وَمَعْنَي صَاحِبِ الْقَضِيبِ أَي السَّيْفِ وَقَعَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ
مَعَهُ قَضِيبٌ من حَدِيدٍ يُقَاتِلُ بِهِ وَأمَّتَهُ كَذَلِكَ وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أنَّهُ الْقَضِيبُ الْمَمْشُوقُ الَّذِي كَانَ يُمْسِكُهُ ﷺ وَهُوَ الآنَ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَأَمَّا الْهِرَاوَةُ التي وُصِفَ بِهَا فَهيِ فِي اللُّغَةِ الْعَصَا وَأُرَاهَا والله أَعْلَمُ الْعَصَا الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيث الْحَوْضِ أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بِعَصَاي لِأَهْلِ الْيَمَنِ * وَأَمَّا التَّاجُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْعِمَامَةُ وَلَمْ تَكُنْ حِينَئذٍ إلَّا لِلْعَرَبِ وَالْعَمَائِمُ تيجَانُ الْعَرَبِ وأوصفاه وألقابه وسمانه فِي الْكُتُبِ كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهَا مُقْنَعٌ إنْ شَاءَ اللَّه وَكانَت كُنيتُهُ الْمَشْهُورَةُ أَبَا الْقَاسِمِ * وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أنَّهُ لَمّا وُلِدِ له إبْرَاهِيمُ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أبا إبْرَاهِيمَ.
فصل فِي تشريف اللَّه تَعَالَى بِمَا سَمَّاهُ بِهِ من أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَوَصَفَهُ بِهِ من صِفَاتِهِ الْعُلَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّه تَعَالَى مَا أَحْرَى هَذَا الْفَصْلَ بِفُصول الْبَابِ الأَوَّلِ لانْخِرَاطِهِ فِي سلك مضمونها وامتراجه بِعَذْبِ مَعِينِهَا لَكِنْ
_________________
(١) (قوله وَأُرَاهَا والله أَعْلَمُ الْعَصَا الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيث الحوض) قال النووي هذا ضعيف لأن المراد تعريفه بصفة يراها الناس معه يستدلون بها عَلَى صَدْقِه وَأنَّه المبشر به المذكور فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ فلا يصح تفسيره بعصا تكون في الآخرة والصحيح أنه كان يمسك القضيب بيده كثيرا وقيل لأنه كان يمشى والعصا بين يديه وتغرز له فيصلى إليها (قوله لأهل اليمن) الذى في صحيح مسلم في المناقب لأهل اليمن وهى الجهة التى عن يمين الكعبة ومعناه أذود الناس لأجل أهل اليمن حتى يتقدموا (*)
[ ١ / ٢٣٥ ]
لَمْ يَشْرَحِ اللَّه الصَّدْرِ لِلْهِدَايَة إِلَى اسْتِنْبَاطِهِ وَلَا أَنَارَ الْفِكْرَ لاسْتِخْرَاجِ جَوْهَرِهِ وَالْتِقَاطِهِ إلَّا عِنْدَ الْخَوْضِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ فَرَأيْنَا أَنَّ نُضِيفَهُ إلَيْهِ وَنَجْمَعَ بِهِ شَمْلَهُ فَاعْلمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَصَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِكَرَامَةٍ خَلَعَهَا عَلَيْهِم من أسمائه كتسمية إسحق وَإِسْمَاعِيل بِعَلِيم وَحَلِيم وإِبْرَاهِيم بِحَلِيمٍ، وَنُوحٍ بِشَكُورٍ، وَعِيسَى ويَحْيَى بِبَرّ وَمُوسَى بِكَرِيمٍ وَقَوِيّ وَيُوسُفَ بِحَفِيظٍ عَلِيمٍ وَأَيُّوبَ بِصَابِرٍ وَإِسْمَاعِيل بِصَادِقِ الْوَعْدِ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ من مَوَاضِعِ ذِكْرِهِمْ وَفَضَّلَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ بِأَنْ حَلَّاهُ مِنْهَا فِي كِتابِهِ الْعَزِيزِ وعلى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ بِعِدَّةٍ كَثِيرَةٍ اجْتَمعَ لَنَا مِنْهَا جُمْلَةٌ بَعْدَ إعْمَالِ الْفِكْرِ وَإحْضَارِ الذّكْرِ إِذْ لَمْ نَجِدْ من جَمَعَ مِنْهَا فَوْقَ اسْمَيْنِ وَلَا من تَفَرَّغَ فِيهَا لِتَأْلِيفِ فَصْلَيْنِ وَحَرَّرْنَا مِنْهَا فِي هَذَا الْفَصلِ نَحْو ثَلَاثِينَ اسْمًا وَلَعَلَّ اللَّه تَعَالَى كَمَا أَلْهَمَ إِلَى مَا عَلَّمَ مِنْهَا وَحَقَّقَهُ يُتِمُّ النّعْمَةِ بِإِبَانَةِ مَا لَمْ يُظهرهُ لَنَا الآنَ وَيَفْتَح غلقه.
فَمن أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحَمِيدُ وَمَعْنَاهُ الْمَحْمُودُ لِأَنَّهُ حمد نفسه وَحَمِدَهُ عِبَادُهُ وَيَكُونُ أيْضًا بِمَعْنَي الْحَامِدِ لِنَفْسِهِ وَلِأَعْمَالِ الطَّاعَاتِ وَسَمَّى النَّبِيّ ﷺ مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ فَمُحَمَّدٌ بِمَعْنَي مَحْمُودٍ وكذا وَقَعَ اسْمُهُ فِي زُبُرِ دَاوُد وأحمدُ بِمَعْنَي أَكبَرُ من حَمِدَ وَأَجِلُّ من حُمِدَ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا حسان بقوله: (قوله وموسى بكريم) في سورة الدخان (وقد جاءهم رسول كريم) (قوله بأن حلاه) بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام (قوله غلقة) بفتح الغين المعجمة واللام ما ينغلق به (قوله حسان) هو ابن ثابت الأنصاري عاش هو والثلاثة فوقه من آبائه كل (*)
[ ١ / ٢٣٦ ]
وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ * فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تعالى الرؤف الرَّحِيمُ وَهُمَا بِمَعْنَي مُتَقَارِبٍ وَسَمَّاهُ فِي كِتَابِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ (بالمؤمنين رؤف رحيم) وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحَقّ الْمُبِينُ وَمَعْنَي الْحَقّ الْمَوْجُودُ وَالْمُتَحَقّقُ أَمْرُهُ وَكَذَلِكَ الْمُبِينُ أَي الْبَيّنُ أَمْرُهُ وَإِلهِيَّتُهُ بَانَ وَأَبَانَ بِمَعْنَي وَاحِدٍ وَيَكُونُ بِمَعْنَي الْمُبَيّنِ لِعِبَادِهِ أَمْرَ دِينْهِمْ وَمَعَادهِمْ وَسَمَّى النَّبِيّ ﷺ بِذَلِكَ فِي كِتابِهِ فَقَالَ (حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ
وَرَسُولٌ مُبِينٌ) .
وَقَالَ (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) وقال (قد جاءكم الحق من ربكم) وَقَالَ (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ) قِيلَ محمد وَقِيلَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ هُنَا ضِدُّ الْبَاطِلِ وَالْمُتَحَقَّقُ صِدْقُهُ وَأَمْرُهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الأَوَّلِ وَالْمُبَيِّنُ الْبَيِّنُ أمْرُهُ وَرِسَالَتُهُ أَوِ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّه تَعَالَى مَا بَعَثَهُ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نزل إليهم) .
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى النُّورُ وَمَعْنَاهُ ذُو النُّورِ أَيْ خالِقُهُ أَوْ مُنوّرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْأَنْوَارِ وَمُنَوّرُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنينَ بِالْهِدَايَةِ وَسَمَّاهُ نُورًا فَقَالَ (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) قِيلَ مُحَمَّدٌ وَقِيلَ الْقُرْآنُ وَقَالَ فِيهِ (وَسِرَاجًا منيرا) سُمّيَ بِذَلِكَ لِوُضُوحِ أمره
_________________
(١) واحد مائة وعشرين سنة وعاش حسان ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام وقد شاركه في العيش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام حكيم بن حزام ولم يذكر ابن الصلاح غيرهما، وزيد عليه حويطب بن عَبد الْعُزَّى القرشى، وسعيد بن يربوع القرشى وحمنن - بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وفتح النون الأولى - بن عوف القرشى أخو عبد الرحمن بن عوف ومخرمة بن نوفل القرشى الزهري (قوله وشق له) بفتح الشين المعجمة. (*)
[ ١ / ٢٣٧ ]
وَبَيَانِ نُبوَّتِهِ وَتَنْوِيرِ قُلُوبِ المؤمنين والعارفين بما جاء به * وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الشَّهِيدُ وَمَعْنَاهُ الْعَالِمُ وَقِيلَ الشَّاهِدُ عَلَى عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّاهُ شَهِيدًا وَشَاهِدًا فَقَالَ (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا) وَقَالَ (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عليكم شهيدا) وَهُوَ بِمَعْنَي الأَوَّلِ * وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْكَرِيمُ وَمَعْنَاهُ الْكَثِيرُ الْخَيْرِ وَقِيلَ الْمُفْضِلُ وَقِيلَ الْعَفُوُّ قيل الْعَلِيُّ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيّ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْأَكْرَمُ وَسَمَّاهُ تَعَالَى كَرِيمًا بِقَوْلِهِ (إِنَّهُ لَقَوْلُ رسول كريم) قِيلَ مُحَمَّدٌ وَقِيلَ جِبْرِيلُ وَقَالَ ﷺ (أَنَا أَكْرَمُ
وَلَدِ آدَمَ) وَمَعانِي الاسْمِ صَحِيحَةٌ فِي حَقّهِ ﷺ * وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْعَظيمُ وَمَعْنَاهُ الجليل الشأن الذي كل شئ دونه وقال في النبي ﷺ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ووقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل وسيلد عظيما لأمة عظيمة فهو عظيم وعلى خلق عظيم) ومن أسمائه تعالى الجبار ومعناه الْمُصْلِحُ وَقِيلَ الْقَاهِرُ وَقِيلَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَقِيلَ الْمُتَكَبّرُ وَسُمّيَ النَّبِيّ ﷺ فِي كِتَابِ دَاوُد بِجبَّارٍ فَقَالَ: تَقَلَّدْ أيُّهَا الْجَبَّارُ سَيْفَكَ فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرائِعكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ وَمَعْنَاهُ فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ إِمَّا لِإصْلاحِهِ الْأُمَّةَ بِالْهِدَايَة والتَّعْلِيم أَوْ لِقَهْرِهِ أَعْدَاءهُ أَوْ لِعُلُوّ مَنْزِلِتِهِ عَلَى الْبَشَرِ وَعَظيمِ خَطَرِهِ وَنَفَى عَنْهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ جَبْرِيَّةَ التَّكَبُّرِ التي لَا تَلِيقُ بِهِ فَقَالَ (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بجبار) ومن أسمائه تعالى الْخَبِيرُ وَمَعْنَاهُ الْمُطَّلِعُ يكنه الشئ الْعَالِمُ بِحَقِيقَتِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُخْبِرُ وَقَالَ اللَّه تَعَالَى (الرَّحْمَنُ
[ ١ / ٢٣٨ ]
فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) قَالَ الْقَاضِي بَكْرُ بن العلاء المأمور بِالسُّؤَالِ غَيْرُ النَّبِيّ ﷺ والمسؤول الْخَبِيرُ هُوَ النَّبِيّ ﷺ وَقَالَ غَيْرُهُ بَلِ السَّائِلُ النَّبِيّ ﷺ والمسؤول هُوَ اللَّه تَعَالَى فَالنَّبِيّ خَبِيرٌ بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُوريْنِ قِيلَ لِأَنَّهُ عَالِمٌ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّه من مَكْنُونِ عِلْمِهِ وَعَظِيمِ مَعْرِفَتِهِ مُخْبِرٌ لِأُمَّتِهِ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِي إِعْلامِهِمْ بِهِ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْفَتَّاحُ وَمَعْنَاهُ الْحَاكِمُ بَيْنَ عِبَادِهِ أَوْ فَاتِحُ أَبْوَابِ الرّزْقِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمُنْغَلِقِ من أُمُورِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْ يَفْتَحُ قُلُوبَهُمْ وَبَصَائِرَهُمْ بِمَعْرِفَةِ الْحَقّ وَيَكُونُ أيْضًا بِمَعْنَي النَّاصِرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفتح) أَيْ إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مُبْتَدِئٌ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ وَسَمَّى اللَّه تَعَالَى نَبِيَّهُ
مُحَمَّدًا ﷺ بِالْفَاتِحِ في حديث الإسراء الطويل من رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بن أَنَسٍ عَنْ أَبِي العالية وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وفيه من قوله اللَّه تَعَالَى وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتِمًا وَفِيهِ من قول النَّبِيّ ﷺ فِي ثَنَائِهِ عَلَى رَبِّهُ وَتَعْدِيدِ مَراتِبهِ: وَرَفَعَ لِي ذكري وجعلني فاتحا وَخَاتمًا، فَيَكُونُ الْفَاتِحَ هنا بمعنى الحاكم أو الفاتح لأبواب الرحمة على أمته والفاتح لِبَصَائِرِهِمْ بِمَعْرفَةِ الْحَقّ وَالْإِيمَان بِالله أَوِ النَّاصِرَ لِلْحَقّ أَوِ المبتدى بهداية الْأُمَّةِ أَوِ الْمُبَدَّي الْمُقَدَّم فِي الْأَنْبِيَاء وَالْخَاتِم لَهُمْ كَمَا قَالَ ﷺ (كُنْتُ أول الأنبياء في الخلق
[ ١ / ٢٣٩ ]
وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعثِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثَ الشَّكُورُ ومعناه المشيب عَلَى الْعَملِ الْقَلِيلِ وَقِيلَ الْمُثْنِي عَلَى الْمُطِيعِينَ وَوَصَفَ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ نُوحًا ﵇ فَقَالَ (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيّ ﷺ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا أَيْ مُعْتَرِفًا بِنَعَمِ رَبّي عَارِفًا بِقَدْرِ ذَلِكَ مُثنيًا عَلَيْهِ مُجْهِدًا نَفْسِي فِي الزّيَادَةِ من ذَلِكَ لِقَوْلِهِ (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) .
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْعَلِيمُ وَالْعَلَّامُ وَعَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
وَوَصَفَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالْعِلْمِ وَخصَّهُ بِمَزِيَّةٍ مِنْهُ فَقَالَ (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عظيما) وَقَالَ (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَمَعْنَاهُمَا السَّابِقُ لِلأَشْيَاءِ قَبْلَ وُجُودِهَا وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَائِهَا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ وَقَالَ ﷺ كُنْتُ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ وَفَسَّرَ بِهَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ
نُوحٍ) فَقَدَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نحو منه عمر بن الْخَطَّابِ ﵁ وَمِنْهُ قَوْلُهُ (نَحْنُ الآخرُونَ السَّابقُون) وَقَوْلُهُ (أَنَا أَوَّلُ من تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ وَأَوَّلُ من يَدْخُلُ الجنة أول شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيّينَ وَآخِرُ الرُّسُلِ ﷺ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْقَوِيُّ وَذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ وَمَعْنَاهُ الْقَادِرُ وَقَدْ وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مكين) قِيلَ مُحَمَّد وَقِيلَ جِبْرِيلُ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ
[ ١ / ٢٤٠ ]
تَعَالَى الصَّادِقُ فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أيْضًا اسْمُهُ ﷺ بِالصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ * وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْوَلِيُّ وَالْمَوْلى وَمَعْنَاهُمَا النَّاصِرُ وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورسوله) وَقَالَ ﷺ (أَنَا وليُّ كُلّ مُؤْمِنٍ) وَقَالَ اللَّه تَعَالَى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ) وَقَالَ ﷺ (من كُنْتُ مَوْلاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْعَفُوُّ وَمَعْنَاهُ الصَّفُوحُ وَقَدْ وَصَفَ اللَّه تعالى بَهَذَا نَبِيَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَأَمَرَهُ بِالْعَفْوِ فَقَالَ (خُذِ الْعَفْوَ) وَقَالَ (فَاعْفُ عَنْهُمْ واصفح) وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ (خُذِ الْعَفْوَ) قال أن تعفوا عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَقَالَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي صِفَتِهِ: لَيْسَ بِفَظّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الهادى وهو معنى تَوْفِيق اللَّه لِمَنْ أرَادَ من عِبَادِهِ وَبِمَعْنَي الدّلالَةِ وَالدُّعَاءِ قال الله تعالى (والله يدعوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صراط مستقيم) وَأصْلُ الجَمِيع مِنَ الميل وقيل من التقديم وَقِيلَ فِي تَفسير طه إنَّهُ يَا طَاهِرُ يَا هادي يَعْني النَّبِيّ ﷺ وقال تَعَالَى لَهُ (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وَقَالَ فِيهِ (وَدَاعِيًا إلى الله بإذنه) فَالله تَعَالَى
مُخْتَصّ بِالْمَعْنَى الأَوَّلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) وبِمَعْنَي الدِّلالَةِ يُطْلِقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَمَعْنَى الْمُؤْمِنِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى الْمُصَدِّقُ وَعْدَهُ عِبَادَهُ وَالْمُصَدِّقُ قَوْلُهُ الْحَقَّ وَالْمُصَدِّقُ لِعبَادِهِ (١٦ - ١)
[ ١ / ٢٤١ ]
الْمُؤْمِنينَ وَرُسُلِهِ وَقِيلَ الْمُوَحِّدُ نَفْسَهُ وَقِيلَ الْمُؤْمِنُ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا من ظُلْمِهِ وَالْمُؤْمِنينَ فِي الآخِرَةِ من عَذَابِهِ وَقِيلَ الْمُهَيْمِنُ بِمَعْنَي الأَمِينِ مُصَغَّرٌ مِنْهُ فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُمْ فِي الدُّعَاءِ آمِينَ إِنَّهُ اسْمٌ من أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْمُؤْمِنِ وَقِيلَ الْمُهَيْمِنُ بِمَعْنَى الشَّاهِدِ وَالْحَافِظِ وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمِينٌ وَمُهَيْمِنٌ وَمُؤْمِنٌ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمِينًا فَقَالَ (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) وَكَانَ ﷺ يُعْرَفُ بِالْأَمِينِ وَشُهِرَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَسَمَّاهُ الْعَبَّاسُ فِي شِعْرِهِ مُهَيْمنًا فِي قَوْلِهِ.
ثُمَّ احْتَوَى بَيْتُكَ الْمُهَيْمِنُ من * خِنْدِفَ عَلْيَاءَ تَحْتَهَا النُّطُقُ قِيلَ الْمُرَاد يَا أيُّهَا الْمُهَيْمِنُ، قَالَهُ الْقُتَيْبِيُّ وَالْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ وَقَالَ تَعَالَى (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ يُصَدِّقُ وَقَالَ ﷺ (أَنَا أَمَنَةٌ لِأصْحَابِي) فَهَذَا بِمَعْنَي الْمُؤْمِنِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْقُدُّوسُ وَمَعْنَاهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ الْمُطَهَّرُ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ وَسُمِّيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَمِنْهُ الْوَادِي الْمَقَدَّسِ وَرُوحُ الْقُدُسِ وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَسْمَائِهِ ﷺ الْمَقْدِسُ أي
_________________
(١) (قوله وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُمْ فِي الدُّعَاءِ آمِينَ إِنَّهُ اسْمٌ من أسماء الله تعالى) قال النووي في التهذيب هذا لا يصح لأنه ليس في أسماء الله تعالى اسم مبنى ولا غير معرب وأيضا أسماء الله لا تثبت إلا بالقرآن أو السنة المتواترة وقد عدم الطريقان (قوله من خندف) بكسر الخاء المعجمة وقد تقدم (*)
[ ١ / ٢٤٢ ]