وَلانْتَ جَزَالتُهُ وَقَلَّ رَوْنَقُهُ وَتَقَلْقَلتْ أَلْفَاظُهُ: فَتَأمَّلْ أَوَّلَ (ص) وَمَا جُمِعَ فِيهَا من أَخْبَارِ الْكُفَّارِ وَشقاقِهِمْ وَتَقْرِيعِهِمْ بِإِهْلَاكِ الْقُرُونِ من قَبْلِهِمْ وَمَا ذُكِرَ من تَكْذِيبِهْم بِمُحَمَّد ﷺ وَتَعَجُّبِهِمْ مِمَّا أَتى بِهِ وَالْخَبَرِ، عَنِ اجْتِمَاعِ مَلئِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْحَسَدِ فِي كَلامِهِمْ وَتَعْجِيزِهِمْ وَتَوْهِينِهِمْ وَوَعِيدِهِمْ بِخِزْيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَتَكْذِيبِ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ وَإهْلَاكِ اللَّهِ لَهُمْ وَوَعِيدِ هَؤْلَاءِ مِثْلَ مُصَابِهِمْ وَتَصْبِيرِ النَّبِيّ ﷺ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَسْلِيَتهِ بِكُلّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ثُمَّ أَخَذَ فِي ذِكر دَاوُدَ وَقِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، كُلُّ هَذَا فِي أوْجَزِ كَلَامٍ وَأَحْسَنِ نِظَامٍ وَمِنْهُ الْجُمْلَةُ الْكَثِيرَةُ التي انْطَوتْ عَلَيْهَا الْكَلِمَاتُ الْقَلِيلَةُ وَهَذَا كُلُّهُ وَكَثِيرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا أنَّهُ ذُكِرَ فِي إِعْجَاز الْقُرْآنِ إِلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَهَا الأثمة لم نَذْكُرْهَا إِذْ أَكْثَرُهَا دَاخِلٌ فِي بَابِ بَلاغَتِهِ فَلَا.
نُحِبُّ أَنْ يُعَدَّ فَنًّا مُنْفَرِدًا فِي إِعْجَازهِ إلَّا فِي باب تَفْصِيلِ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكِرَهُ عَنْهُمْ يُعَدُّ فِي خَوَاصِّهِ وَفَضَائِلِهِ لَا فِي إِعْجَازِهِ، وَحَقِيقَةُ الْإِعْجَازِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ التي ذَكَرْنَا فَلْيُعْتَمَد عَلَيْهَا وَمَا بَعْدَهَا من خَوَاصّ الْقُرْآنِ وَعَجَائِبِهِ التي لَا تَنْقَضِي والله وَلَيُّ التَّوْفِيقِ
فصل انشقاق القمر وحبس الشمس قَالَ اللَّه تَعَالَى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أَخْبَرَ تَعَالَى بِوُقُوعِ انْشِقَاقِهِ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَإِعْرَاضِ الْكَفَرَةِ عَنْ آيَاتِهِ وَأَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُقُوعِهِ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ مِنْ كِتَابِهِ حَدَّثَنَا الْقَاضِي سِرَاجُ بْنُ عَبُدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْأَصِيلِيُّ حَدَّثَنَا المَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ وسُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٌ دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْهَدُوا، وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَفِي بَعْض طُرُقِ الْأَعْمَشِ بِمِنى وَرَوَاهُ أيْضًا عَنِ ابن مَسْعُودٍ الْأَسْوَدُ وَقَالَ حَتَّى رَأَيْتُ الْجَبَل بَيْنَ فُرْجَتَي الْقَمَرِ وَرَوَاهُ عَنْهُ مَسْرُوقٌ أَنّهُ كَانَ بِمَكَّةَ وَزَادَ فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ سَحَرَكُمُ ابن أَبِي كَبْشَةَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إنَّ مُحَمَّدًا إنْ كَانَ سَحَرَ الْقَمَرَ فَإنَّهُ لَا يَبْلُغُ من سِحْرِهِ أَن يَسْحَرَ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَاسْألُوا من يَأتِيكمْ من بَلَدٍ آخَرَ هَلْ رَأَوْا هَذَا فَأتَوْا فَسَألُوهُمْ
_________________
(١) (قوله مسدد) قال ابن الجوزى هو ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن ارندل ابن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورة الأسدى (قوله عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة عبد الله بن سخبرة بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة (قوله فرجتى القمر) يقال بينهما فرجة بضم الفاء أي انفراج وأما بفتح الفاء فالتفصى عن الهم (قوله عَنِ ابْنِ أَبِي كبشة) قيل أبو كبشة رجل تأله قديما وفارق دين الجاهلية وعبد الشعرى فشبهت المشركون النبي ﷺ بِهِ وقيل كانت له ﵇ أخت من الرضاعة تسمى كبشة وكان أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ يكنى بها وقيل كان (*)
[ ١ / ٢٨١ ]
فَأَخْبَرُوهُم أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ ذَلِكَ وَحَكَى السَّمْرَقَنْدِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْوَهُ وَقَالَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَا سِحْرٌ فَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الآفَاقِ حَتَّى تَنْظُرُوا أَرَأَوْا ذَلِكَ أَمْ لَا فَأخْبَرَ أَهْلُ الآفَاقِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فقالوا يعنى الكافر هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ وَرَوَاهُ أيْضًا عَنِ ابن مَسْعُودٍ عَلْقَمَةُ فَهُؤلَاءِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ عَبدِ اللَّه وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ ابن مَسْعُودٍ كَمَا رَوَاهُ ابن مَسْعُودٍ مِنْهُمْ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاس وَابْنُ عمر وَحُذَيْفَةُ وَعَلِيٌّ وجُبَيْر بن مُطْعِمٍ فَقَالَ عَلِيّ من رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ الْأَرْحبِيّ انْشَقّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ * وَعَنْ أَنَسٍ سَألَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيّ ﷺ أَن يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءَ بَيْنَهُمَا، وراه عَنْ أَنَسٍ قَتَادَةُ * وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَر وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ أَرَاهُمُ الْقَمَرَ مَرَّتَيْنِ انْشِقَاقَهُ
فَنَزَلَتْ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القمر) وَرَوَاهُ عَنْ جُبَيْر بن مُطْعِمٍ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ ابْنِهِ جُبَيْر بن مُحَمَّدٍ وَرَوَاهُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ عُبَيْد اللَّه بن عَبُدَ اللَّه بن عُتْبَةَ وَرَوَاهُ عَنِ ابن عُمَرَ مُجَاهِدٌ وَرَوَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَبُو عبد
_________________
(١) في أجداده لأمه من يكنى بذلك (قوله الأرحبى) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة بعدها باء موحدة وباء للنسبة إلى قبيلة من همدان، وقيل إلى مكان (قوله حراء) بكسر المهملة تمد وتقصر وتذكر وتأنث جبل على ثلاثة أميال من مكة (قوله مرتين) قال ابن قيم الجوزية في كتابه إغائة اللهفان أن المرات مراد بها الأفعال تارة والأعيان أخرى وأكثر ما يستعمل في الأفعال، وأما الأعيان فكما جاء في الحديث انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مرتين أي فلقتين ولما خفى هذا على من لم يحط به علما زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة في زمانين ولم يقع (*)
[ ١ / ٢٨٢ ]
الرَّحْمنِ السُّلَمِيُّ ومُسْلِم بن أَبِي عِمْرَانَ الْأَزْدِيّ وَأَكْثَرُ طُرُقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحَةٌ وَالآيَةُ مُصَرّحَةٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى اعْتِرَاضِ مَخْذُولٍ بِأنَّهُ لَوْ كان هذا لم يخف عل أَهْل الْأَرْضِ إِذْ هو شئ ظَاهِرٌ لِجَمِيعِهِمْ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ لَنَا عَنْ أَهْل الْأَرْضِ رَصَدُوهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَرَوْهُ انْشَقَّ وَلَوْ نُقِلَ إلينا عَمَّنْ لَا يَجُوزُ تَمالُؤُهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ لَمَا كَانَتْ عَلَيْنَا بِهِ حُجَّةٌ إِذْ لَيْسَ الْقَمَرُ فِي حَدِّ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَقَدْ يَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ عَلَى الآخَرِينَ وَقَدْ يَكُونُ من قَوْمٍ بِضِدّ مَا هُوَ من مُقَابِلِهِمْ من أَقْطَارِ الْأَرْضِ أَوْ يَحُولُ بَيْنَ قَوْمٍ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ أَوْ جِبَالٌ وَلِهَذَا نَجِدُ الْكُسُوفَاتِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ دُونَ بَعْضٍ وَفِي بَعْضِهَا جُزْئِيَّةٌ وَفِي بَعْضِهَا كُلّيّةٌ وَفِي بَعْضِهَا لَا يَعْرِفُهَا إلَّا المُدَّعُونَ لِعِلْمِهَا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَآيَةُ الْقَمَرِ كَانَتْ ليلا وَالْعَادَةُ مِنَ النَّاسِ بِاللَّيْلِ الْهُدُوُّ وَالسُّكُونُ وَإِيجَافُ الْأَبْوَابِ وَقَطْعُ التَّصَرُّفِ وَلَا يَكَادُ يَعْرِفُ من
أُمُورِ السَّمَاءِ شَيْئًا إلَّا من رَصَدَ ذَلِكَ وَاهْتَبَلَ بِهِ وَلِذَلِكَ مَا يَكُونُ الْكُسُوفُ الْقَمَرِيُّ كَثِيرًا فِي الْبلَادِ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُ بِهِ حَتَّى يُخْبَرَ وَكَثِيرًا مَا يُحَدّثُ الثَّقَاتُ بِعَجَائِبَ يُشَاهِدُونَهَا من أَنْوَارٍ وَنُجُومٍ طَوَالِعَ عِظَامٍ تَظْهَرُ فِي الأحْيَانِ بِاللّيْلِ فِي السَّمَاءِ وَلَا عِلْمَ عند أَحَدٍ مِنْهَا * وَخَرَّجَ الطحاوي في
_________________
(١) الانشقاق إلا مرة واحدة (قوله وإيجاف) بكسر الهمزة وسكون المثناة التحتية وتخفيف الجيم مصدر أوجف أو أغلق (قوله واهتبل) بمثناة فوقية مفتوحة (*)
[ ١ / ٢٨٣ ]
مُشْكِلِ الْحَدِيثِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ من طَرِيقَيْنِ أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَصَلَّيْتَ يَا عَلِيُّ قَالَ لَا فَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَرَأَيْتُهَا غربت ثم رأيتها طَلَعت بَعْدَ مَا غَرَبَتْ وَوَقَفَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ وَذَلِكَ بِالصَّهْبَاءِ فِي خيْبَرَ قَالَ وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ * وَحَكى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ أَحْمَد بن صَالِحٍ كَانَ يَقُولُ لَا يَنْبَغِي لمن سبله الْعِلْمُ التَّخَلُّفُ عَنْ حِفْظِ حَدِيث أَسْمَاءَ لِأَنَّهُ من عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ * وَرَوَى يُونُسُ بن بُكَيْرٍ فِي زيادَةِ المَغَازِي رِوَايَتَهُ عن ابن إسحق لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِالرُّفْقَةِ وَالْعَلَامَةِ التي فِي العِيرِ قالوا متى تجئ قَالَ يَوْمَ الْأرْبِعَاءِ فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أشرفت
_________________
(١) بعدها موحدة مفتوحة أي تخيل (قوله عن أسماء بنت عميس) بضم العين المهملة وفى آخره سين مهملة قال ابن الجوزى في الموضوعات حديث رد الشمس في قصة على موضوع بلا شك (قوله بالصهباء) ممدودة موضع على مرحلة من خير (قوله في العير) بكسر العين المهملة هي القافلة من الإبل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارات ولا يسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك (قوله يوم الأربعاء) بتثليث الموحدة والأجود كسرها كذا في المحكم وقد حبست الشمس ليوشع وللنبِيّ ﷺ في صبيحة ليلة الإسراء وفى يوم من أيام الخندق كما ذكره المصنف في غير الشفاء وفى قصة عَلِيٍّ فِي حَدِيث أسماء وحبست لداود كما ذكره الخطيب في كتاب النجوم، وضعف رواية ثقله عنه مغلطاى في سبرته وحبست لسلمان كما ذكره البغوي في سورة ص (*)
[ ١ / ٢٨٤ ]