قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) وَقَالَ تَعَالَى (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) وَقَالَ (أَلَيْسَ اللَّهُ بكاف عبده) قِيلَ بِكافٍ مُحَمَّدًا ﷺ أَعْدَاءَهُ الْمُشْرِكِينَ وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا وَقَالَ (إِنَّا
كَفَيْنَاكَ المستهزئين) وَقَالَ (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآيَةَ * أَخْبَرَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيّ الصَّدَفِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَالْفَقِيهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِريُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ المَرْوَزِيُّ حدثنا
_________________
(١) (قوله القسطنطينية) قال ابن قرقول هي بضم الطاء الأولى كذا قيدناه عن أهل هذا الشأن (قوله وبحسب هذا) باسكان السين المهملة (قوله المعافرى) بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء حى من اليمن، قاله المصنف (قوله حدثنا أبو الحسين) تصغير حسن وهو الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الجبار (*)
[ ١ / ٣٤٦ ]
أَبُو عِيسَى الْحَافِظُ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن إبراهيم حدثنا الحارث ابن عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي رَبِّي ﷿) وروي أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا اخْتَارَ لَهُ أَصْحَابُهُ شَجَرَةً يقيل تحتها فأناه أعرابي فاحترط سَيْفَهُ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: اللَّهُ ﷿، فَرُعِدَتْ يَدُ الْأَعْرَابِيِّ وَسَقَطَ سَيْفُهُ وَضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى سَالَ دِمَاغُهُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وَقَدْ رُوِيَتُ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحِ وَأَنَّ غورَثَ بن الْحَارِثِ صَاحِبُ هَذِهِ القصة وإن النبي ﵌ عَفَا عَنْهُ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ جئكم من عِنْدَ خَيْرِ النَّاسِ وَقَدْ حُكيتْ مِثْلُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ أنَّهَا جَرَتْ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَد انْفَرَدَ من أَصْحَابِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَدْ
رُوِيَ أنَّهُ وَقَعَ لها مِثْلُهَا فِي غَزْوَةِ غَطْفَانَ بِذِي أَمَر مَعَ رَجُلٍ اسْمُهُ دعثور
_________________
(١) (قوله الجريرى) بضم الجيم وفتح الراء نسبة إلى جرير بن عباد (قوله فرعدت) بضم الراء وكسر العين المهملة مبنى للمفعول لم يسمع إلا كذلك وفى بعض النسخ فأرعدت (قوله بذى أمر) بفتح الهمزة والميم بعدها راء موضع من ديار غطفان خرج إليه رسول الله ﷺ لجمع محارب قاله ابن الأثير (قوله اسمه دعثور) قال اليعمرى في سيرته وقد تقدم في غزوة ذى أمر خبر لرجل يقال له دعْثُورُ بن الْحَارِثِ من بنى محارب نسبة هذا الخبر إلى أن قال والظاهر أن الخبرين واحد انتهى وقال الذهبي في تجريد الصحابة دعْثُورُ بن الْحَارِثِ الغطفانى في حديث عجيب الإسناد، والأشبه أن غورث (*)
[ ١ / ٣٤٧ ]
ابن الْحَارِثِ وَأَنَّ الرَّجُلَ أَسْلَمَ فَلَمّا رَجَعَ إِلَى قومه الذى أَغْرَوْهُ وَكَانَ سَيّدَهُمْ وَأَشْجَعَهُمْ قَالُوا لَهُ أَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ وَقَدْ أَمْكَنَكَ فَقَالَ إِنَّي نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ أَبَيْضَ طَوِيلٍ دَفَعَ فِي صَدْرِي فَوَقَعْتُ لِظَهْرِي وَسَقَطَ السَّيْفُ فَعَرَفْتُ أنَّهُ مَلَكٌ وَأَسْلَمْتُ، قِيلَ وَفِيهِ نَزَلَتْ (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نعمة اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) الآيَةَ * وَفِي رِوَايَةِ الخَطَّابِيّ أَنَّ غَورَثَ بن الْحَارِثِ الْمُحَارِبيَّ أَرَادَ أَنْ يَفْتِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ مُنْتَضِيًا سَيْفَهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِ بِمَا شِئْتَ فَانْكَبَّ مِنْ وَجْهِهِ مِنْ زلحة زُلِّخَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَنَدَرَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ (والزُّلَّخَةُ) وَجَعُ الظَّهْرِ وَقِيلَ فِي قِصَّتِهِ غَيْرُ هَذَا، وَذُكِرَ أَنَّ فِيهِ نزلت (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نعمة اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هم قوم) الآيَةَ وَقِيلَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخَافُ قُرَيْشًا فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اسْتَلْقَى ثُمَّ قَالَ مَنْ شَاءَ فَلْيَخْذُلْنِي * وَذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ كَانَتْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ
تَضَعُ الْعِضَاه وَهِيَ جَمْرٌ عَلَى طَرِيق رَسُولِ اللَّه ﷺ فَكَأَنَّمَا
_________________
(١) (قوله أن غورث) المشهور أنه بالمعجمة المفتوحة غير مصغر ورواه الخطابى بالتصغير والشك في إعجام الغين وإهمالها (قوله أَرَادَ أَنْ يَفْتِكَ) بالفاء وضم المثناة الفوقية وكسرها أي يأخذ على غرة (قوله منتضبا) بالضاد المعجمة من نضا سيفه وأنضاه أي سله (قوله من زلخة) بضم الزاى وتشديد اللام المفتوحة بعدها خاء معجمة قال الخطابى وجع يأخذ في الظهر حتى لا يتحرك معه الإسان، وقال السهيلي وجع يأخذ الصلب (قوله زلخها) بضم الزاى وكسر اللام مبنى للمفعول (قوله العصاة) بكسر العين المهملة كل شجر يعظم وله شوك (*)
[ ١ / ٣٤٨ ]
يَطَؤُهَا كَثِيبًا أَهْيلَ، وَذَكَرَ ابن إِسْحَاقَ عَنْهَا أنَّهَا لَمّا بَلَغَها نُزُولُ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) وذكرهما بِمَا ذَكَرَهَا اللَّه مَعَ زَوْجهَا مِنَ اللم أَتَتْ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ من حِجَارَةٍ فَلَمّا وَقَفَتْ عَلَيْهَمَا لَمْ تَرَ إلَّا أَبَا بَكْر وَأَخَذَ اللَّه تَعَالَى بِبَصَرهَا عَنْ نَبِيَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا أَبَا بَكْر أَيْنَ صَاحِبُكَ فَقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُ يَهْجُونِي والله لَوْ وَجَدْتُهُ لضَرَبْتُ بهذا الفهر فَاهُ، وَعَنِ الْحَكَمِ ابن أَبِي الْعَاصِي قَالَ تَوَاعَدْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى إذَا رَأَيْنَاهُ سَمِعْنَا صَوْتًا خَلْفَنَا مَا ظَنَنَّا أنَّهُ بَقِيَ بِتهَامَة أَحَدٌ فَوَقَعْنَا مَغْشِيًّا عَلَيْنَا فَمَا أَفَقْنَا حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ وَرَجَعَ إِلَى أهْلِهِ ثُمَّ تَوَاعَدْنَا لَيْلَةً أُخْرَى فَجِئْنَا حَتَّى إذا رَأَيْنَاهُ جَاءَتِ الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه، وعن عمر ﵁ تواعدت أنا وأبو جهم ابن حذيفة لَيْلَةً قَتْلَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَجِئْنَا مَنْزِلَهُ فَسَمِعْنَا لَهُ فَافْتَتَح وَقَرَأ (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) إِلَى (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) فَضَرَبَ أَبُو جَهْمٍ
عَلَى عَضُدِ عُمَرَ وَقَالَ انْج وَفرَّا هارِبَيْنِ فَكَانَتْ من مُقَدّمَاتِ إِسْلامِ عُمَرَ ﵁، ومنه العترة الْمَشْهُورَةُ وَالْكِفَايَةُ التَّامّةُ عند ما أَخَافَتْهُ قُرَيْشٌ وَأَجْمَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ وَبَيَّتُوهُ فَخَرَجَ عَلَيْهِم من بَيْتِهِ فَقَامَ عَلَى رؤسهم وَقَدْ ضَرَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ وَذَرّ التُّرَابَ عَلَى رؤسهم وخلص
_________________
(١) (قوله أهيل) أي سائلا يقال أهيل الرمل وانهال إذا سال (قوله فهر) بكسر الفاء هو الحجر ملء الكف وقيل الحجر مطلقا (*)
[ ١ / ٣٤٩ ]
مِنْهُمْ وَحِمَايَتُهُ عَنْ رُؤَيَتِهِمْ فِي الْغَارِ بِمَا هَيَّأ اللَّه لَهُ مِنَ الآيَاتِ وَمِنَ الْعَنْكَبُوتِ الَّذِي نَسَجَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ أُمَّيَةُ بن خَلِفٍ حِينَ قَالُوا نَدْخُلُ الْغَارَ مَا أَرَبُكُمْ فِيهِ وَعَلَيْهِ من نَسْج الْعَنْكَبُوتِ مَا أَرَى أنَّهُ قَبْلَ أَنَّ يُولَدَ مُحَمَّدٌ وَوَقَفَتْ حَمَامَتانِ عَلَى فَمِ الْغَارِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لَوْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ لما كَانَتْ هُنَاك الْحَمَامُ، وَقِصَّتُهُ مَعَ سُرَاقَةَ بن مَالِكِ بن جُعْشَمٍ حِينَ الهِجْرَةِ وَقَدْ جَعَلَتْ قُرْيشٌ فِيهِ وَفِي أَبِي بَكْرٍ الْجَعَائِلَ فَأُنْذِرَ بِهِ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَاتَّبَعَهُ حَتَّى إذَا قَرُبَ مِنْهُ دَعَا عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ فَسَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسهِ فَخَرَّ عَنْهَا وَاسْتَقْسَمَ بِالْأزْلامِ فَخَرَجَ لَهُ مَا يَكْرَهُ ثُمَّ رَكِبَ وَدَنَا حَتَّى سَمِعَ قِرَاءَةَ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْر ﵁ يَلْتَفِتُ وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أُتِينَا فَقَالَ لَا تَحْزَن إنَّ اللَّه معنا فَسَاخَتْ ثَانِيَةً إِلَى ركبتها وَخَرَّ عَنْهَا فَزَجَرَهَا فنهضت ولقواءمها مِثْلُ الدُّخَانِ فَنَادَاهُمْ بالأمام فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ أَمَانًا كَتَبَهُ ابن فُهَيْرَة وَقِيلَ أَبُو بَكْر وأحبرهم بالأخبار
_________________
(١) (قوله مَا أَرَبُكُمْ فِيهِ) أي ما حاجتكم (قوله فركب فرسه) كان اسم هذا الفرس العود قيل وكانت أنثى لقوله فِي بَعْض طُرُق الصحيح فرفعتها تقرب بى (قوله فساخت) بالسين المهلمة والخاء المعجمة أي غاصت في الأرض (قوله بالأزلام) جمع زلم بفتح الزاى واللام وبضم الزاى وفتح اللام وهى القداح بكسر القاف جمع قدح بكسرها أيضا وهو عود السهم قبل أن يراش ويركب نصله فإذا فعل ذلك فهو سهم، كانوا يكتبون على زلم افعل وعلى آخر لا تفعل فما خرج لهم عملوا به (قوله ابن فهيرة) بضم الفاء وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية قيل كتابه ﷺ نيف وأربعون = = وأكثرهم ملازمة له زَيْد بن ثَابت ومعاوية بن أبى سفيان بعد الفتح وقيل أبو بكر، وجمع بين القولين بأن ابن فهيرة كتب أولا وكتب الصديق آخرا (*)
[ ١ / ٣٥٠ ]
وَأَمَرَهُ النَّبِيّ ﷺ أنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا يَلْحَقُ بِهِمْ فَانْصَرَفَ يَقُولُ لِلنَّاسِ كفيتم ماهها وَقِيلَ بَلْ قَالَ لهما أَرَاكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي فَنَجَا وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ ظُهُورُ النَّبِيّ ﷺ وَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ رَاعِيًا عَرَفَ خَبَرَهُمَا فَخَرَجَ يَشْتَدُّ يُعْلِمُ قُرَيْشًا فَلَمّا وَرَدَ مَكَّةَ ضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَمَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ وَأُنْسِيَ مَا خَرَجَ لَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ وجاء، فيما ذكر ابن إِسْحَاق وَغَيْرُهُ أَبُو جَهْلِ بِصَخْرَةٍ وَهُوَ سَاجِدٌ وَقُرَيْشٌ يَنْظَرُونَ ليَطْرَحَهَا عَلَيْهِ فَلَزِقَتْ بيده ويبسته يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ وَأَقْبَلَ يَرْجِعُ القَهْقَرَى إِلَى خَلْفِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ فَفَعَلَ فَانْطَلَقَتْ يَدَاهُ وَكَانَ قَدْ تَوَاعَدَ مَعَ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ وَحَلَفَ لَئِنْ رآه ليدمغنه فَسَألُوهُ عَنْ شَأْنِهِ فَذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ هَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ ذاك جِبْرِيلُ لَوْ دَنَا لأخَذَهُ، وَذَكَرَ السَّمْرَقَنْدِيُّ أَنَّ رَجُلًا من بَنِي الْمُغيرَةِ أَتى النَّبِيّ ﷺ لِيَقْتُلَهُ فَطَمَسَ اللَّه عَلَى بَصَرِهِ فَلَمْ يَرَ النَّبِيّ ﷺ وَسَمِعَ قَوْلَهُ فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرهُمْ حَتَّى نَادَوْهُ
وَذَكَرَ أَنَّ فِي هَاتَيْنِ الفضتين نَزَلَتْ (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا) الآيَتَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابن إِسْحَاق فِي قِصَتِهِ إذ خرج لى بنى قريظة
_________________
(١) (قوله يشتد) أي يعدو (قوله القهقرى) هو الرجوع إلى خلف (قوله إِذْ خَرَجَ إِلَى بنى قريظة) الذى ذَكَرَهُ ابن إِسْحَاق وابن عقبة وابن سعد وَغَيْرِهِم من أَهْل السير أن ذلك كان في بنى النضير وهو سبب غزوهم وأما غزوة بنى قريظة فسبها غزوة الخندق (*)
[ ١ / ٣٥١ ]
فِي أَصْحَابِهِ فَجَلَسَ إِلَى جِدَارِ بَعْضِ آطامِهِمْ فَانْبَعَثَ عَمْرُو بن جَحّاشٍ أَحَدُهُمْ لِيَطْرَحَ عَلَيْهِ وحى فَقَامَ النَّبِيّ ﷺ فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَعْلَمَهُمْ بِقَصَّتِهِمْ وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نعمة اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هم قوم) فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ نَزَلَتْ، وَحَكَى السَّمْرَقَنْدِيُّ أنَّهُ خَرَجَ إِلَى بَنِي النّضِيرِ يَسْتَعِينُ فِي عَقْلِ الْكِلابَيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرو بن أُمَيّةَ فَقَالَ لَهُ حُيَيُّ بن أَخْطَبَ اجْلِسْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَتَّى نُطْعِمَكَ وَنُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا فَجَلَسَ النَّبِيّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَتَوامَرَ حُيَيُّ مَعَهُمْ عَلَى قَتْلِهِ فَأَعْلَمَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَامَ كَأنَّهُ يُرِيدُ حَاجَتَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ مَعْنَي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَعَدَ قُرَيْشًا لَئِنْ رَأَى مُحَمَّدًا يُصَلّي لَيَطَأَنَّ رَقَبَتَهُ فَلَمّا صَلَّى النبي ﷺ أَعْلَمُوهُ فَأَقْبَلَ فَلَمّا قَرُبَ مِنْهُ وَلَّى هَاربًا نَاكِصًا عَلَى عَقِبَيْهِ مُتَّقِيًا بَيَدَيْهِ فَسُئِلَ فَقَالَ لَمّا دَنَوْتُ مِنْهُ أَشْرَفْتُ عَلَى خَنْدَقٍ مَمْلُوءٍ نَارًا كِدْتُ أَهْوِي فِيهِ وأبصرت هولا عظما وَخَفْقَ أَجْنِحَةٍ قَدْ ملأت الأرض فقال ﷺ
_________________
(١) (قوله ابن جحاش) بجيم مفتوحة وحاء مهملة مشددة وفى آخره شين معجمة قتل كافرا (قوله حيى) بحاء مضمومة مهملة فمثناة تحتية مفتوحة فأخرى مشددة (*)
[ ١ / ٣٥٢ ]
تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ لَوْ دَنَا لاخْتَطَفَتْهُ عُضْوًا عُضْوًا ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ ليطغى) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَيُرْوَى أَنَّ شَيْبَةَ بن عُثْمَانَ الْحَجَبِيَّ أَدْرَكَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَكَانَ حَمْزَةُ قَدْ قَتَلَ أَبَاهُ وَعَمَّهُ فَقَالَ الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَارِي من مُحَمَّدٍ فلَمّا اخْتَلَطَ النَّاسُ أَتَاه من خَلْفِهِ وَرَفَعَ سَيْفَهُ لَيَصُبَّهُ عَلَيْهِ قَالَ فَلَمّا دَنَوْت مِنْهُ ارْتَفَعَ إِلَيَّ شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ أَسْرَعُ مِنَ الْبَرْقِ فَوَلَّيْتُ هَارِبًا وَأَحَسَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَانِي فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَهُوَ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ فَمَا رَفَعَهَا إِلَّا وَهُوَ أَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ وَقَالَ لِي ادْنُ فَقَاتِلْ فَتَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ أَضْرِبُ بِسَيْفَي وَأَقِيهِ بِنَفْسِي ولو لقيته أَبِي تِلْكَ السَّاعَةَ لأَوْقَعْتُ بِهِ دُونَهُ، وَعَنْ فَضَالَةَ بن عَمْرو قَالَ أَرَدْتُ قَتْلَ النَّبِيّ ﷺ عام الفتح هو يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَلَمّا دَنَوْتُ مِنْهُ قَالَ: أُفَضَالَةُ؟ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ (مَا كُنْتَ تُحَدّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟) قلت: لا شئ، فَضَحِكَ وَاسْتَغْفَرَ لِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي فَسَكَنَ قَلْبِي، فو الله مَا رَفَعَهَا حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ، وَمِنْ مَشْهُورِ ذَلِكَ خَبَرُ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بن قَيْسٍ حِينَ وَفَدا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ عَامِرٌ قَالَ لَهُ أَنَا أَشْغَلُ عَنْكَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ فَاضْربه أَنْتَ فَلَمْ يَرَهُ فَعَلَ
_________________
(١) (قوله الحجبى) بفتح الحاء المهملة والجيم بعدها موحدة وياء النسبة إلى حجب الكعبة ويقع في بعض النسخ جمحى وهو غلط (قوله ثارى) أصله بالهمزة وخفف (قوله وأربد) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الموحدة بعدها دال مهملة، هو أخو لبيد بن ربيعة لأمه، بعث الله عليه صاعقة فأحرقته كافرا، ولبيد صحابي (٢٣ - ١) (*)
[ ١ / ٣٥٣ ]