوحتين المنتفخ الوجه وقيل الفاحش السمن (قوله ولا بمكلثم) هو بالمثلثة المفتوحة: القصير الحنك الدائى الجبهة المستدبر الوجه، أراد أنه كان أسيل الوجه ولم يكن مستديره قاله ابن الأثير (قوله متماسك البدن) أي يمسك بعضه بعضا (قوله ضرب اللحم) بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء، قال الخليل الضرب من الرجال: القليل اللحم. (*)
[ ١ / ٦٠ ]