وَقَالَ أَنَسٌ أيْلَةَ وَصَنْعَاءَ وَقَالَ ابن عُمَرَ كَمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَد، وَرَوَى حَدِيث الْحَوْضِ أيْضًا أَنَس وَجَابِرُ بن سَمُرَةَ وَابْنُ عمر وعقبة ابن عَامِرٍ وَحَارِثَةُ بن وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ وَالْمُسْتَورِدُ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأسْلمِيُّ وَحُذَيْفَةُ بن اليَمَانِ وَأَبُو أمامَةَ وَزَيْدُ بن أَرْقَمَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وعبد اللَّه ابن زَيْدٍ وَسَهْلُ بن سَعْدٍ وَسُوَيْدُ بن جَبَلَةَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر بن الْخَطَّابِ وَابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِي وعبد اللَّه الصُّنَابِحِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالْبَرَاءُ وَجُنْدَبٌ وَعَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ بِنْتَا أَبِي بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرَةَ وَخَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، وَغَيْرُهُمْ ﵃ أجمعين.
(فصل) في تفضيله بِالْمَحَبَّةِ وَالْخُلَّةِ: جَاءَتْ بِذَلِكَ الآثَارُ الصَّحِيحَةُ واخْتُصّ عَلَى ألْسنَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَبِيبِ اللَّه.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ عَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ
_________________
(١) (قوله والمستورد) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح المثناة الفوقية هو ابن شداد بالشين المعجمة (قوله وأبو برزة) بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها زاى (قوله وَسُوَيْدُ بن جَبَلَةَ) سويد بضم السين المهملة وفتح الواو وجبلة بفتح الجيم والباء الموحدة (قوله الصنابحى) بضم الصاد المهملة وتخفيف النون وكسر الباء الموحدة والحاء المهملة، قيل صحابي نسب إلى جده اسمه صنابح (قوله جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها، هو ابن عبد الله بن صعنان البجلى (قوله وَخَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ) هي الأنصارية النجارية زوج حمزة بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وقيل زوج حمزة خولة بنت تامر وقيل تامر لقب قيس (قوله عن كريمة) قال ابن ماكولا كريمة بفتح الكاف وكسر الراء ثم قال وكريمة بنت أحمد بن محمد المروزية سمعت جامع البخاري من الكشميهنى. (*)
[ ١ / ٢١٠ ]
ابن مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ سَمَاعًا عَلَيْهِ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يوسف حدثنا محمد ابْنُ إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْر رَبِّي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ (وإنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ) وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود وفد اتَّخَذَ اللَّهَ صَاحَبُكُمْ خَلِيلا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ قَالَ فَخَرَجَ حَتَّى إذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَجَبًا إنَّ اللَّه اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ من خَلْقِهِ
خَلِيلًا وَقَالَ آخر ماذا بِأَعْجَبَ من كَلَام مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّه تَكْلِيمًا وَقَالَ آخرُ فَعِيسَى كَلِمةُ اللَّه وَرُوحُهُ وَقَالَ آخرُ آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّه، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ فَسَلَّمَ وَقَالَ (قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ إنَّ اللَّه تَعَالَى اتَّخَذَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلًا وَهُوَ كَذَلِكَ وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّه وَهُوَ كَذَلِكَ وعسيى روح اللَّه وَهُوَ كَذَلِكَ وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّه وَهُوَ كَذَلِكَ وعيسى روح اللَّه وَهُوَ كَذَلِكَ وآدم اصطفاه اللَّه وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّه وَلَا فَخْرَ وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا فخر
_________________
(١) (قوله عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ) من غير إضافة عبد إلى ابن هو أبو ذر الهروي (قوله فريح) بضم الفاء وفتح اللام هو ابن سليمان العدوى المدنى (قوله أبو النضر) بالضاد المعجمة هو سالم بن أبي أمية المدنى (قوله عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة. (*)
[ ١ / ٢١١ ]
وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وأول مشفع ولا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ من يُحَرّكُ حَلَقَ الْجنةِ فَيَفْتَحُ اللَّه لى فيد خلنيها وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنينَ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَكْرَمُ الأولين والآخرين ولا فخر) فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ من قَوْلِ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ: إِنّيِ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا فَهُوَ مَكْتُوبٌ في التوراة اس حَبِيبُ الرَّحْمنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّه: اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْخُلَّةِ وَأصْلِ اشْتِقَاقِهَا فَقِيلَ الْخَلِيلُ الْمُنْقَطِعُ إِلَى اللَّه الَّذِي لَيْسَ فِي انْقِطَاعِهِ إليه وَمَحَبَّتِهِ لَهُ اخْتِلَالٌ وَقِيلَ الْخَلِيلُ الْمُخْتَصُّ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ وَاحدٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصْلُ الْخُلَّةِ الاسْتِصْفَاءُ وَسُمّيَ إبْرَاهِيمُ خليل اللَّه لِأَنَّهُ يُوَالِي فِيهِ ويُعَادِي فِيهِ وَخُلَّةُ اللَّه لَهُ نَصْرُه وَجَعْلُهُ إمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ وَقِيلَ الْخَلِيلُ أَصْلُهُ الْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ الْمُنْقَطِعُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَلَّةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ فَسُمّي بِهَا إبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ قَصَر حَاجَتَهُ عَلَى رَبَّهُ وَانْقَطَعَ إِليْهِ بهمه ولم يهمه وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَبْلَ
غَيْرهِ إذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ فِي الْمُنْجَنِيقِ لِيُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ فَقَالَ ألك حاجة؟
_________________
(١) (قوله فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التوراة اس) هكذا وقعت هَذِه اللّفْظَة فِي النسخ المعتمدة على هذه الصورة وهى ألف بعدها سين مهملة ثم جرة، وفى بعض النسخ مكتوب بازائها على الطرة ذكر ابن جبير بِخَطَّه فِي كِتابه أن هذه اللفظة وقعت في طرة (الأم) المبيضة بخط مؤلفه كما هي هنا مبهمة فحكيتها كما وقعت (قوله من الحلة بفتح الخاء المعجمة وهى الحاجة (قوله قبل غيره) بكسر القاف وفتح الموحدة (قوله وَهُوَ فِي الْمُنْجَنِيقِ) بفتح الميم والجيم وبكسر الميم ذكرهما أبو عبيد بن سلام في الغريب وفى الصحاح والمنجنيق التى يرمى بها الحجارة معربة وأصلها بالفارسية - من جى نيك - أي ما أجودنى، وهى مؤنثة. (*)
[ ١ / ٢١٢ ]
قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بن فُوركٍ: الْخُلَّةُ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ التي تُوجِبُ الاخْتِصَاصَ بِتَخَلُّلِ الْأَسْرَارِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصْلُ الْخُلَّةِ الْمَحَبَّةُ وَمَعْنَاهَا الْإِسْعَافُ وَالْإِلْطَافُ والتَّرْفِيعُ والتَّشْفِيعُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) فَأَوْجَبَ لِلْمَحْبُوبِ أنْ لا يُؤَاخَذَ بِذُنُوبِهِ قَالَ هَذَا وَالْخُلَّةُ أقْوَى مِنَ البُنُوَّةِ لِأَنَّ البُنُوَّة قَدْ تَكُونُ فِيهَا الْعَدَاوَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) الآيَةَ وَلَا يَصِحُّ أَن تَكُونَ عَدَاوَةٌ مَعَ خُلَّةٍ فَإِذَا تَسْمِيَةُ إبْرَاهِيم وِمُحَمَّدٍ ﵉ بِالْخُلَّةِ إِمَّا بِانْقِطَاعِهِمَا إِلَى اللَّه وَوَقْفِ حَوَائِجِهِمَا عَلَيْهِ وَالانْقِطَاعِ عَمَّنْ دُونَهُ وَالْإضْرَابِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالْأسْبَابِ أَوْ لِزيَادَةِ الاخْتِصَاصِ مِنْهُ تَعَالَى لَهُمَا وَخَفَيّ إلطَافِهِ عِنْدَهُمَا وَمَا خَالَلَ بَوَاطِنهمَا من أسرار إلهيته وَمَكْنُونِ غُيُوبِهِ وَمَعْرِفَتِهِ أَوْ لاسْتِصْفَائِهِ لَهُمَا وَاسْتِصْفَاءِ قُلُوبِهِمَا عَمَّنْ سِواهُ حَتَّى
لَمْ يُخَالِلْهُمَا حُبّ لِغَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ الْخَلِيلُ من لَا يَتَّسِعُ قَلْبُهُ لِسَواهُ وَهُوَ عِنْدَهُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) لكِنْ أُخوَّة الْإِسْلَام واخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ أَيُّهُمَا أَرْفَعُ: دَرَجَةُ الْخُلَّةِ أَوْ دَرَجَةُ الْمَحَبَّةِ؟ فَجَعَلَهُمَا بَعْضُهُمْ سَوَاءً فَلَا يَكُونُ الْحَبِيبُ إلَّا خَلِيلًا وَلَا الْخَلِيلُ إلَّا حَبِيبًا لَكِنَّهُ خَصَّ إبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ ومحمدا
_________________
(١) (قوله والأسرار) بفتح الهمزة جمع سر (قوله وخفى إلطافه) بالخاء المعجمة أو المهملة والإلطاف بكسر الهمزة مصدر، وبفتحها جمع لطف. (*)
[ ١ / ٢١٣ ]
بِالْمَحَبَّةِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ دَرَجَةُ الْخُلَّةِ أَرْفَعُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ (لَوْ كُنْتُ مُتَّخذًا خَلِيلًا غَيْرِ رَبّي ﷿) فَلَمْ يَتَّخِذْهُ وَقَدْ أطْلَقَ الْمَحَبَّةَ لِفَاطِمَةَ وابْنَيْهَا وَأُسَامَةَ وَغَيْرِهِمْ وَأَكْثَرُهُمْ جَعَلَ الْمَحَبَّةَ أَرْفَعَ مِنَ الْخُلَّةِ لِأَنَّ دَرَجَة الْحَبِيبِ نَبِيَّنَا أرْفَعُ من دَرَجَة الْخَلِيلِ إبْرَاهِيمَ وَأصْلُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إِلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ وَلَكنْ هَذَا فِي حَقّ من يَصِحُّ الْمَيْلُ مِنْهُ وَالانْتِفَاعُ بِالْوَفْقِ وَهِيَ دَرَجَةُ الْمَخْلُوقِ فأَمَّا الْخَالِقُ فمنزه عن الأعراض فَمَحَبَّتُهُ لِعَبْدِه تَمْكِينُهُ من سَعَادَتِهِ وَعِصْمَتُهُ وَتَوْفِيقُهُ وَتَهْيِئَةُ أَسْبَابِ الْقُرْبِ وَإفَاضَةُ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِ وَقُصْوَاهَا كَشْفُ الْحُجُبِ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى يَرَاهُ بِقَلْبِهِ وَيَنْظُرَ إليْهِ بِبَصِيرَتِهِ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثَ (فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ) وَلَا يَنْبَغِي أَن يُفْهَمَ من هَذَا سِوَى التّجَرُّد لله والانْقِطَاعِ إِلَى اللَّه وَالْإِعْرَاضِ عَنْ غَيْرِ اللَّه وَصَفَاءِ الْقَلْبِ لله وَإخْلَاصِ الْحَرَكَاتِ لله كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ بِرِضَاهُ يَرْضَى وَبِسَخِطِهِ يَسْخَطُ، وَمِنْ هَذَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْخُلَّةِ بِقَوْلِهِ:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنّي * وَبذَا سُمّي الْخَلِيلُ خَلِيلًا فَإِذَا مَا نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي * وَإذَا مَا سَكَتُّ كُنْتَ الْغَلِيلَا فَإِذَا مَزِيةُ الْخُلَّةِ وَخُصُوصِيَّةُ الْمَحَبَّةَ حَاصِلَةٌ لِنَبِيّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه
_________________
(١) (قَوْله وقصواها) بضم القاف والقصر (قوله كنت الغليلا) في الصحاح الغلة حرارة العطش وكذلك الغليل يقول منه غل الرجل يغل غلا فهو مغلول على ما لم يسم فاعله (*)
[ ١ / ٢١٤ ]
وَسَلَّمَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثَارُ الصَّحِيحَة المنتشرة الْمُتَلَقَّاةُ بِالْقَبُولِ مِنَ الْأُمَّةِ وَكَفَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) الآيَةَ، حكى أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قَالَ الْكُفَّارُ إنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أنْ نتخذه حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مَرْيَمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ غَيْظًا لَهُمْ وَرَغْمًا عَلَى مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) فَزَادَهُ شَرَفًا بِأَمْرِهِمِ بِطَاعَتِهِ وَقَرَنَها بِطَاعَتِهِ ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ عَلَى التوَلّي عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يحب الكافرين) * وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَام أَبُو بَكْرِ بن فُورَك عَنْ بَعْض الْمُتَكَلّمِينَ كَلامًا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَحَبَّةَ وَالْخُلَّةِ يَطُولُ جُمْلَةُ إشاراته إِلَى تَفْضِيلِ مَقَامِ الْمَحَبَّةَ عَلَى الْخُلَّةِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهُ طَرَفًا يَهْدِي إِلَى مَا بَعْدَهُ، فَمْن ذَلِكَ قَوْلهُمُ: الْخَلِيلُ يَصِلُ بِالْوَاسِطَةِ من قَوْلِهِ (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وَالْحَبِيبُ يَصِلُ إليْهِ بِهِ من قَوْلِهِ (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى) وَقِيلَ الْخَلِيلُ الَّذِي تَكُونُ مَغْفِرَتُهُ فِي حَدّ الطَّمَع من قَوْلِهِ (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خطيئتي وَالْحَبِيبُ الَّذِي مَغْفِرَتُهُ فِي حَد اليَقِينِ من قَوْلِهِ (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تأخر) الآيَةَ وَالْخَلِيلُ قَالَ (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) وَالْحَبِيبُ قِيلَ لَهُ (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النبي) فابتديئ بِالبِشَارَةِ قَبْلَ
السُّؤالِ وَالْخَلِيلُ قَالَ فِي الْمِحْنَةِ حَسْبِيَ اللَّهَ والحبيب قيل له (يا أيها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ) وَالْخَلِيلُ قَالَ (وَاجْعَلْ لى لسانه صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) والحبيب قيل له (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) أُعْطِيَ بِلَا سُؤَالٍ، وَالْخَلِيلُ قَالَ
[ ١ / ٢١٥ ]