اعْلَمْ أَنَّ من أَحَبَّ شَيْئًا آثره وَآثَرَ مُوَافَقَتَهُ وَإلَّا لَمْ يَكُنْ صَادقًا فِي حُبّهِ وَكَانَ مُدَّعِيًا فالصَّادِقُ فِي حُبَّ النَّبِيّ ﷺ من تَظْهَرُ علامة ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأوَّلُهّا: الاقْتِدَاءُ بِهِ وَاسْتِعْمَالُ سُنّتِهِ وَاتّبَاعُ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ وَامْتِثَالُ أوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرهِهِ وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتبعوني يحبكم الله) وَإِيثَارُ مَا شَرَعَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ وَمُوافَقَةِ شَهْوَتِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَالَّذِينَ تبوؤا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خصاصة) وَإسْخَاطُ الْعِبَادِ فِي رِضَى اللَّه تَعَالَى * حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سعيد بن الْمُسَيِّبِ قَالَ أَنَسُ بن
_________________
(١) (قوله ومنشطه ومكرهه) بفتح أولهما وثالثهما مصدران. (*)
[ ٢ / ٢٤ ]
مَالِكٍ ﵁ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ) ثُمَّ قَالَ لِي (يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أحْيَا سُنَّتِي فقد أحبني ومن أحبى كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) فَمَنِ اتَّصَفَ بِهِذِهِ الصّفَةِ فَهُوَ كَامِلُ الْمَحَبَّةِ لله وَرسولِهِ وَمَنْ خَالَفَهَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ فَهُوَ نَاقِصُ الْمَحَبَّةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنِ اسْمِهَا، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِلَّذِي حَدُّهُ فِي الْخَمْرِ فَلَعَنَةُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ مَا أَكْثَرُ مَا يُؤْتى بِهِ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ (لَا تَلْعَنْهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ) وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيّ ﷺ كَثْرَةُ ذِكِْرهِ لَهُ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ وَمِنْهَا كَثْرَةُ شَوْقِهِ إلى لِقَائِهِ فَكُلُّ حَبِيبٍ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِه وَفِي حَدِيث الأشْعَرِيّينَ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْمَدِينَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ (غدا نلق الْأَحِبَّهْ * مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ) وَتَقَدَّمَ قَوْلُ بِلَالٍ وَمِثْلُهُ قَالَ عَمَّارٌ قَبْلَ قَتْلِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ من قِصَّةِ خَالِد بن مَعْدَانَ * وَمِنْ عَلَامَاتِهِ مَعَ كثرة
_________________
(١) (قوله الذى حَدُّهُ فِي الْخَمْرِ) في صحيح الْبُخَارِيّ هو عبد الله الملقب بحمار وقال الحافظ الدمياطي في حواشيه على البخاري: هذا وهم واسمه نعيمان تصغير نعمان شهد العقبة مع السبعين وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وأتى به في شرب الخمر إلى النبي ﷺ فجلده أربعا أو خمسا فقال رجل من القوم اللهم العنه مَا أَكْثَرُ مَا يشرب وأكثر ما يجلد فَقَالَ ﵇ لَا تَلْعَنْهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ، وكان صاحب مزاح انتهى (قوله قَالَ عَمَّارٌ قَبْلَ قتله) الذى قتل عمارا هو أبو العادية يسار بالمثناة التحتية المفتوحة والسين المهملة ابن سبع، أدرك النبي ﷺ وهو غلام وسمع منه (لا ترجعوا بعدى كفارا) الحديث. وكان إذا استأذن على معاوية يقول: قاتل عمار بالباب. (*)
[ ٢ / ٢٥ ]
ذِكْرِهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ وَتَوْقيرُهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَإظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالانْكِسَارِ مَعَ سَمَاعِ اسْمهِ، قَالَ إِسْحَاق التُّجِيبِيُّ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيّ ﷺ بَعْدَهُ لَا يَذْكُرُونَهُ إلَّا خَشَعُوا وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ وَبَكَوْا وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ من يَفْعَلُ ذَلِكَ مَحَبَّة لَهُ وَشَوْقًا إليْهِ، وَمِنْهُمْ من يَفْعَلُهُ تَهيُّبًا وتَوْقِيرًا * وَمِنْهَا مَحَبَّتُهُ لِمَنْ أَحَبَّ النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ هُوَ بِسَبَبهِ من آل بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وَبُغْضُ من أبْغَضَهُمْ وَسَبَّهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ من يُحِبُّ وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا) وَفِي رِوَايَة فِي الْحَسَنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحَبَّ مَنْ يُحِبُّهُ) وَقَالَ (مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمِنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ وَمَنْ أبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ) وَقَالَ (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فيحبى أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) وقال فِي فَاطِمَةَ ﵂ (إِنَّهَا بِضْعَةٌ من يغضبني ما أغضيها) وَقَالَ لِعَائِشَةَ فِي أسامة بن زيد (أحيه فَإنّي أُحِبُّهُ)، وَقَالَ: (آيَةُ الْإِيمَان حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيةُ النّفَاقِ بُغْضُهُمْ) وَفِي حَدِيث ابن عُمَرَ (من أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي
_________________
(١) (قوله اسحاق التجيبى) تجيب بضم أوله عند المحدثين وكثير من الأدباء وبفتحه عنه الباقين، والتاء عند هؤلاء أصلية، اسم لقبيلة من كنده (قوله غرضا) بفتح العين المعجمة والراء أي هدفا يرمى عليه (قوله يوشك) أي يقرب ويسرع. (*)
[ ٢ / ٢٦ ]
أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ فَبِالْحَقِيقَةِ مَنْ أحب شيئا أحب كل
شئ يحبه) وهذه سِيرةُ السَّلَفِ حَتَّى في الْمُبَاحَاتِ وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ حِينَ رَأى النَّبِيّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبّاءَ من حَوَالي الْقَصْعَةِ فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاء من يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ وَعَبد الله ابن عَبَّاسٍ وَابْنُ جَعْفَرِ أتَوْا سَلَمى وَسَألُوهَا أنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَلْبَسُ النّعَال السَّبْتِيَّة وَيصْبُغُ بالصُّفْرَةِ إِذْ رَأَى النَّبِيّ ﷺ يَفْعَلُ نَحْو ذَلِكَ * وَمِنْهُا بُغْضُ من أبْغَضَ اللَّه وَرَسُولهُ وَمُعَادَاةُ من عَادَاهُ وَمُجَانَبَةُ من خَالَفَ سُنَّتَهُ وَابْتَدَعَ فِي دِينِهِ وَاسْتِثْقَالُهُ كُلَّ أمر يُخَالِف شَرِيعَتَهُ قَالَ الله تعالى (لا نجد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورسوله) وَهَؤْلَاءِ أصْحَابُهُ ﷺ قَدْ قَتَلُوا أحِبَّاءَهُمْ وَقَاتَلُوا آباءَهُمْ وَأبْنَاءَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بنُ عَبْد اللَّه بن أبي: لَوْ شِئْتَ لأتَيْتُكَ بِرَأْسِهِ
_________________
(١) (قوله الدباء) بالمد وحكى المصنف فيه القصر أيضا جمع دباة وهو الفرع (قوله من حوالى) بفتح اللام (قوله أتَوْا سَلَمى وَسَألُوهَا) قال المزى في الأطراف كانت سلمى مولاة للنبي ﷺ ويقال مولاة لصفية وهى زوج أبى رافع وداية فاطمة الزهراء أو قابلة إبراهيم بن النبي ﷺ وغاسلة فاطمة الزهراء مع أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ (قوله السبتية) السبت بكسر السين المهملة جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال، سميت بذلك لأن شهرها قد سبت عنها أي أزيل وحلق، وقيل لأنها أسبتت بالدباغ أي لانت وقال ابن قرقول عن الدراوردى منسوبة إلى موضع يقال له سوق السبت. (*)
[ ٢ / ٢٧ ]
يَعْنِي أبَاهُ.
وَمِنْهَا أَن يُحِبَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أتى بِهِ ﷺ وَهَدَى بِهِ وَاهْتَدَى وَتَخَلّقَ بِهِ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ
وَحُبُّهُ لِلْقُرْآنِ تِلَاوَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَتَفَهُّمُهُ وَيُحِبُّ سُنَّتَهُ وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهَا، قَالَ سَهْلُ بن عَبْد اللَّه: عَلَامَةُ حُبّ اللَّه حُبُّ الْقُرْآنِ وَعَلَامَةُ حُبّ الْقُرْآنِ حُبُّ النَّبِيّ ﷺ وَعَلَامَةُ حُبّ النَّبِيّ ﷺ حُبُّ السُّنَّةِ وَعَلَامَةُ حُبّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَعَلَامَةُ حُبّ الآخِرَةِ بُغْضُ الدُّنْيَا وَعَلَامَةُ بُغْضِ الدُّنْيَا أنْ لَا يَدَّخِرَ مِنْهَا إلَّا زَادًا وَبُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ، وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ لَا يَسْألُ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا الْقُرْآن فإنْ كَانَ يُحِبُّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ حُبّهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَفَقَتُهُ عَلَى أمَّته وَنُصْحُهُ لَهُمْ وَسَعْيُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَرَفْعُ الْمَضَارّ عَنْهُمْ، كَمَا كان ﷺ بِالْمُؤْمِنينَ رؤوفا رَحِيمًا.
وَمِنْ عَلَامَةِ تَمَامُ مَحَبَّتِهِ زُهْدُ مُدَّعِيهَا فِي الدُّنْيَا وَإيثَارُهُ الْفَقْر وَاتّصَافُهُ بِهِ وَقَدْ قَالَ ﷺ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي: (إنَّ الْفَقْرَ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أسْرَعُ مِنَ السيْلِ مِنْ أَعْلَى لوادى أَوِ الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِهِ) وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بن مُغَفَّلٍ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي أُحِبُّكَ فَقَالَ (انْظُرْ مَا تَقُولُ) قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ (إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حديث أبي سعيد بمعناه.
_________________
(١) (قوله وبلغة) بضم الموحدة ما يتبلغ به من العيش (قوله ابن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة (قوله تجفافا) بكسر المثناة الفوقية بعدها جيم = = ساكنة شئ من سلاح يترك على الفرس يقيه الأذى وقد يلبسه الإنسان أيضا، وجمعه تجافيف ويروى جلباب وهو الإزار، قال القتيبى معناه أن يرفض الدنيا ويزهد فيها ويصبر على الفقر والتقلل فكنى بالتجفاف والجلباب عن الصبر لأنه يستر الفقير كما يستران البدن. (*)
[ ٢ / ٢٨ ]