وَذِكْرُ اللَّهِ أَنِيسِي وَالثِّقَةُ كَنْزِي وَالحُزْنُ رَفِيقِي وَالْعِلْمُ سِلَاحِي وَالصَّبْرُ رِدَائِي وَالرِّضَاءُ غَنِيمَتِي وَالْعَجْزُ فَخْرِي وَالزُّهْدُ حِرْفَتِي وَالْيَقِينُ قُوَّتِي وَالصِّدْقُ شَفِيعِي وَالطَّاعَةُ حَسْبِي وَالْجِهَادُ خُلُقِي وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: وَثَمَرَةُ فُؤَادِي فِي ذِكْرِهِ وَغَمِّي لِأَجْلِ أُمَّتِي.
وَشَوْقِي إِلَى رَبِّي ﷿.
(فصل) اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ صِفَاتِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم مِنْ كَمَالِ الْخَلْقِ حسن الصُّورَةِ وَشَرَفِ النَّسَبِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَجَمِيعُ الْمَحَاسِنِ هي هَذِهِ الصِّفَةُ لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْكَمَالِ وَالْكَمَالُ وَالتَّمَامُ الْبَشَرِي وَالْفَضْلُ الْجَمِيعُ لهم صلوات اللهم عَلَيْهِمُ إِذْ رُتْبَتُهُمْ أَشْرَفُ الرُّتَبِ وَدَرَجَاتُهُمْ أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَلَكِنْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بعض) وَقَالَ (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) وقد قال ﷺ إِنَّ أَوَّلَ زُمَرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثَ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَأَيْتُ مُوسَى فَإِذَا
_________________
(١) (قوله والرضا غنيمتي) في الصحاح رضيت عنه رضى مقصور مصدر محض والاسم الرضاء ممدود عن الأخفش (قوله عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ واحد) روى بضم الخاء وفتحها (*)
[ ١ / ١٤٧ ]
هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجْلٌ أَقْنَى كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ كَثِيرُ خَيْلَانِ الْوَجْهِ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ وَفِي حديث آخر مُبَطَّنٌ مِثْلُ السَّيْفِ قَالَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ * وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ * وَفِي حَدِيثِ أبي هريرة ﵁، عنه ﷺ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ لُوطٍ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذُرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَيُرْوَى فِي ثَرْوَةٍ أَيْ كَثْرَةٍ وَمَنَعَةٍ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ قَتَادَةَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَكَانَ نَبِيُّكُمْ
_________________
(١) (قوله ضرب) بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة هو الجسم بين جسمين ليس بناحل ولا مطهم. وقال الخليل هو القليل اللحم (قوله رجل) بفتح الراء وسكون الجيم أي منكسر الشعر قليلا ليس بسيطه ولا بجعده (قوله أقنى) بفتح الهمزة وسكون القاف القنا بفتح القاف والقصر طول الأنف ودقة أرنبته، ويقال رجل أقنى وامرأة قنواء (قوله مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) في الصحاح أزد شنوءة حى من اليمن والنسب إليهم شنائى قال ابن السكيت وربما قالوا شنوة بالتشديد غير مهموز (قوله ربعة) بفتح الراء وسكون الموحدة وفتحها قال ابن قرقول هو الرجل بين رجلين (قوله كَثِيرُ خَيْلَانِ الْوَجْهِ) الخيلان بكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية ساكنة الشامات (قوله من ديماس) قال الهروي: هو بفتح الدال وكسرها، وجاء في الحديث تفسيره بالحمام وقيل هو السرب وقيل الكن (قوله مبطن) بضم الميم وفتح الموحدة، قال الهروي المبطن الضامر البطن (قوله مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بضم الهمزة وسكون الدال المهملة أي سمر الرجال قال ابن الأثير الأدمة في الإبل البياض مع سواد المقلتين، وفى الناس السمرة الشديدة واستدل بعضهم على كون موسى اسمر بقوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) (*)
[ ١ / ١٤٨ ]
أحصنهم وَجْهًا وَأَحسَنَهُمْ صَوْتًا ﷺ * وَفِي حَدِيثِ هِرقْلَ وَسَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أنْسَابِ قَوْمِهَا وَقَالَ تَعَالَى فِي أيُّوبَ (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وَقَالَ تَعَالَى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) إِلَى قَوْلِهِ (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) وَقَالَ (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى - إِلَى - الصَّالِحِينَ) وَقَالَ (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عمران) الآيتين وقال فِي نُوحٍ (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) وقال (أن اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ - إِلَى - الصالحين) وَقَالَ (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ - إِلَى - مادمت حيا) وقال (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى) الآيَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَانَ مُوسَى رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا مَا يُرَى مِنْ جسده شئ اسْتِحْيَاءً الْحَدِيثَ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ (فَوَهَبَ
لِي رَبِّي حُكْمًا) الآيَة وَقَالَ فِي وَصْفِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أمين) وَقَالَ (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) وَقَالَ (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَر أُولُوا العَزْم من الرسل) وَقَالَ (وَوَهَبْنَا لَهُ إسحق وَيَعْقُوبَ كُلَّا هَدَيْنَا) إِلَى قَوْلِهِ (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) فَوَصَفَهُمْ بِأَوَصَافٍ جَمَّةٍ مِنَ الصَّلَاحِ والْهُدَى وَالاجْتِبَاءِ وَالْحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ وقال (فبشرناه بغلام عليم - إلى - وحليم) وَقَالَ (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ
_________________
(١) (قوله في أيوب) كان أيوب ﵇ ببلاد حوران ققبره مشهور عندهم. (قوله ستيرا) بكسر المهملة وتشديد المثناة الفوقية أي كثير الستر (*)
[ ١ / ١٤٩ ]
رَسُولٌ كَرِيمٌ - إِلَى - أمين) وَقَالَ (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) وَقَالَ فِي إِسْمَاعِيلَ (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) الآيَتَيْنِ وَفِي مُوسَى (إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) وَفِي سُلَيْمَانَ (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وَقَالَ (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ - إلى - الأخيار) وفى داود (إنه أواب) ثُمَّ قَالَ (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخطاب) وَقَالَ عَنْ يُوسُفَ (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عليم) وَفِي مُوسَى (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) وَقَالَ تَعَالَى عَنْ شَعَيْبٍ (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله من الصحالين) وقال (ما أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا استطعت) وَقَالَ (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حكما وعلما) وَقَالَ (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) الآية قَالَ سُفْيَانُ هُوَ الْحُزْنُ الدَّائِمُ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَ فِيهَا مِنْ خِصَالِهِمْ وَمَحَاسِنِ أخْلَاقِهِمِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِمْ وَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الكريم: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بن اسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ نَبِيُّ ابْنُ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ وَرُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ مَعَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْمُلْكِ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءَ تَخَشُّعًا وَتَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ يُطْعِمُ النَّاسَ لَذَائِذَ الْأَطْعِمَةِ وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَأُوحِيَ إِلَيْهِ يَا رَأْسَ الْعَابِدِينَ وَابْنَ مَحَجَّةِ الزَّاهِدِينَ وَكَانَتِ الْعَجُوزُ تَعْتَرِضُهُ وَهُوَ عَلَى الرِّيحِ فِي جُنُودِهِ
[ ١ / ١٥٠ ]
فَيَأْمُرُ الرِّيحَ فَتَقِفُ فَيَنْظُرُ فِي حَاجَتِهَا وَيَمْضِي وَقِيلَ لِيُوسُفَ مالك تَجُوعُ وَأنْتَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ قَالَ أَخَافُ أَنْ أشْبَعَ فَأَنْسَى الْجَائِعَ وَرَوَى أبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عنه ﷺ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بدابته فَتُسْرَجُ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) وَكَانَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ عَمَلًا بِيَدِهِ يعنيه عَنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ ﷺ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَكَانَ يَلْبَسُ الصُّوفَ ويَفتَرِشُ الشَّعَرَ وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ وَالرَّمَادِ وَيَمْزِجُ شَرَابَهُ بِالدُّمُوعِ وَلَمْ يُرَ ضَاحِكًا بَعْدَ الخَطِيئَةِ وَلَا شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ ﷿ وَلَمْ يَزَلْ بَاكِيًا حَيَاتَهُ كُلَّهَا وَقِيلَ بكى حتى نبته الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ وَحَتَّى اتَّخَذَتِ الدُّمُوعُ فِي خده أخددا وَقِيلَ كَانَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا يَتَعَرَّفُ سِيرَتَهُ فَيَسْمَعُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ فَيَزْدَادُ تَوَاضُعًا، وَقِيلَ لِعِيسَى ﵇ لَوِ اتَّخَذْتَ حِمَارًا قَالَ أَنَا أكْرَمُ على الله تعالى مِنْ أَنْ يَشْغَلَنِي بِحِمَارٍ وَكَانَ يَلْبَسُ
الشَّعَرَ وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ النَّوْمُ نَامَ وَكَانَ أحب
_________________
(١) (قوله خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ القرآن) أي الزبور لأنه مقروء (قوله أخدودا) هو في الأصل اسم للشق المستطيل في الأرض. (*)
[ ١ / ١٥١ ]