الْبَارِحَةَ فِي مَكَانِكَ فَلَمْ أَجِدْكَ فَأَجَابَهُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ حَمَلِنِي إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صَلَّيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلْتُ الصَّخْرَةَ فَإِذَا بِمَلَكٍ قَائِمٍ مَعَهُ آنِيَةٌ ثَلاثٌ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَهَذِهِ التَّصْرِيحَاتُ ظَاهِرَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ فَتُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْهُ ﷺ: فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَشَرحَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بمَاءِ زَمْزَمَ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي.
وَعَنْ أَنَسٍ (أُتِيتُ فَانْطَلَقَوا بِي إِلَى زَمْزَمَ فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ أُثْبِتْهَا فكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) وَنَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ (ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى خَدِيجَةَ وَمَا تَحوَّلَتْ عَنْ جَانِبِهَا) .
(فصل) فِي إِبْطَالِ حُجَجِ مِنْ قَالَ إِنَّهَا نَوْمٌ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التى أريناك) فَسَمَّاهَا رُؤْيَا قُلْنَا قَوْلُهُ (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بعبده) يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي النَّوْمِ أَسْرَى، وَقَوْلُهُ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ يُؤَيِّدُ أَنَّهَا رُؤْيَا عَيْنٍ وَإِسْرَاءٌ بِشَخْصٍ إِذْ لَيْسَ فِي الْحُلْمِ فِتْنَةٌ وَلَا يُكَذِّبُ بِهِ أَحَدٌ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ مِنَ الْكَوْنِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَقْطَارٍ مُتَبَايِنَةٍ، عَلَى
_________________
(١) (قوله فكربت) بضم الكاف وكسر الراء من الكرب بفتح الكاف وهو الغم الذى يأخذ النفس (*)
[ ١ / ١٩١ ]
أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا وَأَمَّا
قَوْلُهُمْ إِنَّهُ قَدْ سَمَّاهَا فِي الْحَدِيثَ مَنَامًا وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ وَقَوْلُهُ أَيْضًا وَهُوَ نَائِمٌ وَقَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِذْ قَدْ يَحتَمِلُ أَنَّ أول وُصُولَ الْمَلَكِ إِلَيْهِ كَانَ وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ أَوَّلَ حَمْلِهِ وَالْإِسْرَاءِ بِهِ وَهُوَ نَائِمٌ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثَ أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَعَلَّ قَوْلَهُ اسْتَيْقَظْتُ بِمَعْنَى أصْبَحْتُ أَوِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمٍ آخَرَ بَعْدَ وُصُولِهِ بَيْتَهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَسْرَاهُ لَمْ يَكُنْ طُولَ لَيْلِهِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ اسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِمَا كَانَ غَمَرَهُ مِنْ عَجَائِبِ مَا طالع من مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْضِ وَخَامَرَ بَاطِنَهُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْمَلِأ الْأَعْلَى وَمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبَّهُ الْكُبْرَى فَلَمْ يَسْتَفِقْ وَيَرْجِعْ إلى حَالِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُ وَاسْتِيقَاظُهُ حَقِيقَةً عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَلَكِنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَقَلْبُهُ حَاضِرٌ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ وَقَدْ مَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الإشَارَاتِ إِلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا قَالَ تَغْمِيضُ
_________________
(١) (قوله الحديبية) بتخفيف المثناة التحتية قبل هاء التأنيث، كذا عن الشافعي وأهل اللغة وبعض المحدثين وقال أكثر المحدثين بتشديدها وهى قرية بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة على نحو مرحلة من مكة (قوله خامر) بالخاء المعجمة: أي خالط (*)
[ ١ / ١٩٢ ]
عَيْنَيْهِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ شئ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَصِحُّ هَذَا أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ صَلاتِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ ولعله كَانَتْ لَهُ فِي هَذَا الْإِسْرَاءِ حَالاتٌ * وَوَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ أَنْ يُعَبَّرَ بِالنَّوْمِ هَهُنَا عَنْ هَيْئَةِ النَّائِمِ مِنَ الاضْطِجَاعِ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ هَمَّامٍ: بَيْنَا
أَنَا نَائِمٌ وَرُبَّمَا قَالَ مُضَطجِعٌ وَفِي رِوَايَةِ هُدْبَةَ عَنْهُ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحَطِيمِ وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ مُضْطَجِعٌ وَقَوْلُهُ فِي الرواية الأخرى بينا النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ فَيَكُونُ سَمَّى هَيْئَتَهُ بِالنَّوْمِ لِمَا كَانَتْ هَيْئَةُ النَّائِم غَالِبًا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ مِنَ النَّوْمِ وَذِكْرُ شَقِّ الْبَطْنِ وَدُنُوِّ الرِّبِّ ﷿ الْوَاقِعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا هي من رواية شريك عن أنس فيه منكرة من روايته إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كَانَ فِي صِغَرِهِ ﷺ وَقَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي الحديث قيل أَنْ يُبْعَثَ.
وَالْإِسْرَاءُ بِإِجْمَاعٍ كَانَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
فَهَذَا كُلُّهُ يُوهِنُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ مَعَ أَنَّ أَنَسًا قَدْ بَيَّنَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ أَنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَرَّةً عن مالك ابن صَعْصَعَةَ وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ لَعَلَّهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلَى الشَّكِّ وَقَالَ
_________________
(١) (قوله هو همام) بتشديد الميم وفتح الهاء (قوله هدبة) بضم الهاء وإسكان الدال المهملة بعدها موحدة هو ابن خالد القيسي (قوله إذ شق البطن إنما كَانَ فِي صِغَرِهِ) قال السهيلي: كان شق بطنه ﷺ مرتين احداهما في الصغر لإزالة حظ الشيطان والأخرى لملء قلبه إيمانا وحكمة. (١٣ - ١) (*)
[ ١ / ١٩٣ ]
مَرَّةً كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ مَا فَقَدْتُ جَسَدَهُ فَعَائِشَةُ لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ زَوْجَهُ وَلَا فِي سِنِّ مَنْ يَضْبَطُ وَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ وُلِدَتْ بَعْدُ عَلَى الْخِلافِ فِي الْإِسْرَاءِ مَتَى كَانَ فَإِنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِعَامٍ وَنِصْفٍ وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي الْهِجْرَةِ بِنْتَ نَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ وَقَدْ قِيلَ كَانَ الْإِسْرَاءُ لِخَمْسٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لِخَمْسٍ وَالْحُجَّةُ لِذَلِكَ تَطُولُ لَيْسَتْ مِنْ غَرَضِنَا فَإِذَا لَمْ تُشَاهِدْ ذَلِكَ
عَائِشَةُ دَلَّ أَنَّهَا حَدَّثَتْ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهَا فَلَمْ يُرَجَّحْ خَبَرُهَا عَلَى خَبَرِ غَيْرِهَا وَغَيْرُهَا يَقُولُ خِلافَهُ مِمَّا وقع نضأ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ وَغَيْرِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ بِالثَّابِتِ وَالْأَحَادِيثُ الْأُخَرُ أَثْبَتُ لَسْنَا نَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ وَمَا ذُكِرَتْ فِيهِ خَدِيجَةُ وَأَيْضًا فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَا فَقَدْتُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلا بِالْمَدِينَةِ وَكُلُّ هَذَا يُوَهِّنُهُ بَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ صَحِيحُ قَوْلِهَا إِنَّهُ بِجَسَدِهِ لإِنْكَارِهَا أَنْ تَكُونَ رُؤْيَاهُ لِرَبِّهِ رُؤْيَا عَيْنٍ وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهَا مَنَامًا لَمْ تُنْكِرْهُ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ من رأى) فَقَدْ جَعَلَ مَا رآه
_________________
(١) (قوله بعد البعث) بعده بعام ونصف، واختلف في الشهر الذى أسرى ﷺ فيه فقيل ربيع الأول، وجزم به النووي في فتاويه، وقيل في ربيع الآخر وجزم به النووي في مسلم تبعا للقاضى أبى الفضل المصنف، وقيل في رجب وجزم به النووي في الروضة وقال الواقدي في رمضان، وقال الماوردى في شوال (قوله يوهن) بسكون الواو كسر الهاء المخففة، ويجوز فتح الواو تشديد الهاء (*)
[ ١ / ١٩٤ ]