عَلَى الْجَفْوَةِ فِي الْمَنْطِقِ وَيَقُولُ إِذَا رَأَيْتُمْ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ وَلَا يَطْلُبُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَتَجَوَّزَهُ فَيَقْطَعَهُ بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِيَامٍ، هُنَا انْتَهَى حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، وَزَادَ الآخَرُ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ ﷺ؟ قَالَ: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ: عَلَى الْحِلْمِ، وَالْحَذَرِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالتَّفَكُّرِ * فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تسوية النظير وَالاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ * وَأَمَّا تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ ﷺ فِي الصَّبْرِ فَكَانَ لا يغضبه شئ يسنفزه وجميع لَهُ فِي الْحَذَرِ أَرْبَعٌ: أَخْذُهُ بِالْحَسَنِ لِيُقْتَدَى بِهِ وَتَركُهُ الْقَبِيحَ لِيُنْتَهَى عَنْهُ وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ بِمَا أصْلَحَ أُمَّتَهُ وَالْقِيَامُ لَهُمْ بِمَا جَمَعَ لَهُمْ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
انْتَهَى الْوَصْفُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ.
(فصل فِي تَفْسِيرِ غَرِيبِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمُشْكِلِهِ) قَوْلَهُ المُشَذَّبُ أَيِ الْبَائِنُ الطُّولِ فِي نَحَافَةٍ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ، وَالشَّعَرُ الرَّجِلُ الَّذِي كَأَنَّهُ مُشِطَ فَتَكَسَّرَ قَلِيلًا لَيْسَ بِسَبْطٍ وَلَا جَعْدٍ، وَالْعَقِيقَةُ شَعَرُ الرَّأْسِ أَرَادَ إِنِ انفرقته مِنْ ذَاتِ نَفْسِهَا فَرَقَهَا وَإِلَّا تَرَكَهَا مَعْقُوصَةً وَيُرْوَى عَقِيصَتُهُ، وَأَزْهَرَ اللَّوْنِ نَيِّرُهُ وقيل أزهر حَسَنٌ وَمِنْهُ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَيْ زِينَتُهَا وَهَذَا كَمَا قال في الحديث
_________________
(١) (قوله يستفزه) بالفاء والزاى (قوله الممغط) قال الهروي قال أبو زيد يقال أمغط النهار أي امتد، ومغطت الحبل فانمغط وامغط، وقال أبو تراب في كتاب الاعتقاب ممغط وممعط بالمعجمة والمهملة انتهى (١١ - ١) (*)
[ ١ / ١٦١ ]
الآخَرِ لَيْسَ بِالْأَبَيْضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالآدَمِ، والأَمْهَقُ: هُوَ النَّاصِعُ الْبَيَاضِ وَالآدَمُ الأَسْمَرُ اللَّوْنِ، وَمِثْلُهُ فِي الحديث الآخر: أببض مُشْرَبٌ أَيْ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَالْحَاجِبُ الْأَزَجُّ الْمُقَوَّسُ الطَّوِيلُ الوَافِرُ الشَّعَرِ، وَالأقْنَى: السَّائِلُ الْأَنْفِ الْمُرْتَفِعُ وَسَطُهُ، وَالْأَشَمٌ: الطَّوِيلُ قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَالْقَرَنُ: اتِّصَالُ شَعَرِ الْحَاجِبَيْنِ، وَضِدُّهُ البَلَجُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَصْفُهُ بِالْقَرَنِ، وَالْأَدْعَجُ: الشَّدِيدُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ: أَشْكَلُ الْعَيْنِ، وأَسْجَرُ الْعَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي فِي بَيَاضِهَا حُمْرَةٌ، والضَّلِيعُ: الوَاسِعُ وَالشَّنَبُ: رَوْنَقُ الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحزيز فيها كما يوجد في أسنان الشباب، والفلج فرق بَيْنَ الثَّنَايَا، ودَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ خَيْطُ الشَّعَرِ الَّذِي بَيْنَ الصَّدْرِ وَالسُّرَّةِ، بَادِنٌ ذُو لَحْمٍ وَمُتَمَاسِكٌ مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ يُمْسِكُ.
بَعْضُهُ بَعْضًا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ لَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ
أي لَيْسَ بِمُسْتَرْخِي اللَّحْمِ.
وَالْمُكَلْثَمُ الْقَصِيرُ الذَّقَنِ، وَسَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ أَيْ مُسْتَوِيهِمَا مُشِيحُ الصَّدْرِ إنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَتَكُونُ مِنَ الْإِقْبَالِ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي أَشَاحَ أَيْ أنَّهُ كَانَ بَادِيَ الصَّدْرِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَدْرِهِ قَعَسٌ وَهُوَ تَطَامُنٌ فِيهِ وبه يتَّضِحُ قَوْلُهُ قَبْلَ سَوَاءِ الْبَطْنِ والصَّدْرِ أَيْ لَيْسَ بِمُتَقَاعِسِ الصَّدْرِ، وَلَا مفاض البطن، ولمل اللَّفْظَ مَسِيحُ: بِالسِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بِمَعْنَى عَرِيضٍ كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخَرَى، وَحَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ والكراديس رؤس الْعِظَامِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ جَلِيلُ
[ ١ / ١٦٢ ]
الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ وَالْمُشَاشُ: رؤس الْمَنَاكِبِ، وَالْكَتَدُ: مُجْتَمَعُ الكنفين وَشَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَحِيمُهُمَا، وَالزَّنْدَانِ: عَظْمَا الذِّرَاعَيْنِ، وَسَائِلُ الْأَطْرَافِ أَيْ طَوِيلُ الْأَصَابِعِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ سَائِلُ الْأَطْرَافِ أَوْ قَالَ سَائِنُ بِالنُّونِ قَالَ وَهُمَا بِمَعْنًى تُبْدَلُ اللَّامُ مِنَ النُّونِ إنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهَا وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَسائِرُ الْأَطْرَافِ فَإِشَارَةٌ إِلَى فَخَامَةِ جَوَارِحِهِ كَمَا وَقَعَتْ مُفَصَّلَةً فِي الْحَدِيثِ وَرَحْبُ الرَّاحَةِ أَيْ وَاسِعُهَا وَقِيلَ كَنَّى بِهِ عَنْ سَعَةِ الْعَطَاءِ وَالْجُودِ، وخُمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ أَيْ متجا في أَخْمَصِ الْقَدَمِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تَنَالُهُ الْأَرْضُ مِنْ وَسَطِ الْقَدَمِ، وَمَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ أَيْ أَمْلَسُهُمَا وَلِهَذَا قَالَ يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلافُ هَذَا قَالَ فِيهِ إذا وطئ بقدمه وطئ بِكُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَخْمَصُ وَهَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَسِيحُ الْقَدَميْنِ وبه قَالُوا سُمِّي الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْمَصُ وَقِيلَ مَسِيحٌ لَا لَحْمَ عَلَيْهَمَا وَهَذَا أَيْضًا يُخَالفُ قوله شئن الْقَدَمَيْنِ وَالتَّقَلُّعُ رَفْعُ الرِّجْلِ بِقُوَّةٍ، وَالتَّكَفُّؤُ: الْمَيْلُ إِلَى سَنَنِ الْمَمْشَى وَقَصْدِهِ، وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ وَالْوَقَارُ، وَالذَّرِيعُ: الْوَاسِعُ الْخَطْوِ أَيْ أَنَّ مَشْيَهُ كَانَ يَرْفَعُ فِيهِ رِجْلَيْهِ بِسُرْعَةٍ وَيَمَدُّ خَطْوَهُ خِلافَ مِشْيَةِ الْمُخْتَالِ وَيَقْصِدُ سَمْتَهُ.
وَكُلُّ ذَلِكَ بِرِفْقٍ وَتَثَبُّتٍ دُونَ عَجَلَةٍ كَمَا قَالَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَقَوْلُهُ يَفْتَتِحُ الْكَلَامُ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ أَيْ لِسِعَةِ فَمِهِ، وَالْعَرَبُ تَتَمَادَحُ بِهَذَا، وَتَذُمُّ بِصِغَرِ الْفَمِ، وَأَشَاحَ: مَالَ وَانْقَبَضَ، وَحَبُّ الْغَمَامَ: الْبَرَدُ، وَقَوْلُهُ: فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ
_________________
(١) (قوله والكتد) قَال أَبُو عَلِيّ: الفتح أفصح. (*)
[ ١ / ١٦٣ ]
أَيْ جَعَلَ مِنْ جُزْءِ نَفْسِهِ مَا يُوَصِّلُ الْخَاصَّةَ إليْهِ فَتُوَصَّلُ عَنْهُ لِلْعَامَّةِ، وَقِيلَ يَجْعَلُ مِنْهُ لِلْخَاصَّةِ ثُمَّ يُبْدِلُهَا فِي جُزْءٍ آخَرَ بِالْعَامَّةِ: وَيَدْخُلُونَ رُوَّادًا أَيْ مُحْتَاجِينَ إليْهِ وَطَالِبِينَ لِمَا عِنْدَهُ وَلَا يَنْصَرِفُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ، قِيلَ: عَنْ عِلْمٍ يَتَعَلَّمُونَهُ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَيْ فِي الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِ، وَالْعَتَادُ العدة والشئ الْحَاضِرُ الْمُعَدُّ، وَالْمُوَازَرَةُ الْمُعَاوَنَةُ وَقَوْلُهُ لَا يُوَطَّنُ الْأَمَاكِنَ أَيْ لَا يَتَّخِذُ لِمُصَلَّاهُ مَوْضِعًا مَعْلُومًا، وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ عَنْ هَذَا مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَصَابَرَهُ أَيْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُرِيِدُ صَاحِبُهُ وَلَا نؤبن فِيهِ الْحُرَمُ أَيْ لَا يُذْكَرْنَ فِيهِ بِسُوءٍ وَلَا تُنْثَى فَلَتاتُهُ أَيْ لَا يُتَحَدَّثُ بِهَا أَيْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْتَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ أَحَدٍ سُتِرَتُ، وَيُرْفِدُونَ: يُعِينُونَ، وَالسَّخَّابُ: الْكَثِيرُ الصِّيَاحِ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ، قِيلَ مُقْتَصِدٌ فِي ثَنَائِهِ وَمَدْحِهِ، وَقِيلَ إِلَّا مِنْ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ عَلَى يَدٍ سَبَقَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، وَيَسْتَفِزُّهُ: يَسْتَخِفُّهُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي وَصْفِهِ ﷺ مَنْهُوسُ الْعَقِبِ أَيْ قَلِيلُ لَحْمِهَا، وَأَهْدَبُ الْأَشْفَارِ: أَيْ طويل شعرها
_________________
(١) (قوله وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ) بتقديم المثلثة على النون والمد يطلق في الخير ويقيد في الشر ومنه مروا بجنازة فأثنوا عليها شرا وأما النثا بتقديم النون على المثلثة فمقصور ويستعمل في الخير والشر جميعا (قوله وأهدب الأشفار) أهدب بسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها موحدة، والأشفار بالشين المعجمة والفاء جمع شفر وهو حرف الجفن الذى ينبت عليه الشعر وهو الهدب. (*)
[ ١ / ١٦٤ ]